في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والتقنية، أصبحت الإدارة ليست مجرد جهاز تنفيذي يقدم الخدمات، بل فضاء حيوي يتداخل فيه القانون، والشرعية، والقيم، والفاعلية. فالانتقال من الإدارة الكلاسيكية إلى الإدارة الاستراتيجية لم يعد مجرد تحديث للمساطر أو الرقمنة، بل تحول عميق في فلسفة الدولة نفسها، يطرح أسئلة جوهرية حول العدالة، الإنصاف، والقدرة على جعل القرارات الإدارية فعلا منصفة ومؤثرة على المجتمع والمواطنين.
هذه الديناميات أصبحت محور النقاش في الدورة التكوينية الثانية لكلية الحقوق أكدال، تحت عنوان "من الإدارة التنفيذية إلى الإدارة الاستراتيجية: بين الشرعية الدستورية وفعالية الأداء العمومي"، والتي نظمت بالتعاون مع الجامعة الشعبية المغربية ووسيط المملكة.

الشرعية في قلب الإدارة المعاصرة
في هذا الصدد، قال كمال هشومي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، إن اختيار موضوع الشرعية يعود إلى كونها مسألة أساسية لاستمرار الدولة؛ إذ يمكن أن تكون هناك دولة قائمة من الناحية الشكلية، لكنها إذا افتقدت إلى الشرعية قد تنهار.
وأوضح في مداخلته أنه لم يعد من الصعب اليوم الحديث عن تحديث الإدارة أو ما يسمى برقمنة الإدارة وتسريع الخدمات، وهي مصطلحات باتت حاضرة بقوة في البرامج الحكومية والحملات الانتخابية والتصريحات الرسمية، غير أن السؤال الحقيقي والمقلق يظل مرتبطا بموقع العدالة ضمن هذا التحديث وهذه العصرنة: هل أصبحت الإدارة اليوم أكثر عدلا، أم أنها فقط أصبحت أكثر سرعة؟

وأشار أستاذ القانون الدستوري، إلى أن الدولة، في نهاية المطاف، لا تقاس بقدرتها على إصدار القواعد والقوانين، بل كذلك بقدرتها على جعل هذه القواعد والقوانين تعيش بشكل عادل، ويجتهد في إطارها بشكل منصف. ومن هنا، فإن التحول الذي نناقشه اليوم ليس تحولا تقنيا، بل تحول عميق في فلسفة الدولة نفسها. فعندما نتحدث عن الإدارة، فإننا نتحدث عن الدولة، باعتبارها الأداة المنفذة لها؛ أي الانتقال من إدارة تنفذ إلى إدارة يفترض فيها أن تنصف، وهذا هو التحدي الحقيقي.
الشرعية الدستورية من احترام النص إلى عدالة الأثر
وأفاد أستاذ القانون الدستوري، أنه إذا عدنا إلى الإطار القانوني المؤطر والمتمثل في دستور 2011، الذي أحدث تحولا نوعيا في موقع الإدارة داخل الدولة، بحيث لم تعد مجرد جهاز تنفيذي، بل أصبحت فاعلا دستوريا ملزما بالحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان جودة الخدمات العمومية؛ لكن هل يكفي أن تحترم الإدارة القانون لكي تكون عادلة؟.
ولفت هشومي، الانتباه إلى أنه في الفقه التقليدي، كانت الإجابة نعم: على الإدارة أن تحترم القانون، وبالتالي فإن احترام القانون هو العدل. لكن اليوم، أصبحت الإجابة أكثر تعقيدا؛ إذ ننتقل من شرعية الامتثال للنص إلى شرعية تحقيق الأثر. ما هو الأثر الذي يأتي بعد تنفيذ هذا القرار؟ أي إن القرار الإداري لا يقاس فقط بمدى تطبيقه أو مطابقته للقانون، بل بما يترتب عنه من نتائج ملموسة على المواطنين.
واستطرد أستاذ القانون الدستوري، قائلا نأخذ مثالا بسيطا نعيشه: مواطن في منطقة قروية يستفيد نظريا من برنامج اجتماعي عمومي، مثل الحماية الاجتماعية. الإدارة قامت بكل شيء بشكل قانوني؛ وضعت المسطرة بشكل واضح، واعتمدت الرقمنة، وفتحت باب طلبات الاستفادة، واحترمت النصوص التنظيمية. لكن هذا المواطن لا يتوفر على اتصال جيد بالإنترنت، ولا يتقن استعمال المنصات الرقمية، ولا يجد من يواكبه في هذه المسطرة التي تبدو له معقدة؛ والنتيجة أنه لم يودع طلبه في الأجل المحدد، أو أقصي لخطأ شكلي بسيط، أو تأخر في الاستفادة لأشهر. إذا نحن أمام إدارة احترمت القانون، واحترمت المسطرة، واشتغلت بكفاءة تقنية، لكن في المقابل مواطن لم يحصل على حقه؛ فالقوانين دائما جامدة، وتحتاج إلى من يكلمها ويجتهد من داخلها.
الإقصاء الإداري في العصر الرقمي
أبرز أستاذ القانون الدستوري، في معرض حديثه أن هناك مفارقة عميقة في الدولة المعاصرة، تتمثل في الانتقال من الإقصاء الإداري التقليدي إلى الإقصاء الإداري الرقمي؛ إذ نريد الرقمنة وتطوير المساطر، لكنها بدورها قد تتحول إلى أداة للإقصاء، بحيث لا يتم حرمان المواطن بقرار مباشر، بل عبر مسطرة تبدو محايدة، لكنها في أثرها غير متكافئة.
وأوضح هشومي، أن الإدارة قد لا تظلم المواطن حين ترفض طلبه، بل قد تظلمه حين تتركه عاجزا عن تقديمه؛ وهنا يبرز أن الشرعية الدستورية نفسها أصبحت تتطلب شيئا أعمق، وهو أن يكون القانون عادلا بأثره، لا فقط صحيحا في شكله. وأضاف أن الإدارة قد تكون قانونية وفعالة، لكنها غير منصفة، وهذا هو أخطر أشكال الاختلال؛ لأنه لا يظهر كخرق للقانون، بل كتطبيق سليم له، تطبيق سليم من حيث الشكل، لكنه غير منصف في نتائجه.
وأفاد أستاذ القانون الدستوري، أن الإدارة لم تعد مجرد أداة تنفيذ، بل أصبحت تقترح السياسات، تحدد البدائل، تؤثر في القرار، بل وتعيد صياغة التنفيذ، وهو ما نسميه بالسلطة التنفيذية الممتدة. ومع ذلك، تظهر مفارقة خطيرة، إذ أصبحت الإدارة أكثر قوة واستراتيجية، لكنها أقل خضوعا للمساءلة السياسية المباشرة، إلا في حالات مثل الطعن في القرار الإداري، بينما تظل المحاسبة السياسية غير المنتخبة تؤثر في القرار وتحدد نتائجه. وهنا نقترب من إشكالية كبرى في الدولة الحديثة، تتمثل في تنامي قوة الإدارة مقابل غموض مسؤوليتها الديمقراطية.
الإدارة المغربية بين الكلاسيكية والاستراتيجية
في سياق متصل، كشف رضوان أعميمي، أستاذ القانون الإداري والتدبير العمومي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، أن الإدارة انتقلت من المفهوم الكلاسيكي إلى مفهوم حديث، وهو الإدارة الاستراتيجية، الذي، بالمناسبة، لم يكتمل بعد، ولم تستنفد معالم هذا المفهوم، خاصة في التجربة المغربية، وليس فقط في التجربة المغربية، بل أكثر من ذلك حتى في التجارب الغربية. وأضاف أن اليوم نعيش مجموعة من التحولات سواء وطنية أو إقليمية أو دولية، تجعل من اللايقين المفهوم السائد على المستوى الدولي.
وأوضح أستاذ القانون الدستوري، في مداخلته أن الحديث اليوم عن نموذج للإدارة يظل مرتبطا بالمغامرات التي لا يمكن الحسم فيها، وهذا ينطبق أيضا على النموذج المغربي. وأشار إلى أن النموذج المغربي عرف تراكمات مهمة جدا، خاصة إذا تحدثنا عن الفترة من ما بعد الاستقلال إلى يومنا هذا، حيث شهد انتقالا من النموذج الكلاسيكي للإدارة، القائم على البيروقراطية والإجراءات والمساطر والمفهوم الكلاسيكي للشرعية، إلى نموذج أكثر مرونة، مر بمجموعة من المراحل التي عرفها الإصلاح الإداري في المغرب.
الانتقال إلى الإدارة الدستورية الحديثة
أشار أعميمي، إلى أن الإصلاح الإداري في المغرب كان دائما مرتبطا بالإصلاحات السياسية، وأن النموذج المغربي عرف مجموعة من المحطات الفارقة في تحوله، خاصة تلك المتعلقة بالنصوص القانونية، وهو أمر لا يكفي بمفرده.
ولفت الانتباه إلى أن التحولات لم تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل شملت المستوى المؤسساتي، إذ لاحظنا في الخطاب العمومي المرتبط بإصلاح الإدارة تغييرات كبرى على مستوى المفاهيم والخطابات، ترافق معها بالطبع تحولات مهمة على المستويات التشريعية والتنظيمية والمؤسساتية.
وأضاف أنه، طبعا، خلال مجموعة من المراحل، وخاصة الفترة التي تلت دستور 2011، والتي كانت مرحلة مهمة جدا في الانتقال من المفاهيم الكلاسيكية للإدارة إلى مفاهيم حديثة، تم الارتقاء بهذه المفاهيم إلى مستويات دستورية. وأصبحنا هنا نتحدث عن الحكامة الجيدة والمفاهيم المرتبطة بالإدارة بصفة عامة، مثل الجودة، الفعالية، الإنصاف، العدالة المجالية، بالإضافة إلى مجموعة من المبادئ التي ارتقت إلى المجال الدستوري. وبالتالي، أصبحنا اليوم نتحدث عما يسمى بالقانون الدستوري للإدارة، بمعنى أننا أصبحنا أمام مفاهيم مهمة جدا تؤطر الإدارة انطلاقا من الدستور.
وأبرز أعميمي، في معرض حديثه أن التساؤل المطروح هو: هل الدستور كوثيقة معيارية كاف للحديث عن الانتقال من نموذج كلاسيكي إلى نموذج متطور؟ وأوضح أن الجواب مبدئيا هو لا، لأن دستور 2011 بمفاهيمه المتقدمة وسياقه كان مؤثرا بشكل كبير على المفاهيم المرتبطة بالإدارة، خاصة إذا استرجعنا المطالب المرتبطة بحركة 20 فبراير، ففي مرحلة ما قبل دستور 2011 كانت هناك مجموعة من المطالب ترفع في وجه الإدارة، خاصة تلك المرتبطة بمحاربة الفساد، مما وضع الإدارة في الواجهة.
واستطرد قائلا إن الاستجابة الدستورية كانت بالفعل في مستوى هذه المرحلة، من خلال وضع مجموعة من المبادئ والمفاهيم، وتلتها بعد ذلك مجموعة من التحولات على المستويين التشريعي والتنظيمي.
الإدارة الحديثة: من الخدمة التقليدية إلى التفاعل والقيم
وفي سياق حديثه عن التحديث الإداري، أفاد أستاذ القانون الدستوري، أن هذه التحولات تثير مجموعة من الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الإدارة ودورها الحقيقي في المجتمع. مشيرا إلى أن التساؤل الأساسي يكمن في مدى مواكبة هذه التحولات لتحولات قيمية، خاصة فيما يتعلق بتمثل الفاعل العمومي لمفهوم الإدارة؛ فهل الإدارة مجرد جهاز تقني للحكومة لتقديم الخدمات، أم أنها تعمل فعلا لخدمة المصلحة العامة؟ هذا الأخير يحمل في طياته معنى حساسا، إذ قد ينطوي على احتكار جهة معينة لتحديد مفهوم الخدمة أو تعريف المصلحة العامة.
وأضاف أعميمي، أن السؤال يتسع ليشمل ما إذا كانت هذه التحولات ترافق تحولا قيميا أعمق، يتعلق بالإنصاف والعدالة المجالية والاجتماعية والرقمية. كما أشار إلى أهمية النظر في مدى تغير تصور المجتمع والمواطن للإدارة، باعتبار أن الإدارة هي فضاء تفاعل بين المؤسسات والهيئات من جهة، والمواطنين من جهة أخرى، فهل المواطن أصبح فعلا شريكا غير مغيب في هذا التفاعل؟
وكشف أن الإدارة لم تعد اليوم بالمفهوم الكلاسيكي في المغرب تقدم الخدمات بالطريقة التقليدية، سواء في إعدادها أو تنفيذها أو تتبعها. وأوضح أن هناك تحولات مهمة، خاصة مع تعقد الوظائف التي أصبحت الإدارة تتدخل فيها، وزيادة الحاجيات الاجتماعية، بالإضافة إلى الضغوط الاجتماعية والمالية المتزايدة عليها. وأكد أن هناك توجها نحو الانتقال إلى نموذج يفرض مداخل جديدة لتعاطي الإدارة مع الشأن العام، سواء على المستوى التنظيمي والمؤسساتي، أو في علاقتها مع المجتمع والمرتفقين، وصولا إلى المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة مراقبة شرعية القرارات الإدارية.