عقدت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي ندوة صحافية تحدث فيها رئيسها شكيب بنموسى عن أثار فيروس كورونا على عمل اللجنة مع الكشف بالأرقام عن حصيلة الأشهر الستة الأولى من نشاطها.
ياسين مجدي
بعد مرور شهر على الجدل الذي تسببت في تغريدة لسفيرة فرنسا بالمغرب، اطلعت الصحافة المغربية يوم الاثنين الماضي على الحصيلة المرحلية للجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي. وبعد بضعة أسابيع على بث شريط ضمن برنامج "Grand Angle" على القناة الثانية، يستعيد الأشهر الستة الأولى من عمل "مجموعة الـ35"، بدا شكيب بنموسى وأعضاء اللجنة مستعدين للتواصل بشأن العمل الذي أنجزوه. والحال أن عمل اللجنة تأثر بجائحة كورونا باعتراف رئيسها: "لقد أثر فيروس كورونا على عملنا حتى وإن تمكنا من التقدم في أعمالنا بفضل وسائل التواصل عن بعد. ولكن لم تكن الزيارات الميدانية منتظمة كما في السابق.. ونحن نحاول تدارك هذا الأمر خاصة وأن ما جرى في هذه الفترة أثر على تصورات المواطنين وعلى أولوياتهم".
ولتدارك هذا النقص، حصلت اللجنة على تمديد ستة أشهر لإعداد خلاصاتها ورفعها إلى الملك محمد السادس. وليس هذا فقط، "فهذه المدة الزمنية الإضافية ستتيح لنا إمكانية توسيع التفكير على المستويين الوطني والدولي حول تداعيات الأزمة التي تسببت فيها جائحة كورونا"، يقول شكيب بنموسى الذي مازال يشغل منصب سفير المغرب في باريس.
أرقام وحروف
مسلحا بالأرقام، شرع بنموسى في بسط الأعمال التي أنجزتها اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي خلال الستة أشهر الأولى من عملها. وتبين من هذه الأرقام أن أعضاء اللجنة:
شاركوا في 180 حصة استماع ورشة
التقوا بـ1200 شخصية بشكل مباشر
توصلوا بـ6200 مساهمة عبر قنوات التواصل الست للجنة.
ومكنت هذه اللقاءات والمساهمات فريق بنموسى من تكوين فكرة أولية عن انتظارات المواطنين من عمل اللجنة. وكان الموضوع المتواتر هو "استعادة الثقة"، ويقول بنموسى بهذا الصدد "من الضروري تعزيز ثقة المغاربة في أنفسهم وفي الآخرين، وفي المجتمع وفي البلد". كما همت مطالب الناس كذلك "العدالة الاجتماعية والمجالية" فضلا عن القضايا المرتبطة بـ"التعليم والشغل والتغطية الصحية" حسب ما جاء في العرض الذي قُدم في هذه الندوة الصحافية الافتراضية.
وبناء على حصص الاستماع واجتماعات العمل هذه تمكن رئيس اللجنة وفِرق عمله من تحديد محاور التفكير الخمسة التي ستنكب عليها "مجموعة الـ35" بهدف "خلق دينامية قوية بإمكانها خلق الثروات المادية وغير المادية". وردا على سؤال بخصوص حجم الوثيقة التي ستعدها اللجنة، قال بنموسى إن التقرير النهائي سيكون "معقولا من حيث عدد الصفحات وسيتضمن الكثير من المعطيات المفصلة في الملاحق".
بعد ذلك أعطى رئيس اللجنة الكلمة للمنسقين الخمسة لفرق التفكير وهم: محمد فكرات منسق التفكير حول الاقتصاد؛ غيثة لحلو، التي يركز فريقها على الرأس مال البشري؛ وعدنان عديوي، الذي ينكب على المواضيع المرتبطة بالشباب؛ والعربي الجعيدي المكلف بالقضايا الاجتماعية؛ ومحمد الطوزي الذي يشتغل على محور التنمية المرتبطة بالحكامة.
أمراض الاقتصاد المغربي
وقال محمد فكرات، وهو الرئيس المدير العام لشركة "كوزيمار"، إن الاقتصاد المغربي حقق عددا من الإنجازات تتمثل في سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أطلقها محمد السادس في اتجاه القارة الإفريقية، والمخططات القطاعية التي أطلقتها مختلف الحكومات، فضلا عن "أكثر من 50 استراتيجية ليست كلها في المجال الاقتصادي ولكن جزء كبيرا منها له طبيعة اقتصادية، مثل مخطط المغرب الأخضر، مخطط أليوتس، ومخطط التسريع الصناعي".
ولم يكتف فكرات بقائمة الإنجازات التي تحققت في المملكة، بل أشار كذلك إلى النواقص التي يعتبرها مرتبطة بالاقتصاد الوطني. من بينها، نمو ذو إنتاجية ضعيفة من حيث فرص الشغل (165 ألف منصب في 2019)، وغير قادر على امتصاص القادمين الجدد إلى سوق الشغل.
وفي نظر رجل الأعمال، فإن الاقتصاد المغربي يعيقه مناخ أعمال يشكو من "جبوب الفساد" ومن عدم فعالية بعض القوانين. ولكن حتى إن تم التخلص من هذه العوائق، فسيتعين تشجيع القطاع الخاص على المخاطرة، والكف عن تفضيل الأنشطة الريعية. هذه العوامل كلها تفضي إلى ضعف واضح في مجال الابتكار.
ولكن ما السبيل إلى تجاوز هذه المعيقات؟ لتحسين مناخ الأعمال يوصي محمد فكرات بإعادة النظر بشكل شامل في الإجراءات الإدارية وتقليص الرخص. كما يشدد على أهمية تقليص مجال الريع من خلال تشجيع الاستثمار وكذلك المنافسة. وحث أيضا على ضرورة توطيد وتحسين فعالية وظيفة الضبط والمراقبة التي تنهض بها الدولة.
راميد في حاجة إلى علاج
إذا كانت غيثة لحلو قد أشادت بـ"راميد"، فإنها ترى بأن التغطية التي يوفر نظام المساعدة هذا غير كافية. فـراميد "لا يغطي السلة الكاملة للعلاجات المرجعية، ويتمحور نشاطه حول العلاجات الممنوحة في المستشفيات العمومية" تقول لحلو، مشيرة إلى الآثار التي تخلفها هذه النواقض على المواطن: "50% من الأسر تكون مضطرة للمساهمة في تكاليف العلاجات... وحتى الذين يملكون إمكانات العلاج يمكنهم أن يعانوا من نقص في الولوج إلى العلاجات ومن تدني جودتها في نظام الصحة العمومية".
طيب، فما هي الوصفة المطلوبة لعلاج تغطية صحية مريضة؟ بالنسبة إلى غيثة لحلو يجب السعي لبلوغ هدف "تغطية تشمل 100% من المغاربة من حيث الولوج المنصف إلى مختلف مؤسسات العلاج". وبخصوص التغطية الصحية في معناها الدقيق، فالسيدة لحلو تقترح إٍرساء "سلة من العلاجات الضرورية بناء على التجارب العالمية".
أما فيما يتعلق بالمستقبل، فمنسقة فريق الرأس المال البشري توصي باعتماد التطبيب عن بعد، بما أن جائحة كورونا عززت الحضور الرقمي في حياتنا اليومية. كما تقترح إرساء أسس التطبيب الجماعي (médecine communautaire. وهذا النوع من التطبيب، الذي تم تجريبه في كل من سويسرا وكندا، يتطلبفي الآن ذاته الإدارة الصحية والإحصاءات والمعلوميات. وهو يقوم على الوقاية وتنظيم العلاجات.
هذه الإجراءات ينبغي أن يصاحبها إعادة تأهيل البنى التحتية الصحية. وتقول غيثة لحلو: "بغض النظر عن الجودة، من الضروري تحسين مستوى الولوج إلى هذه البنى التحتية وتعميمه. فآجال الانتظار قبل الوصول إلى بعض العلاجات يؤكد لنا أن تغييرات كبيرة يجب أن تحدث". ولمواكبة هذا التطور على مستوى الموارد البشرية، تقترح اعتماد "حكامة تقوم على النتائج والإنجاز" وتوصي بإحداث مكافآت تحفيزية. والهدف هو جعل القطاع الصحي مساهما حقيقيا في اقتصاد البلاد، مع العلم أنه لا يزن حاليا سوى 2.5% من الناتج الداخلي الخام. "هذه النسبة تصل في بعض البلدان إلى 10% وهذا يجب أن يكون واحدا من أهدافنا" تقول منسقة فريق الرأس المال البشري باللجنة الخاصة بالنموذج التنموي.
تعليم معيق
وإذا كانت غيثة لحلو قد أتت على ذكر "النجاحات" التي تم تحقيقها في مجالي التمدرس ومحاربة الأمية، فإنها بالمقابل أوردت العديد من الإحصاءات المستقاة من التقارير الدولية لتسليط الضوء على اختلالات النظام التعليمي المغربي. وتقول: "إن عدد السنوات التي يقضيها المغربي على مقعد الدراسة هو ستة أعوام في المعدل. وهذا من بين أدنى المعدلات في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط والقارة الإفريقية. والحال أن هناك اختلالا منذ بداية المسار الدراسي. فعلى سبيل المثال فقط 25% من التلاميذ البالغين عشرة أعوام هم المتمكنون من القواعد الأساسية".
ومن العاهات الأخرى التي يشكو منها النظام التعليمي المغرب، ذكرت لحلو الهدر المدرسي، فـ"40% فقط من التلاميذ في السلك الابتدائي يصلون إلى الثانوية".
ونفس الملاحظة أوردتها غيثة لحلو فيما يخص الانتقال من التعليم الأساسي إلى التعليم العالي، فـ40% من الطلبة الذين يلجون الجامعة يغادرونها دون الحصول على أي ديبلوم". وتوضح أن هذا الأمر "يؤثر سلبا على البحث العلمي وعلى فرص خلق مجتمع المعرفة... والابتكار"، وترجع سبب هذا الاختلال كذلك إلى "الجدار القائم بين العالم الأكاديمي والقطاع الخاص، ونفص المنافذ بين هذين العالمين".
فما السبيل إذن لعلاج هذه الأمراض التي تنخر جسد التعليم المغربي؟ بالنسبة لغيثة لحلو، يكمن الحل في تطبيق أربعة إجراءات: الأول، التركيز على المدرسينوالاستثمار في تكوينهم بشكل جيد؛ الثاني، إرساء نظام يضمن التسيير الذاتي للمؤسسات التعليمية يمكنها من تنفيذ إصلاح المناهج وتطوير أساليب التعليم وتقييم أداء المدرسين؛ الإجراء الثالث،خلق نظام حقيقي للتوجيه بالنسبة للطلبة يضعهم في قلب النظام التعليمي؛ أخيرا، العمل على توطيد الروابط مع القطاعين العام والخاص و"هدم الجدار الفاصل بين هذين العالمين".
إشكالات القضايا الاجتماعية
بكونه منسق فريق القضايا الاجتماعية، عاد العربي الجعيدي في مداخلته إلى الحديث عن "راميد"، وأشار كذلك إلى العديد من "الشبكات الاجتماعية" التي أعدتها السلطات من قبيل "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" وبرنامج "تيسير"، ودعم الأرامل، وهذه كلها إجراءات مكنت من توسيع قاعدة المستفيدين من التغطيات الاجتماعية حسب قول المستشار الاقتصادي الأسبق لعبد الرحمان اليوسفي، الذي ذكر كذلك بأن المساواة بين الجنسين أقرها الدستور، وبأن هناك حزمة من القوانين التي تروم تأكيد هذا الأمر.
بيد أن هناك مشاكل هيكلية تعيق كثيرا التقدم الحاصل في المجال الاجتماعي. فالمغرب يتوفر على أكثر من مائة برنامج ذي طبيعة اجتماعية، ولكن تغيب عنها النظرة الشاملة والقيادة. كما أشار الجعيدي إلى العديد من "الإكراهات الهيكلية" في تنزيل المساوات بين الجنسين على أرض الواقع. وهذا مؤشر مقلق خاصة وأن النساء مدعوات للقيام بدور مركزي في الرؤية التنموية للجنة بنموسى. وتقول غيثة لحلو إن "الانخفاض المطرد لنسبة نشاط النساء (19% حاليا) مقلقة، إذ فقدنا حوالي 10 نقط في هذا المجال خلال العقدين الأخيرين". للتصدي لهذه الاختلالات يقترح العربي الجعيدي "تقوية النساء ودعم استقلاليتهن".
توصيات أم حزمة إجراءات؟
إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بعد الندوة الصحافية الطويلة للجنة الخاصة بالنموذج التنموي، هو ماذا سيتضمنه التقرير النهائي لفريق بنموسى؟ مجرد توصيات أم حزمة من الإجراءات القابلة للتطبيق سريعا؟ يرد رئيس اللجنة على سؤال "تيل كيل" بالقول: "إن العديد من المقترحات التوجيهية ستواكبهاآليات التطبيق، كما سنوفر مؤشرات المتابعة التي ستمكننا من قياس مدى التقدم في إنجاز مشروع ما".
وحسب الرؤية التي تعتمدها اللجنة، فالمشاريع المهيكلة لن يجري تقييمها بناء على الوسائل المخصصة لها، بل بناء على أثرها على المواطن. ولم يغفل بنموسى التأكيد على أن اللجنة ستأخذ في الحسبان الآثار التي خلفها فيروس كورونا على البلاد والعباد. باختصار يعد رئيس اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي بإعداد "نموذج له معنى بالنسبة للمواطن من حيث جدواه وديمومته".
عن "تيل كيل" بتصرف