"إيكس لي بان" .. بين عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة

تيل كيل عربي

تحل اليوم ، 16 دجنبر، ذكرى رحيل عبد الهادي بوطالب، مستشار الملوك الثلاث، محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس. نطلل في هذه الذكرى على جانب من تجربة الرجل، من خلال بحث يقارن بين نظرته إلى ما سمي بمعاهدة " إيكس لي بان" ونظرة هرم آخر  في المقاومة، هو المهدي بن بركة.

بقلم محمد معروف الدفالي 

 كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ عين الشق

                                          جامعة الحسن الثاني ـ البيضاء

 

يدور الحديث في هذه المساهمة حول قراءة مناضلين وطنيين، لما جرى في جلسات استماع " إيكس لي بان " ( غشت 1955) ، التي دشنت مسار إنهاء العمل بمعاهدة الحماية ، واسترجاع المغرب لاستقلاله . وقد تبدو هذه المقارنة غريبة ، في رأي البعض ، اعتمادا على أن آخر صورة علقت بذهن المغاربة وغيرهم ، حول عبد الهادي بوطالب ، هي صورة " مستشار الملك " ، وأن آخر صورة علقت بالذهن نفسه ، حول المهدي بن بركة ، هي صورة " رجل الثورة والتغيير " ، صورتان متناقضتان ، توحيان بأن أي مقارنة بين الرجلين ، وجب أن تنحو نحو البحث بعيدا عن مواطن التماثل أو التقارب ، وقريبا من مواطن اختلاف المواقع وتناقض الطموحات ، بما تركز عليه ، هذه الأخيرة ، من تخالف وتباين ومن تغاير وتقابل . ورغم أننا لا نستبعد إمكانية المقارنة في هذا الباب ، استنادا إلى عدد من المحطات في حياة الرجلين ، الوطنية والسياسية ، فإننا نقترح قراءة أخرى ، تعتمد كون صبغة الاختلاف بينهما ، اقتصرت ، في الغالب الأعم على الظاهر ، أي على التكتيك ، وطالما التقت حول الأهداف وحول الخلاصات والنتائج ، وهو ما اخترنا الإطلالة عليه ، عبر قراءة كل منهما ، لمحطة " إيكس لي بان " ، التي لا تشكل المثال الوحيد في هذا الباب ، كما توضح ذلك ، العديد من المواقف ومن نقط الالتقاء في مسارهما ، والتي يمكن أن تلقي بعض الضوء على وجودهما معا ضمن قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، سنة 1959  ، ذلك اللقاء الذي يمكن قراءته بعيدا عن كل صدفة واضحة ، قريبا من قناعات مشتركة كامنة ، تأجل طفوها إلى حين نضج الشروط .

لقد أصبح المهدي بن بركة ، في لحظة من لحظات مساره السياسي ، مؤمنا بضرورة الثورة من أجل الإصلاح ، وكان عبد الهادي بوطالب مؤمنا بالإصلاح طريقا للتغيير ، فكان التقاؤهما ، سنة 1959 ، مبشرا بطريق ثالث يجمع بين ليبرالية بوطالب واشتراكية المهدي ، غير أن الأمر تعرض لعملية إجهاض مبكرة ، وفي مرحلة العلقة ، أي قبل أن يتحول إلى جنين .

في علاقة الملك الحسن الثاني بالمهدي بن بركة ، يتحدث عدد من الشهود ومن الباحثين ، على مظهر التكامل السياسي الذي كان بين الرجلين ، ويتأسف آخرون عن مآل تلك العلاقة وما خسرته الدولة المغربية جراء ذلك المآل . وفي علاقة المهدي بن بركة بعبد الهادي بوطالب ، يلمح البعض إلى دور تلك العلاقة في استقطاب أطر شورية مهمة ، ومشاركتها في عملية تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ويتأسف بعض آخر حول ما لقيه عبد الهادي بوطالب ، من عنت قيادات من  الاتحاد ، انتمت إلى الحزب الذي خرجت منه فكرة تأسيس الحزب الجديد ، أي حزب الاستقلال ، خوفا من منافسة بوطالب لها ، وخوفا من قوة قربه من المهدي بن بركة ، فكان أن وصل الضغط والعنت مدى ، جعل بوطالب ينسحب من الحزب ، ويترك فراغا لدى المهدي ، الذي كان يعول عليه كثيرا ، كما تردد ذلك في عدد من المناسبات . فهل يمكن مقارنة خسارة المهدي بن بركة لعبد الهادي بوطالب ، بخسارة الملك الحسن الثاني للمهدي بن بركة ، وهل يمكن أن نقرأ في تقريب الحسن الثاني لعبد الهادي بوطالب منه ، لدرجة وصوله منصب المستشار ، تعويضا ، بهذا الشكل أو ذاك ، عن خسارته للمهدي بن بركة ؟ لن يكون هذا هو موضوعنا ، ولكن المقارنة بين الرجلين ، من خلال موضوع إيكس لي بان ، قد تفتح شهية مقارنات أكثر عمقا ، تساعد على بلورة مشاريع أبحاث  حول النخبة الوطنية المغربية ، وحول قراءتها للمرحلة الانتقالية ، من دولة الحماية ، إلى دولة الاستقلال .

بين عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة

عاشت الحركة الوطنية صراعا قويا بين مشاربها وفصائلها ، اندلع منذ سنوات التأسيس الأولى ، وكان أشرس تلك الصراعات بين من كانوا أنصارا لعلال الفاسي ، وبين من كانوا أنصارا لمحمد بن الحسن الوزاني ، الحزب الوطني لتحقيق المطالب ، والحركة القومية ، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية ، ثم حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال ، بعد تلك الحرب . من يبحث في تاريخ هذا الصراع ، يجد أن إمكانية التخفيف من غلوائه ، وحصره في حدود المنافسة السياسية ، كانت جد ممكنة ، لغياب اختلافات جذرية بين التنظيمين ، ولغلبة المشترك على الدافع نحو التباعد ، إيديولوجيا وتركيبة أنصار . وفي هذا الباب ، ومادام حديثنا منصبا على عبد الهادي بوطالب ، فلابد من الإشارة إلى أنه ، وبعد حصوله على شهادة العالمية ، وبعد أن حق له تقديم دروس بالقرويين ، تمثل في تجربته تلك ، شخصية علال الفاسي ، حيث درس في المكان نفسه ، الذي كان يدرس به علال الفاسي ، قبل نفيه ، ودرس نفس الكتاب الذي كان يدرسه ، كما جلب عليه سخط العالم عبد الحي الكتاني وسخط سلطات الحماية ، مثلما حصل لسابقه[1] . ومن يطلع على ما كتبه حول الحركة الوطنية ، من خلال سيرته ، ودفاعه عن حزب الشورى والاستقلال ، لا بد أن يستحضر عبد الكريم غلاب وما كتب حول حزب الاستقلال ، في كتابه عن الحركة الوطنية . وفي الحقيقة فالعديد من إمكانيات الحفر في استلهامات عبد الهادي بوطالب لشخصية علال الفاسي ، جد متوفرة وواضحة ، كما أن المقارنة بينه وبين عبد الكريم غلاب واردة ، في عدد من الجوانب .

       وبخصوص بعض تقاطعات مساره مع مسار المهدي بن بركة ، نشير إلى انتمائهما المشترك للجيل الثاني من الحركة الوطنية ، جيل فترة الحرب العالمية الثانية ، وما بعدها ، وإلى أنهما ، معا ، من مواليد المدن العواصم ، بما يحمله الميلاد والنشأة من دلالات  ، في فترة الحماية ، من ضمنها فتح العيون على العمل الوطني الذي كانت انطلاقته من هذه المدن . فقد ولد عبد الهادي بوطالب ، بمدينة فاس ، ونشأ نشأته الأولى بها ، كما ولد المهدي بن بركة بمدينة الرباط ، وتلقى توجهاته الأولى بين دروبها . وفيما يخص الدراسة ، تخرج الأول من المدارس الحرة التابعة للحركة الوطنية ، ثم من جامعة القرويين ، وتخرج الثاني من مدارس الحماية التي كانت تحمل اسم المدارس الفرنسية الإسلامية ، ثم التحق بالمدارس الفرنسية لتهيئ الباكالوريا ، قبل أن يكمل دراسته الجامعية بجامعة الجزائر . وفي مسارهما التكويني ، تنبه الأول إلى محدودية التعليم التقليدي ، ففكر في النهل من الثقافة العصرية ، وفي سياق ذلك تعلم اللغة الفرنسية ، وعرف الثاني أن الرياضيات وحدها غير كافية للفعل في الحياة التي يعيشها المغرب والمغاربة تحت الاستعمار ، فعكف على تثيف نفسه تثقيفا ذاتيا ، انفتح عبره على اللغة العربية وعلى عدد من علوم الفكر .

 وبمتابعة ظروف النشأة الأولى ، يلاحظ المتتبع التحاق بوطالب والمهدي بالعمل الوطني منذ سن مبكرة ، حيث التحق الأول بخلايا كتلة العمل الوطني بفاس في سن التاسعة من عمره ، وتتلمذ ، وطنيا ، على يد عدد من الرموز ، منهم محمد بن عبد الله ، والهاشمي الفيلالي ، وإبراهيم الوزاني . وتحت تأثير توجهات ، هذا الأخير ، أصبح بعد انشقاق ، تلك الكتلة ، عضوا بتنظيم " الحركة القومية " التي أسسها محمد بن الحسن الوزاني والمقتنعين بأفكاره وتصوراته . وشبيها بهذا المسار ، اعتنق المهدي بن بركة الوطنية ، كذلك ، في سن الطفولة ، بتأثير من أحد مدرسيه " التهامي الإسماعيلي " ، ثم عمق وعيه الوطني على يد محمد اليزيدي ، وانتمى لكتلة العمل الوطني في سن الخامسة عشرة ، ليلتحق إثر انشقاق الكتلة سنة 1937 ، بـ  " الحزب الوطني لتحقيق المطالب " ، الذي ضم أنصار علال الفاسي . وفي سياق نشاطه السياسي والجمعوي ، ترأس " جمعية تلاميذ ثانوية مولاي يوسف " بالرباط .

 وكان أول لقاء بين الرجلين  ، بالمعهد المولوي ، بالقصر الملكي ، حيث درسا الأمراء ، ومنهم الأمير الحسن ، الذي سيصبح الملك الحسن الثاني ، فيما بعد ،  علوم اللغة والشريعة ، ومادة الرياضيات . وهي الفرصة التي تقربا خلالها من الأمير ، وأصبح كل واحد منهما من أقرب الأصدقاء إليه .

وبتزامن مع هذه المرحلة ، لعب كل من المهدي بن بركة وعبد الهادي بوطالب ، دورا مهما في حركة المطالبة بالاستقلال ، حيث كان المهدي الذي ساهم بفعالية في تأسيس حزب الاستقلال ، وراء التعبئة من أجل عريضة 11 يناير 1944 ، ووراء استقطاب جمعيات قدماء تلاميد الثانويات الفرنسية الإسلامية ، التي شكلت فصيلا أساسيا في تأسيس حزب الاستقلال وفي تحضير وتقديم العريضة المذكورة . ويظهر أن العلاقة بين عبد الهادي بوطالب وبين المهدي بن بركة ، كانت وراء موافقة المهدي على توقيع عبد الهادي بوطالب وبعض صحبه بالرباط على عريضة 11 يناير باسمهم الشخصي ، رغم عدم توصل حزب الاستقلال مع أنصار الوزاني الذي كان بالمنفى ، إلى توافق حول الأمر ، لولا التلكؤ الذي لجأ إليه أحمد بلافريج الذي يظهر أنه لم يوافق على ذلك . وإذا عرفنا بأن عريضة 11 يناير ، كانت عريضة باسم حزب الاستقلال ، فقد يكون بإمكاننا أن نتساءل حول أن يكون المهدي بن بركة بتلك الموافقة ، قد فكر في استقطاب عبد الهادي بوطالب إلى صفوف حزبه ؟ ومهما كان الأمر فإن عدم توقيع بوطالب على تلك العريضة 11  ، خلق شروطا ، جعلت هذا الأخير يلعب دور الوسيط بين القصر وبين قيادة الحركة القومية ، في السياق الذي قاد إلى تقديم القوميين لعريضتهم المطالبة بالاستقلال للقصر وللمراجع العليا الأخرى بتاريخ 13 يناير 1944 [2]، ليكون ، بوجه من الوجوه ، صاحب دور في هذه العريضة ، قريبا من الدور الذي تكفل به المهدي بخصوص عريضة حزب الاستقلال . وفي نفس سياق تشابه الأدوار ،  كان عبد الهادي بوطالب من مؤسسيي حزب الشورى والاستقلال ، بمدينة الدار البيضاء ، على أنقاض حزب " الحركة القومية " التي كان مقرها بفاس ، ومن أطره العليا ، مثلما كان المهدي بن بركة من مؤسسي حزب الاستقلال ، بالرباط ، على أنقاض الحزب الوطني لتحقيق المطالب ، الذي كان مركزه العام بفاس ، ومن أطره العليا . وفي خضم حركة النضال ضد الحماية ، كان الرجلان معا ، من المقتنعين بضروررة الجمع بين النضال الداخلي ، وبين النضال الخارجي اعتمادا على المنظمات الدولية . ومثلما برز المهدي بن بركة في صفوف حزبه سياسيا وصحفيا ، كان عبد الهادي بوطالب ، في صفوف حزبه ، قياديا متميزا ، وصحفيا ، أتقن تتلمذه على محمد بن الحسن الوزاني ،في هذا الباب ، وتكلف بالنيابة عنه في كتابة افتتاحيات جريدة الحزب ، في الكثير من المناسبات .

وفي سنة 1951 ، وبعد تأسيس " جبهة الأحزاب الوطنية " ، بدعم من الجامعة العربية ، كان عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة ضمن وفد تلك الجبهة إلى فرنسا للتعريف بقضية المغرب وللعمل من أجل عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى[3] ، كما كانا ، معا ، ضمن ممثلي حزبيهما ، في لقاءات إيكس لي بان سنة 1955 . وظهرا معا ، داخل حزبيهما ، في السنوات الأولى للاستقلال ، بمظهر المؤهل لإرث رآسة كل من حزب الاستقلال ، وحزب الشورى والاستقلال . وفي سنة 1959 ،  عمل الرجلان ، إلى جانب بعضهما ، في خضم حركة تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، لما نجح المهدي بن بركة في استقطاب قيادات شورية ، على رأسها عبد الهادي بوطالب ، للمساهمة في تأسيس تنظيم جديد بميول عصرية يسارية ، واقتنعت تلك القيادة بفكرته ، بشكل يمكن أن نبحث عن بعض جذوره في تمرس تلك القيادات الشورية على المعارضة ، من خلال كون حزبهم ، دخل باب المعارضة منذ حكومة البكاي الثانية ، فكان مؤسسا للمعارضة الشرعية ، كما يمكن أن نبحث عن تلك الجذور ، في الثقافة السياسية للشوريين الذين اعتبروا حزبهم باستمرار حزبا يساريا عصريا تقدميا ، دون أن نهمل ما يمكن أن يكون من مراهنة على الحزب الجديد كأفق سياسي واعد .

كان عبد الهادي بوطالب ، في تجربته وقناعاته السياسية ليبراليا تعدديا ، ينتمي إلى حزب سياسي آمن في بداية الاستقلال بأولوية بناء المؤسسات الديمقراطية ، والاعتماد عليها في بناء الدولة وتقويتها ، بينما كان المهدي بن بركة صاحب قناعة واحدية ، تؤمن بالتكتل والاهتمام ببناء دولة قوية ، تفرز مؤسسات ديمقراطية ، واستهل ذلك بإقناع حزب الإصلاح الوطني بالانضمام إلى حزب الاستقلال سنة 1956 ، لتستمر محاولاته من أجل استقطاب باقي الأحزاب الوطنية . وفي هذا الباب ، لم تخرج الصورة التي رسمتها التجربة والعلاقة ، في ذهن عبد الهادي بوطالب ، حول المهدي بن بركة ، إلى حدود سنة 1959 ، عن صورة المهدي داخل صفوف حزب الشورى والاستقلال ، غير أن هذه الصورة تغيرت لما أصبح عبد الهادي بوطالب إلى جانب ابن بركة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية .  فقد كان عبد الهادي بوطالب ، ضمن ملامح الصورة الأولى ، يرى في المهدي بن بركة ، سياسيا ومناضلا وطنيا من طينة خاصة ، كما يصوره إنسانا معتزا بشخصيته ، كثير الحذر والاحتياط ، ولا يمنح ثقته للآخرين بسهولة ، ويصفه بأنه كان سياسيا يحسن توقع الأحداث ، ويحذر دائما من مفاجآت غير مواتية ، يتوقعها ويعمل لها حسابها قبل الوقوع . واعتمادا على رواية عدد ممن نعتهم بوطالب بـ " أصدقاء المهدي " ، وصفه بأنه لم يكن ديمقراطيا بطبعه ، وأنه كان حريصا على ممارسة السلطة ومتحمسا لانفراد حزب الاستقلال بمسؤوليات الحكم ، من خلال مطالبته بإقامة حكومة منسجمة . وإذا كان أغلب الشوريين يُحملون حزب الاستقلال الجزء الأكبر من عمليات الاضطهاد التي تعرضوا لها ، في بداية الاستقلال ، كما يحملون المهدي بن بركة مسؤولية الإشراف على توجيه ذلك الاضطهاد[4] ، فإن عبد الهادي بوطالب ، تحاشى في مذكراته ، لأسباب أخلاقية ، ذكر أسماء الذين قادوا حركة ذلك الاضطهاد ضد حزب الشورى ، رغم حكيه قصة ترتيب محاولة اغتيال ضده وضد عبد القادر بن جلون[5]  . أما الصورة التصحيحية ، أو الجديدة ، فيربطها عبد الهادي بوطالب بسنة 1959 ، وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وهي صورة بناها على اللقاءات التي تمت بينه وبين المهدي ، من أجل تأسيس الحزب المذكور ، والتي روى حولها أن المهدي بن بركة ذكر له أن " التجمع الجديد سيعمل لإقامة نظام ديمقراطي ، وسيناهض جميع أشكال الدكتاتورية ، سواء داخل المجتمع أو داخل الحزب " . ورغم مفاجأة بوطالب بهذا القول ، كما ذكر في مذكراته ، ، فإنه يؤكد صدقه ، على مستوى الممارسة ، لما روى بأن ضمن الأحد عشر أمينا عاما ، التي تشكلت منها الإدارة الجماعية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، لم يكن المهدي يمارس أي طغيان بتوجهاته ، كما كان منسجما وسط الجماعة القيادية ، كواحد من الأمناء الأحد عشر . وبناء على القول الذي أكدته الممارسة ، يقول عبد الهادي بوطالب إنه اعتبر الأمر مكسبا سياسيا ، وأن نظرته إلى المهدي تغيرت ، منذ ذلك الحين[6] .  ومما يمكن أن يشهد على صدق بوطالب في هذا القول ، انصهاره التام في أوساط هذا الحزب الجديد ، وعمله الذي شهد به بعض من اشتغلوا معه عن قرب داخل الاتحاد الوطني .

 فقد قدم محمد عابد الجابري في ملفاته حول الذاكرة السياسية ، التي أصدرها تحت عنوان " مواقف " ، شهادة في حق القياديين الشوريين المساهمين في تأسيس الاتحاد الوطني ، عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة ، يقول فيها إنه وبعد اعتقال مدير جريدة " التحرير " ، لسان حال الحزب ، محمد البصري ، ورئيس تحريرها ، عبد الرحمان اليوسفي ، في دجنبر 1959 ، لم يبق في الساحة العملية من أعضاء الكتابة العامة البارزين سوى هذين القياديين ، اللذين أصبح عليهما تولي قيادة الحزب والإشراف على صحافته ، التي نابت فيها جريدة " الرأي العام " الشورية ، سابقا ، بإدارة أحمد بنسودة ، عن الجريدة الموقوفة . وضمن هذه الشهادة ، نوه الجابري بنضال بوطالب وابن سودة في الواجهة القيادية وفي الواجهة الصحفية وبتحملهما مسؤولياتهما كاملة ، لما قادا حملة الانتخابات البلدية والقروية ، التي فاز فيها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بأغلبية المقاعد في معظم وأهم المدن والمراكز[7] . إلا أنه ورغم المكانة والأدوار التي لعبها عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة في المسار الأول للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، التزاما بالاتفاق مع المهدي بن بركة ، فإنهما انسحبا من هذا الحزب ، بطريقة تدريجية ، قوبلت من قبل عدد من الاتحاديين بطرح العديد من الأسئلة والأجوبة السطحية والثانوية ، بعيدا عن النقد الذاتي وعن طرح الأسئلة العميقة ، كما كان يدعو إلى ذلك ابن بركة . ففي شهادة أخرى للجابري ، يتضح أن عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة ، عانيا من سندان النظام الذي كان يعمل على انسحابهما من الاتحاد ، ترغيبا وترهيبا ، كما عانيا من مطارق بعض الاتحاديين من أمثال المحجوب بن الصديق ، الذين لم يذخروا جهدا في تهميشهم وفي الارتياب منهم[8] .  وقد يكون الغياب الطويل للمهدي بن بركة خارج المغرب ، من الأسباب التي جعلت بعض الاتحاديين يبالغون في الضغط على بوطالب وابن سودة ، والدفع بهما نحو الانسحاب ، إما لأسباب ارتيابية ، أو لأسباب تنافسية ، قد تفسرها قدراتهما ، كما تفسرها مكانة عبد الهادي بوطالب ، لدى المهدي بن بركة .

ومن مكر التاريخ ، تزامن اختطاف المهدي بن بركة في أكتوبر 1965 ، مع وجود عبد الهادي بوطالب على رأس وزارة العدل ، وفي مذكراته يقول بوطالب ، بأن ملف اختطاف المهدي لم يعرض عليه قط ، وأن وزارته ظلت بعيدة عن ملف  ذلك الاختطاف ، الذي تكفلت به الأجهزة الرسمية والموازية المختصة ، باعتباره موضوع أمن وطني ، اشتغل عليه رجال أمن مغاربة وفرنسيين ، كما أن البث في القضية جرى بباريس وليس بالمغرب[9]  . أما فيما يخص حدث الاختطاف فيعتبره عبد الهادي بوطالب حادثا إجراميا ، ويذكر أنه ومن باب علاقته بالمهدي بن بركة ، ومن باب مشاركته إياه في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، تألم عندما سمع بما سماه بـ " النبأ المزعج " [10] .

وآخر مشترك ، نشير إليه بين الرجلين ، في هذه الورقة ، يتجلى في تعرضهما معا للمحنة والامتحان ، من قبل القصر ، بسبب اختلافهما معه[11] ، وإن لم يكن الأمر بالدرجة نفسها  ، ولا في المرحلة نفسها .

إيكس لي بان

      في شهر غشت من سنة 1955 ، دعت الحكومة الفرنسية ، التي كان على رأسها إدكار فور ، الفعاليات المغربية المعنية بقضية البلاد ، آنذاك ، إلى جلسات استماع ، سعى الفرنسيون من خلالها إلى جس نبض مختلف تلك الفعاليات ، وسبر غور تصوراتها في أفق حل للقضية المغربية . واختير لعقد تلك الجلسات ، مدينة صغيرة هي إيكس لي بان ، التي ارتبطت تلك اللقاءات باسمها ، فيما بعد ، حيث أصبح ذلك الإسم في ذاكرة المغاربة ، مرتبطا بالحدث ، أكثر من ارتباطه بالمدينة .  ويظهر أن فكرة تلك الجلسات كانت ، في إطارها العام ، وليدة تطور الموقف الدولي من الاستعمار ، الذي لم يعد مسموحا باستمراره ، كما عبرت عن ذلك مختلف الدعوات المنادية  بتصفيته ، منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وعبر عنه ارتفاع حدة تلك الدعوات بعد نهاية الحرب المذكورة . و إذا استطاعت فرنسا ، ما بعد سنة 1945 ، أن تصم آذانها في وجه الدعوات المذكورة ، فإنها لم تستطع إخفاء الإرباك الذي أصيبت به ، جراء السباحة ضد التيار ، فكانت حوادث دجنبر سنة 1952 الدامية ، بمدينة الدار البيضاء ، وما ارتبط بها من توقيف لنشاط أحزاب الحركة الوطنية ، ولصحافتها ، وكانت عملية نفي السلطان في غشت سنة 1953 ، بما حملت من خرق مكشوف لمعاهدة 1912 ، ومن ردود فعل داخلية ، كان من أبرز وجوهها اندلاع حركة المقاومة المسلحة ، واللجوء إلى المنظمات الدولية الجديدة ، بحثا عن نوع من الإنصاف ، بما يعنيه ، كل هذا من جمع بين النضال السياسي والنضال باستعمال العنف .

كان هذا الوضع ، وما ترتب عنه ، من اتساع دائرة التعاطف مع المغرب ، وراء نوع من الإحراج لفرنسا ، أمام الرأي العام الدولي ، ووراء نوع من شبه الحصار ، الذي أجبرها ، منذ سنة 1954 ، على ضرورة التفكير في تصفية نظام الحماية على المغرب . فقد حركت الإدانات المتتالية بهيئة الأمم المتحدة ، لسياسة فرنسا بالمغرب ، مياه دبلوماسيتها الراكدة ، كما حركتها الضربات التي سددتها حركة المقاومة لعدد من المصالح الاقتصادية الفرنسية بالمغرب ، وحركة المقاومة المضادة التي نظمها غلاة المعمرين الفرنسيين ، والتي هددت بحرب في المغرب ، قد تحوله إلى فوضى يصعب احتواءها ، بالإضافة إلى عدد من العوامل الخارجية ، وعلى رأسها هزيمة الفرنسيين في " ديان بيان فو " بالهند الصينية .

وكان من علامات هذا التحريك ، تلك الشعارات المعادية للاستعمار ، من داخل فرنسا نفسها ، والتي ساهمت في وصول الراديكالي الاشتراكي ، " بيير منديس فرانس " إلى رآسة الحكومة ، وأوامره التي تأسست بموجبها ،  " وزارة الشؤون التونسية والمغربية " ، مع ما حمل اسمها من دلالة الاهتمام والتفكير في القضية الاستعمارية ، لهذين البلدين  ، وما أفضى إليه ذلك التأسيس من قبول فكرة الاستقلال الداخلي لتونس ، بمشاركة الحزب الدستوري التونسي الجديد .

وقبل أن تسقط حكومة منديس فرانس ، في بداية سنة 1955 ، انضاف إلى عوامل الضغط على فرنسا ، عملية الإعلان عن الثورة في الجزائر ، في نونبر 1954 ، وإرهاصات تأسيس جيش التحرير المغربي ، بما يعنيه الأمر من سير في اتجاه ثورة مناهضة للاستعمار في كل الشمال الإفريقي ، كما انضاف إليها ضغط مؤتمر باندونغ ، فتهيأت من المجموع شروط جديدة أمام حكومة إدكار فور التي عوضت سابقتها ، والتي اهتمت بضرورة نزع فتيل كل هذه الضغوط والإحراجات ، بشكل كانت معه ثورة وادي زم ونواحيها ، صيف تلك السنة ، وفي الذكرى الثانية لنفي السلطان ، وراء الدفع بتلك الحكومة نحو نوع من تسريع وثيرة السعي وراء التسوية التي خططت لها .

ففي هذا السياق عمدت حكومة إدكار فور ، إلى تشكيل خلية متابعة وتفكير في قضية المغرب ، تكونت من خمسة وزراء[12] ، يمثلون النزعات المختلفة داخل تلك الحكومة ، قر رأيهم على عقد اجتماع موسع بفرنسا ، يضم مختلف الاتجاهات والمواقف بالمغرب ، من فرنسيين وأطياف مغربية ، وطنية وغير وطنية ، استثني منها الحزب الشيوعي المغربي ، وحركة المقاومة والفداء ، كما استثني حزبا منطقة النفوذ الإسباني ، الإصلاح ، والوحدة المغربية   . وكان الهدف من وراء الفكرة ، هو توصل مختلف الأطياف المدعوة للحضور إلى نوع من الحل التوافقي . أما مكان انعقاد  ذلك الاجتماع ، فاقترح من أجله في البداية مدينة " كان " السياحية ، ومدينة نيس ، قبل أن يتم الاتفاق على حمة " إيكس لي بان "[13] ، التي كان وزير الخارجية أنطوان بيني ، يعتزم قضاء عطلته السنوية  بها .

ونتيجة رفض الوطنيين ، الذين وجهت لهم دعوة حضور اجتماعات إيكس لي بان ، الجلوس حول مائدة مستديرة ، إلى جانب من يقفون معهم على طرفي نقيض ، فإن لجنة وزراء الحكومة الفرنسية ، اقتصرت على عقد اجتماعات مع كل هيئة على انفراد[14]  ،  ركز الوطنيون ، فيها ، وعلى هامشها ، بتنسيق مع الوفود المتفقة معهم في الأطروحة ، على محاولة إقناع الفرنسيين ، بالتعجيل بحل مشكلة العرش المغربي ، على أساس عودة السلطان محمد بن يوسف إلى المغرب وإلى العرش ، وهو ما سبق أن أبلغوه للمقيم العام كرانفال ، إثر استقباله الثاني لهم في المغرب.

قراءتان وتشابه الخلاصات

شارك كل من المهدي بن بركة وعبد الهادي بوطالب في جلسات استماع إيكس لي بان ، حيث كان كل منهما عضوا ضمن الوفد الممثل لحزبه في تلك الجلسات ، وسجل كل منهما ، فيما بعد ، رؤاه وتقييمه لما جرى ، وللنتائج والامتدادات ، في لحظة ، مارس فيها كل منهما ،  نوعا من البوح في حق الموضوع ، عبر أسئلة قصد من خلالها عبد الهادي بوطالب نفض الغبار عن قضايا تعلقت بإيكس لي بان ، سياقا ومسارا وتأويلا ،  بينما ، قصد المهدي بن بركة من خلالها ، إظهار دور الماضي في التأثير على الحاضر ، وفي عرقلة المستقبل  ، بما يستوجب نوعا من الانتباه والتدارك ، عن طريق الاستفادة من الأخطاء .

 ويظهر أن اختلاف الأسئلة بين الرجلين ، يرتبط باختلاف المنطلقات ، كما يرتبط بالمناسبة التي كانت وراء العودة للحديث عن إيكس لي بان ، لدى كل منهما . فقد كان الهدف الأساسي وراء اهتمام بوطالب بالموضوع ، في بعده الظاهر ، مندرجا ضمن باب المذكرات والسيرة الذاتية ، وتدوين تجربة أو تجارب في الحياة السياسية ، تأملا في تلك التجربة وإطلاعا لمختلف الأجيال عليها ، عساها تفيد ببعض الدروس . غير أنه وضمن هذا البعد الظاهر ، ومن خلاله ، تحقق ، بعد أعمق ، تعلق برغبة في تصحيح ما أشيع ضمن نقاشات أوساط من النخبة السياسية ، من تقويم لدور جلسات إيكس لي بان فيما آلت إليه أوضاع المغرب المستقل . وبما أن الموقع السياسي أفقد بوطالب ، على ما يبدو ،  التحرر المطلوب ، فقد لجأ إلى أسلوب تسجيل المعاينة ، صحبة تعليقات خفيفة ، معولا على نباهة المتلقي ، في الفهم والاستنتاج . وعكس بوطالب ، عاد المهدي بن بركة إلى الحديث حول إيكس لي بان في ظروف ثورية ، ارتبطت برغبته في إرساء دعائم الحزب الوليد ، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، في أفق تحول في سير الحركة التحررية المغربية[15] ، بما استوجبه ذلك ، من صراحة وتوضيح .

فمنذ أواخر سنة 1956 ، بدا لعدد من المعنيين بالحركة الوطنية السياسية ، وبحركة المقاومة والفداء ، من داخل حزب الاستقلال ، أساسا ، أن الأمور في المغرب المستقل لا تسير على ما يرام ، وأن مستقبل البلد مهدد ، لأن ثورة الاستقلال ، لم تفض إلى ثورة بناء الدولة ، بقدر ما قادت إلى توقف الحس الثوري . وفي هذا السياق النقدي تبلور خطاب سياسي ، يؤصل للوضعية كنتيجة لما  دار في جلسات إيكس لي بان ، وانتشرت نعوت في حق تلك الجلسات ، من قبيل " مؤتمر إيكس لي بان " ، و " مفاوضات إيكس لي بان " و " معاهدة إيكس لي بان " و " اتفاقيات إيكس لي بان " ، و " المقررات السرية لإيكس لي بان " و " أوفاق إيكس لي بان " ... ، كما التصقت بالمشاركين في تلك الجلسات نعوت ، من قبيل وصفهم بمن وقعوا في " مصيدة " نصبتها لهم فرنسا ، نتيجة افتقادهم حاسة الاحتياط والتوقع ، وبما يجعلهم خارج أهلية القيادة والاشتغال باسم غيرهم ، ومن قبيل " الخيانة " ، والمشاركة في اتخاذ مقررات ، وصفت ، أحيانا ، بأنها " سرية " ، وأحيانا أخرى ، بأنها " مقررات الغدر والتخلي " [16] . وانشغالا بهذا الذي كان قد راج ، وعمر الحديث حوله لسنوات ، وكذا إثباتا لنقيضه ، بما يعنيه ذلك من رغبة في تبرئة ذمة من حضر إيكس لي بان من الوطنيين ، نفى عبد الهادي بوطالب عن تلك الجلسات صفة مائدة مستديرة ، كما نفى عنها صفة مؤتمر ، مستندا إلى حجة واقعية تمثلت في كون الأطياف المختلفة الحاضرة لم تجتمع قط مع بعضها في أي جلسة من الجلسات ، وإلى حجة قانونية تمثلت في غياب شروط مؤتمر ، نتيجة عدم صدور أي قرارات أو ملتمسات عن تلك اللقاءات ، كما لم يصدر عنها أي بلاغ مشترك ، ولا أي اتفاق معلن عنه . ولهذا ردد بوطالب في كتاباته جملة ، وصف فيها جلسات إيكس لي بان ، بأنها " المؤتمر الذي لم ينعقد قط " ، كما نسب إلى الوفدين الوطنيين المشاركين في تلك الجلسات ، عملية إجهاض ما هيأت له فرنسا ، من أجل تنظيم تلك اللقاءات في شكل مؤتمر يضم مختلف الأطياف ، قصد الوصول إلى حلول وسطى متفق حولها . وإلى هذا الانتصار ، يضيف عبد الهادي بوطالب انتصارات أخرى حققها وفد الوطنيين ، من قبيل التأثير على مواقف وزير الخارجية الفرنسي بيني ، الذي تحول ، حسب قوله ، إلى متعاطف مع طرح الوطنيين ، ومن قبيل تعديل وزير الدفاع كونيغ من حدة ميوله لصف وفد خصوم الحركة الوطنية[17] .

  وبخلاف عبد الهادي بوطالب ، كانت العودة إلى إيكس لي بان ، من قبل المهدي بن بركة ، وراء طرح أسئلة مستقبلية ، فرضت إعادة قراءة الماضي القريب ، لتصحيح المسار نحو المستقبل ، عبر نوع من النقد الذاتي ، المعول عليه في فهم أعمق لما جرى ، وفي الشعور حول ذلك الذي جرى ، بتحمل المسؤوليات ، حتى لا تتكرر الأخطاء الشبيهة فيما سيأتي من الزمن  . وجاء مستند المهدي في هذا الطرح ، مبنيا على إيمانه  بكون برنامج الحزب ، كما عرفه ، هو " الخط السياسي ، الذي يوضح معارك الماضي ، وما انطوت عليه من مظاهر النصر والفشل ، ويرسم ملامح المستقبل "  ، كما جاء مبنيا على قناعة ترى بأن " أية حركة سياسية تطمح في أن تكون حركة ثورية ، لا يمكنها أن تعيش وتنمو ، إذا هي لم تقم من حين لآخر بتحليل شامل وديناميكي للمجتمع الذي تعمل فيه ، حتى تستطيع أن تقرر خطتها على أسس علمية ، وأن تتنبأ إلى حد بعيد بأحداث المستقبل " .  إن هذا الطرح ، وما يكمله من توجهات ، هو الذي جعل المهدي يربط بين  البحث عن أسباب الأزمة السياسية ، بالعودة إلى الماضي القريب ، لاستمداد قوة جديدة من الأخطاء السالفة ، وبين مسألة إعداد مناضلي الحزب للمعارك القادمة ، عن طريق جعلهم يفهمون المعنى الحقيقي للاستقلال ، و الظروف التي تحقق فيها ، ويفهمون الأخطاءالتي جعلت الحركة التحريرية المغربية ، تحرم من مكاسب نضالها . ذلك أن عرض الأخطاء والنقائص في الماضي ، يشكل ، في رأيه ، مدخلا رئيسيا لعملية إعداد أطر المستقبل .

وعبر هذه الأطروحة ، حدد ابن بركة  أخطاء الحركة الوطنية في ثلاثة رئيسية ، وصفها بالانزلاقات ، واعتبرها قاتلة ، ما لم يتداركها التصحيح . فأرجع الخطأ الأول إلى سوء تقدير ، حزب الاستقلال ، والحركة الوطنية ، عموما ، لأنصاف الحلول التي كانت مضطرة للأخذ بها ، وجعل الخطأ الثاني ، متعلقا بالإطار المغلق الذي مرت فيه معارك الحزب ، والحركة الوطنية ، بمعزل عن مشاركة الجماهير الشعبية ، بينما اعتبر الخطأ الثالث ، ناشئا عن عدم الوضوح في المواقف الإيديولوجية ، وعدم تحديد هوية الحزب .

وبالتمعن في هذه الأخطاء تظهر مسألة  إيكس لي بان مندرجة ضمن الخطأ الأول ، المبني على سوء تقدير أنصاف الحلول ، غير أنها لا تخلو ، كذلك ، من علاقة مع الخطأ الثاني والثالث ، بحكم الارتباط والتكملة . فإيكس لي بان ، بالنسبة لابن بركة ، كانت  " تسوية سياسية " ،  و عملية " إجهاض للمعركة ضد الاستعمار " و " للمسيرة الثورية  " ،التي كانت قد وصلت درجة من النضج ، كما كانت إجهاضا لدخول حركة النضال المغربي مرحلة الوضوح الجذري الحاسمة ، وإجهاضا لانتشارها أفقيا لتعم كل الشمال الإفريقي . وكلها خلاصات تمركزت حول سؤال رئيسي ، يبحث في أثر إيكس لي بان على الانطلاقة الثورية للحركة الوطنية ، بما يترتب على هذا السؤال من  قبول الحركة الوطنية بتلك التسوية السياسية ، ومن عدم إدراكها  ، لسير الأحداث وعدم تصورها للأغراض الأساسية للاستعمار الفرنسي ، و سياسته المكيافيلية والذكية  ، تحت وطأة القبول بالحلول الوسطى ، ووطأة الوعي بتلك الحلول ، حلولا يتم بمقتضاها ربح أمور ، وخسران أخرى ، مؤقتا .

وللإشارة ، لم يكن ابن بركة ضد إمكانية مرور الحركات الثورية ، في طريقها ، بحلول وسطى مرحلية ، على اعتبار أن هذا الأمر يرتبط ، عادة ، بتوازن القوى وبتحديد الأهداف القريبة والبعيدة ، لكن ما كان غير معقول ، بالنسبة إليه ، هو أن يتم تبرير التسويات وتبرير الحلول المرحلية وجعلها دائمة ، والاحتفاظ بها في صورة انتصارات ، لا تخدم في العمق سوى الأغراض الانتهازية  . ففي هذا الباب نعى على الحركة التحريرية المغربية ، عدم استفادتها من فترة توقف المسيرة الثورية لإعادة تنظيم نفسها ، ولمعالجة التضخم الذي أصابها ، واستيعاب القطاعات الثورية الجديدة في صفوفها ، كما نعى على أجهزتها ، ما أصيبت به من تعفن ، جراء ذلك ، وجراء استقبالها اتفاق " لا سيل سان كلود " ، وتراجع الكلاوي ، وحل مجلس حفظة العرش ، على أنها هزائم متتالية للاستعمار الفرنسي ، عكس الحقيقة ، التي أظهرتها فيما بعد ، مجرد فخاخ مدروسة للتظاهر بالتنازل ، وكان من بين نتائجها إقحام الحركة التحريرية في اللعبة الاستعمارية ، لما استُقبلت حلول إيكس لي بان ، بمتابة انتصارات حاسمة ، متسببة بذلك في خلق ضباب حول وضوح الوعي الثوري للمناضلين ، ولما ربطت نفسها بهدف بدا في الوهلة الأولى قريب المنال ، عكس حقيقته التي جعلته يظهر على المدى البعيد مجرد سراب  .

ويؤرخ ابن بركة لما سماه بالسياسة المكيافيلية  الفرنسية التي ارتبطت بالموضوع ، مع بداية حديث الفرنسيين عن إمكانية إعادة السلطان محمد بن يوسف إلى المغرب وإلى العرش ، بناء على  انتباههم للمعنى العاطفي لهذه الخطوة ، مع ما أعقب ذلك من إيعاز للكلاوي بالتوبة والتراجع عن موقفه المعادي للسلطان ، ومن تمرير لاتفاقية " لا سيل سان كلود " ، التي كانت من نتائج إيكس لي بان ، والتي قادت المغرب ، في رأي ابن بركة ، نحو نوع من الاستقلال الشكلي .

هي إذن ، ثلاثة خلاصات رئيسية ، أو مركزية ، في ما ذهب إليه تحليل المهدي بن بركة ، محددة في :

ـ السياسة المكيافلية لفرنسا ، وعدم إدراك حركة التحرير المغربية لكنهها ـ

ـ إيكس لي بان حملت إلى المغرب استقلالا سياسيا شكليا ـ

ـ إيكس لي بان أجهضت ثورة المغرب ، وثورة شمال إفريقيا .

حول النقطة الأولى ، يمكن أن نقابل بين ما ذهب إليه المهدي بن بركة ، من حديث حول " السياسة المكيافلية لفرنسا ، وبين ما سماه عبد الهادي بوطالب بـ " الخدعة الفرنسية " . التي أشار إليها بوضوح ، في بعض السياقات ، وترك للمتلقي حرية الربط معها ، في سياقات أخرى . فمثل تأريخ المهدي لبداية تلك السياسة مع بداية حديث الفرنسيين عن إمكانية عودة السلطان المنفي ، يدقق عبد الهادي بوطالب الأمر ، ويربطه باجتماع المقيم العام ، جيلبير كرانفال ، بمكتبه ، للمرة الثانية ، منذ تعيينه ، مع ممثلي الحركة الوطنية ، كما يربطه بالانتفاضة والأحداث الدامية التي عرفتها وادي زم ومنطقة الأطلس المتوسط ، والتي أظهرت درجة الطابع الثوري العنيف التي وصلتها حركة مناهضة الاستعمار . يصف عبد الهادي بوطالب ، حالة اليأس والقنوط التي بدا عليها المقيم العام في هذا اللقاء ، كما يصف عدوله عن الحديث عن برنامجه السياسي لحل الأزمة الفرنسية المغربية ، واقتصاره على إثارة مشكلة العرش ، مخبرا باستغراق حكومة بلاده عن مخرج توفيقي لهذه المشكلة . وهو ما يمكن أن نفهم منه بداية تطبيق الخدعة ، التي انطلت على الحركة الوطنية ، وجعلتها تختصر كل مطالبها في عودة السلطان الشرعي ، في لقائها الثاني مع كرانفال ، وفي إيكس لي بان ، التي يمكن اعتبار اللقاء المذكور ، أحد مقدماتها  . والتي تمادت فيها فرنسا بشكل  جعل عبد الهادي بوطالب يسهب في شرح محاولة الحكومة الفرنسية ، جمع كل الأطراف المتنازعة ، داخل مؤتمر يجمع مختلف الأطراف ، يوحي بأنه التأم من أجل حل نزاع بين المغاربة ، فيما بينهم .

       وقد قرأ  بوطالب ، محاولة فرنسا تلك ، نوعا من الخداع السياسي ، الذي يطمح إلى إظهار الفرنسيين في موقع الحكم الذي يريد إصلاح ذات البين بين فرقاء مغاربة ، كمقدمة لحل القضية المغربية ، ويطمح إلى إخفاء حقيقة فرنسا كخصم للمغاربة الثائرين ضدها ، والتمويه بأن أزمة المغرب ، هي أزمة عرش داخلية ، بالأساس . واعتمادا على هذه القراءة ، نعت مشروع لقاء إيكس لي بان ، بـ " خدعة إيكس لي بان " . وهي الخدعة ، التي لاحظ أن من بين أركانها ، اختيار الفرنسيين لمدينة إيكس لي بان مكانا لعقد اللقاء ، حيث فسر ذلك الاختيار باستعجال فرنسا الأمر ، وعقد المؤتمر في المكان الذي كان فيه وزير الخارجية الفرنسية للاستشفاء والاستجمام ، كما فسره برغبة الفرنسيين في أن ينعقد المؤتمر بعيدا عن أجواء باريس الرسمية والإعلامية ، وفي إطار نوع من جس النبض ، بعيدا عن صفة وشكل مفاوضات رسمية . وضمن هذا يلمح بوطالب ، إلى ركن آخر من أركان تلك الخدعة ، يدور حول اختيار سلطان من اثنين ، محمد بن يوسف أو محمد بن عرفة ، أو التخلي عنهما معا ، من أجل سلطان ثالث . وهو الركن الذي جعل وفدي الحركة الوطنية ، يرفضان الاجتماع مع الأطراف الأخرى ، سويا ، كما جعلهما يبذلان كل الوسع ، ويضافران الجهد مع غيرهما ، لإقناع المسؤولين الفرنسيين بالتعجيل بحل مشكلة العرش على أساس عودة السلطان محمد بن يوسف .

من يقرأ مذكرات عبد الهادي بوطالب ، يمكن أن ينتبه  في بعض تلميحاته ، إلى كون تركيز المقيم العام في لقائه الثاني ، مع ممثلي الحركة الوطنية في المغرب ، على مشكلة العرش ، والتركيز على المشكلة نفسها في إيكس لي بان ، يدخل ضمن الخدعة المشار إليها . فقد أصبحت عودة السلطان ، هي مطلب المطالب ، وأصبح مطلب الاستقلال نفسه ، مرتبطا بها ، وغاب التفكير في أي تفاصيل تهم مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية . وفي هذا الباب يروي ، كذلك  ، أنه وفي اللقاء الذي عقد بين الوفد الوطني وبين الوزير الفرنسي بيير جولي ، في إيكس لي بان ، عرض هذا الأخير على الوفد الوطني فكرة تشكيل حكومة مؤقتة تنظم مسألة التفاوض على الاستقلال ، غير أن أعضاء الوفد رفضوا الحديث حول أي حل ، ما لم يتصلوا بالسلطان في منفاه وما لم يتفقوا معه على ما يجب القيام به مستبعدين القيام بأي شيء في غيابه . و مصرين بإجماع على أن لا حكومة ولا تفاوض إلا بعد عودة السلطان إلى العرش . وأن لا شرعية غير شرعية السلطان المنفي ، ولا مطلب غير الاستقلال . وواضح كيف ينفي عبد الهادي بوطالب على وفد الحركة الوطنية في إيكس لي بان صفة التفاوض حول أي تفاصيل تهم مستقبل البلاد .

ويوحي ما بين سطور المذكرات المعتمدة ، أن الذي تفاوض مع الفرنسيين هو السلطان من منفاه أولا ، ثم في باريس ، بعد نقله إلى فرنسا ، كمرحلة ، في اتجاه المغرب . حيث يشير عبد الهادي بوطالب كيف كان النقاش حول مصير مصالح فرنسا في حالة حصول المغرب على الاستقلال، يعود إلى ما قبل إيكس لي بان ، وكيف أن المراسلات السياسية والمذكرات القانونية التي كان يتبادلها السلطان من المنفى مع الحكومات الفرنسية المتعاقبة  ، كانت تعطي الأمل للفرنسيين في أن عودة السلطان إلى عرشه وتغيير نظام الحماية لن يتسبب في أي قطيعة مع فرنسا ، ولن يحرمها من المحافظة على مصالحها بالمغرب . كما يشير إلى أن فرنسا كانت بين مطرقة تصفية الاستعمار بالمغرب وسندان مصالحها في هذا البلد ، فكانت تبحث عن حل وسط ، يحول دون أن يشكل استقلال المغرب قطيعة معها ، ويجعله مرتبطا بها . فهل كانت فرنسا قد أرست أسس الاتفاق مع السلطان محمد بن يوسف مسبقا ، وأن إيكس لي بان لم تكن إلا نوعا من السعي إلى تكريس ، ما تم الاتفاق عليه ، بطريقة أو بأخرى ؟ وهل محاولات جس نبض السلطان المنفي ، وجس نبض أحزاب الحركة الوطنية ، جعل فرنسا تطمئن ، من أجل مصالحها ، إلى السلطان أكثر مما اطمأنت إلى تلك الأحزاب ؟ قد نجد بعضا من الجواب على السؤالين ، فيما أورده بوطالب ، مرة أخرى ، لما تحدث عن ما بدأ يروج داخل الأوساط السياسية الفرنسية  ، لما كان الوفد الوطني ، ما يزال بإيكس لي بان ، من كون الفرنسيين أرسلوا مبعوثين إلى السلطان ، حصلوا منه على الموافقة على ما دار في إيكس لي بان  ، واتفقوا معه على خطة تسوية القضية المغربية ، ولما تحدث عن ما روجت له الصحافة الفرنسية من كلام ، حول ما أسمته بـ " أوفاق أنتسرابي " . بما نتج عن ذلك من رغبة لدى الوفد الوطني ، في زيارة للسلطان بمنفاه للتأكد مما يروج ، وهي الزيارة التي دامت ثلاثة أيام ، تحدث بوطالب حول عدد من المواضيع التي نوقشت مع السلطان ومع الأمير الحسن ، أثناءها ، دون تفاصيل حول الموضوع الذي كانت من أجله الزيارة ، والذي اكتفى بالقول حوله بأن الوفد اكتشف في أنتسرابي ، بأن ما راج  كان من نسج خيال من ابتدعوه ، وهو جواب يمكن أن يترك عمق السؤال معلقا  .

ويمكن أن نستنتج ، من خلال رواية عبد الهادي بوطالب ، أن الحكومة الفرنسية ، خططت للحصول من الحركة الوطنية ، على نوع من تفويض أمر تسوية القضية المغربية للسلطان ، وهو ما حصلت عليه ، بطريقة غير مباشرة ، عبر تخطيط مسبق ، لما اعتمدت في الإيحاء بالاستعداد لحل القضية المغربية ، على البدء في ذلك الحل بمشكلة العرش ، وعبر ربط الوطنيين في لقائهم الثاني مع المقيم العام جيلبير كرانفال ، بين المشكل برمته وبين عودة السلطان ، وتأكيدهم على هذا الأمر في جلسات إيكس لي بان . إن هذا التفويض ، غير المباشر ، هو الذي جعل فرنسا تبرم مع السلطان ، "أوفاق أنتسرابي " ، إذا صح ماراج ، وهو الذي جعل فرنسا تتحكم في اللعبة ، لما لجأت اللجنة الوزارية الفرنسية ، بعد جلسات إيكس لي بان ، حسب بوطالب ، إلى أن تجعل من مجموعة أفكار قاعدة لتسوية القضية المغربية ، دون أن تعرض الالتزام  بتلك الأفكار على الوفد الوطني المغربي . إنها الأفكار التي تبنتها الحكومة الفرنسية برمتها ، والتي تحولت إلى موقف سياسي فرنسي ، وإلى خطة عمل لتسوية القضية المغربية عبر أربع مراحل تبتدئ بإزاحة ابن عرفة ، وتأسيس مجلس العرش وتنتهي بتشكيل حكومة مغربية تحدد مع فرنسا شروط الاستقلال . ويفهم من هذه الرواية  ، أن محادثات الوطنيين مع الفرنسيين في باريس دارت حول هذا التصور الفرنسي ، كما يفهم منها أن مسألة التفويض زادت عمقا ، لما ذكر بأن الوفد الوطني في تلك المحادثات ، كان يركز على ضرورة اختصار المراحل بالبدء بعودة السلطان إلى عرشه ، وعلى التلويح بأن أي اتفاق حول استقلال المغرب لن يمس أبدا بمصالح فرنسا بهذا البلد ، خصوصا في المجال الاقتصادي . ولحذرهم من الانزلاق نحو أطروحة " الاتحاد الفرنسي " التي طرحتها فرنسا ، سابقا ، كان أبرز ما ركزوا عليه ، كذلك ، هو التعبير رفض أطروحة الاستقلال المترابط ، أو " الاستقلال داخل الترابط مع فرنسا " .

في خضم هذا السياق ، حسب مذكرات بوطالب ، كانت عودة السلطان إلى فرنسا ، وكان توقيعه " اتفاقية لا سيل سن كلود " ، التي يجعلها المهدي بن بركة ، حاملة الاستقلال الشكلي ، ولم يوليها عبد الهادي بوطالب أي اهتمام ، ربما اتقاء أي إشارة ، قد تربط بينها وبين صيغة الاستقلال في إطار الترابط ، الذي كان بعض الوطنيين ، مثل عبد الرحيم بوعبيد ، لا يرى فيه أكثر من مجموعة اتفاقات ثنائية للتعاون بين البلدين ، تبرم في إطار إرادي ومحدد[18] .

خاتمة

  استحضر كل من عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة ، الحديث حول إيكس لي بان ، في مناسبتين مختلفتين . وكان اختلاف المناسبة واختلاف القصد ، وراء اختلاف الأسئلة التي طرحها كل واحد منهما حول ذلك المنعطف ، كما كان وراء اختيار نقط  التركيز  ، ووراء التصريح أو التلميح في إبراز الخلاصات . وبين الخلاصات الثلاث التي أبرزها تحليل ابن بركة ، لما جرى في إيكس لي بان ، يتفق بوطالب معه في اثنين منها . ولا قول له في الثالثة المتعلقة باعتبار ما جرى في إيكس لي بان متسببا في إجهاض الثورة في المغرب ، وفي شمال إفريقيا . ولعل ذلك راجع إلى كون أحزاب الحركة الوطنية استمرت ، في نضالها الوطني ، معتدلة ، ولا تصرح بأي توجه ثوري يتبنى العنف ، كما كانت واعية بدعم نظام الضباط الأحرار للتوجهات الثورية في شمال إفريقيا ، وبدفعه تلك التوجهات نحو التخلص من الأحزاب السياسية ، وكانت غير متفقة مع ما آل إليه مصير الأحزاب السياسية في الجزائر ، بعد تأسيس جبهة التحرير . وقد يكون العمل على تحاشي نفس المصير ، وراء القبول بتسويات إيكس لي بان ، ولو مرحليا ، في أفق المراجعة ، بعد أن تستثب لها الأمور . إضافة إلى أن بعض التوجهات الثورية التي ظهرت داخل حزب الاستقلال ، لم تبدأ في التبلور إلا بعد إيكس لي بان ، وبعد الاختلاط بعناصر المقاومة وجيش التحرير ، التي التحقت بهذا الحزب ، غداة عودة السلطان  .

ويبدو أن فهم ما جرى في إيكس لي بان لا يستقيم دون استحضار عناصر أخرى كان لها تأثير ، بهذا الشكل أوذاك . ومن ذلك ، أن الصف الوطني لم يكن يقتصر في لقاءات إيكس لي بان على حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال ، بل كان إلى جانبهما طرف ثالث ، يتزعمه البكاي بن مبارك ، الذي لم يكن رجل سياسة ، بقدر ما كان رجل قضية ، هي قضية السلطان محمد بن يوسف ، كما كان صاحب نشاط مستمر وقوي في فرنسا من أجل تلك القضية ، منذ سنة 1954 . ويظهر أن اهتمامه بقضية عودة السلطان ، مبتدأ وخبرا ، ساهمت بالدفع بالحزبين الوطنيين نحو التركيز نفسه ، اتقاء أن يتهم أحدهما ، وهما الحزبان المتنافسان ، في إخلاصه لمحمد بن يوسف . يضاف إلى هذا أن الحزبين الممثلين للوطنيين ، لم يكونا على وفاق يساعدهما على التكتل والتنسيق ، وطرح اقتراحات ذات أفق سياسي ، فلم يبق لديهما سوى التنافس في إظهار الإخلاص للسلطان ، مؤجلين كل تصور سياسي ، إلى ما بعد عودة السلطان . ومثلما أحاط الارتياب المتبادل نشاطهما في إيكس لي بان وباريس ، أحاط بلحظة سفرهما إلى أنتسرابي ، إلى حد اتهام كل منهما للآخر بأنه حذر السلطان من نوايا غريمه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي الختام أقول ، إن ما أوحى باختيار هذه النقطة ضمن مذكرات ، عبد الهادي بوطالب ، هو ما يروج في شبكات التواصل مؤخرا ، حول نهب فرنسا لخيرات إفريقيا ، ومنها خيرات المغرب ، وما يمكن أن يترتب عن هذا الذي يروج من أسئلة حول ما يمكن أن تكون هذه الدولة قد فرضته علينا من اتفاقيات غير متكافئة ، جزاء ما ادعته من بناء للمغرب ، وضمانا لاستمرار الترابط .

 

[1]  ـ ا عبد لهادي بوطالب ، هذه قصتي ، قضايا وخبايا وأسرار عن المغرب وأحداثه ورجاله على مدى ستين عاما ، حوار وإعداد المختارعماري ، الدار البيضاء ، منشورات الأحداث المغربية ، سلسلة كتاب الشهر ، العدد 15 ، 2005 ، ص 12 ـ 14 .
[2]  ـ انظر الموضوع بـ : عبد الهادي بوطالب ، ذكريات .. شهادات .. ووجوه .. ، الجزء الثاني ،  الطبعة الثانية  ، الشركة السعودية للأبحاث والنشر  ، 1993 ، ص 97 ـ  118 .
[3]  ـ عبد الهادي بوطالب ، نصف قرن في السياسة ،  حوار مع  حاتم البطيوي ، الرباط ،  منشورات الزمن ، 2001 ، ص  177 .
[4]  ـ إثر تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ومشاركة بعض قيادات حزب الشورى والاستقلال في ذلك التأسيس ، استغرب الاستقلاليون الذين استمروا داخل الحزب ، وكتبت جريدة الأيام التي كانوا يصدرونها ، مقالا تؤكد فيه ذلك الاستغراب ، وتتساءل كيف تحالف هؤلاء مع من كانوا يغتالون مناضليهم بالأمس ، بما يمكن أن يكون في مثل هذه الكتابة من تملص من مسؤولية الحزب في عمليات الاضطهاد ، وإلصاقها بمن انشقوا عنه ، وأسسوا الاتحاد الوطني
[5]  ـ انظر ، نصف قرن في السياسة ، م س ، ص 81 ـ 82 .
[6]  ـ المصدر نفسه ، ص 177 .
[7]  ــ محمد عابد الجابري ، مواقف ، إضاءات وشهادات ، الكتاب 2 ، من الضغوط على محمد الخامس إلى الحكم الفردي المطلق ، قمع المقاومين ومؤامرة تصفية الاتحاد 16 يوليوز 1963 ، دار النشر المغربية ، أبريل 2002 ، ص 42 ـ 43 .
[8]  ـ المصدر نفسه ، ص 46 ـ 48 .
[9]  ـ نفسه ، ص 176 ..
[10]  ـ نفسه ، ص 177 .
[11]  ـ تزامن الاحتفال بالذكرى الخمسينية لسفر السلطان محمد بن يوسف لمدينة طنجة ، الذي نظمته مندوبية المقاومة مع سوء التفاهم الذي حصل بين القصر وبين عبد الهادي بوطالب . وكان هذا الأخير ضمن المدعوين  . ومما تمت ملاحظته في قاعة الاحتفال ، أن  " مستشار الملك " الذي كان يحلم الكثير من المسؤولين ، الحاضرين في الاحتفال ، بالسلام عليه ، تم تحاشيه ، وكأنه ليس حاضرا، دون أوامر تلقوها ولا تعليمات صدرت لهم . لم يأبهوا لرجل كان من الرجال الرسميين في تلك الرحلة سنة 1947 . ولم يخفف من وطأة هذا المشهد  وهذا الحصار ، سوى   مجموعة من الأساتذة المشاركين ، الذين أحاطوا بالرجل ، فاتحين معه نقاشات حول رحلة طنجة ، وحول الحركة الوطنية ، عموما .
[12]  ـ هم : إدكار فور ، رئيس الحكومة ، و الجنرال كونيغ ، وزير الدفاع ، و أنطوان بيني ، وزير الخارجية ، وبيير جولي ، وزير الشؤون المغربية التونسية ، وروبير شومان .
[13]  ـ مدينة صغيرة ، توجد في منطقة لا سافوا الفرنسية على بحيرة لوبرجي ، قريبة من مدين جنيف السويسرية ، اشتهرت بمياهها المعدنية ، وبكونها منجعا ومدينة استحمام واستجمام
[14]  ـ كان مجموع الحاضرين من المغرب في إيكس لي بان 37 شخصا ، من بينهم أنصار الاحتفاظ بالسلطان محمد بن عرفة . أما النزعة الوطنية المناصرة للسلطان المنفي محمد بن يوسف ، والمنادية بعودته إلى العرش ، فمثلها حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال ، فتكون وفد الحزب الأول من اليزيدي و عمر بن عبد الجليل ، والمهدي بن بركة، وعبد الرحيم بوعبيد ، الذي كان ناطقا ، كذلك ، باسم هذا الوفد . وتكون وفد الحزب الثاني من محمد الشرقاوي ، وأحمد بنسودة ، و عبد الهادي بوطالب ، وعبد القادر بن جلون ، الذي كان ناطقا ، كذلك ، باسم هذا الوفد .
[15]  ـ  تم الاعتماد في تتبع موقف  ابن بركة مما جرى في إيكس لي بان ، في هذه المساهمة على : المهدي بن بركة ، الاختيار الثوري في المغرب ، بيروت ، دار الطليعة ،  1966 ، ص 5 ـ  12 ، وص 37 ـ 43 .
[16]  ـ انظر حول هذه النقطة ، محمد العربي المساري ، محمد الخامس من سلطان إلى ملك ، طبعة منقحة ومزيدة ، من إعداد محمد معروف الدفالي ، وتصدير محمد القبلي ، الرباط ، المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب ، 2013 ، ص 207 .
[17]  ـ تم الاعتماد في تتبع نقاش عبد الهادي بوطالب للقاءات إيكس لي بان ومختلف أصدائها على كتابيه : ذكريات .. شهادات .. ووجوه .. ، ج 2 ، م س ، ص 565 ـ 588 . وهذه قصتي ، م س . ص 51 ـ 55 .
[18]  ـ عبد الرحيم بوعبيد ، مذكرات ، بوعبيد ، محمد الخامس والأمير مولاي الحسن 1949 ـ 1961 ، إعداد عبد اللطيف جبرو ، الرباط ، دار أبي رقراق ، 2012 ، ص 100 .