استطرادات.. ألفريد جوزيف ناكيت والحركة الصهيونية (2)

تيل كيل عربي

بقلم: ناجي العماري

لم يكن ألفريد جوزيف ناكيت يكتب من باب الرفض المجرد أو التنديد الأخلاقي العابر. اعتراضه على فكرة الدولة اليهودية لم ينبع من حساسية دينية أو موقف عاطفي تجاه معاناة اليهود في أوروبا، بل من وعي عميق بالمشروع الذي كانت تُدبّر خيوطه في الخفاء. منذ وقت مبكر، التقط ناكيت الجوهر الحقيقي للصهيونية: مشروع استعماري التفّ حول نفسه بخطاب تحرري زائف، يخاطب العاطفة بينما يهيئ الأرضية للهيمنة.

اليوم، ونحن نشهد ما يجري في غزة من حصار متواصل وقصف بلا هوادة، ونرى كيف يُمعن الاحتلال في تمزيق الضفة الغربية بجدرانه ومستوطنيه، ونسمع شكاوى المهجّرين داخل أراضي 1948، يتأكد لنا أن ما تنبأ به ناكيت لم يكن تهويلًا أو مبالغة. الرجل رأى، قبل أكثر من قرن، كيف يمكن لحلم "العودة" أن يتحول إلى أداة في يد الاستعمار. رأى أن هذا المشروع لا يسعى لإنقاذ اليهود بقدر ما يخدم مصالح القوى الكبرى التي استخدمته لفرض حضورها في قلب الشرق. وما نعيشه اليوم، من مجازر وتطهير ودعم غربي أعمى، ليس سوى إعادة تمثيل لتحذيراته القديمة... ولكن هذه المرة، بلحم ودم.

الصهيونية: وظيفة استعمارية في جلباب خطاب التحرر

في كتابه "الصهيونية والإمبريالية: تواطؤ خفي"، لم يُجمّل ألفريد جوزيف ناكيت كلماته، بل ذهب مباشرة إلى صلب الموضوع. بالنسبة له، الصهيونية لم تكن أبدًا حركة هدفها حماية اليهود أو رفع الظلم عنهم، بل كانت وسيلة مدروسة لإنشاء كيان يخدم مصالح القوى الغربية في الشرق، دون أن يُكلّفها وجودًا مباشرًا على الأرض.

هذه الرؤية، التي بدت في زمنه شاذة عن الخطاب السائد، تبدو اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. إسرائيل التي تُسوّق للعالم على أنها "ديمقراطية نموذجية" في منطقة مضطربة، تمارس فعليًا نظامًا يقوم على التمييز العنصري، وعلى فرز الناس على أساس الدين والانتماء العرقي. لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لإثبات ذلك، فشهادات الضحايا يومية، وتقارير المنظمات الحقوقية باتت واضحة وصريحة، من "هيومنرايتسووتش" إلى "أمنستي"، التي وصفت الوضع دون مواربة: أبارتايد.

وما قاله ناكيت منذ أكثر من قرن لا يبدو اليوم مجرد موقف سياسي، بل تشخيص دقيق لواقع نعيشه. حين وصف الصهيونية بأنها تُعيد إنتاج البُنى الاستعمارية القديمة، لم يكن يتنبأ، بل كان يرى بعين من عرف كيف تُفكر الإمبراطوريات. رأى كيف تُصنع الامتيازات، وكيف يُقسَّم الناس، وكيف يتحوّل "التحرر" المزعوم إلى أداة للسيطرة.

الصرخات المتكررة: الضفة الاستعمار عبر الاستيطان وقطاع تحت النار

ربما لم يكن ناكيت يتخيل أن تحذيره من المشروع الصهيوني سيتجسد في مشهد مدينة محاصرة تُقصف لسنوات دون توقف، كما يحدث في غزة. منذ عام 2008 وحتى اليوم، خاضت إسرائيل خمس حروب كبرى ضد القطاع، أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين. القصف لا يميز بين مستشفى ومدرسة، ولا بين طفل وفدائ، تمامًا كما حذر ناكيت من "وظيفة الردع الجماعي" التي تقوم بها الدولة الاستعمارية باسم الأمن.

السكوت الدولي، بل والتواطؤ الدولي، يعيدنا إلى تشخيص ناكيت بأن هذا الكيان لم يُقم لخدمة اليهود، بل لخدمة مصالح القوى الكبرى. فالدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، رغم كل الانتهاكات، لا يُفهم إلا من خلال منطق المصالح الإمبريالية الذي نبّه إليه ناكيت، ورآه جوهرًا في العلاقة بين الصهيونية والغرب.

اما في الضفة الغربية، يتواصل المشروع الصهيوني بأساليب أكثر "هدوءًا"، ولكنها لا تقل وحشية: مصادرة الأراضي، هدم البيوت، توسيع المستوطنات، الاعتقالات اليومية، وشبكة طرق تخدم المستوطنين وتحاصر الفلسطينيين. كل هذه الممارسات تؤكد ما قاله ناكيت بوضوح: "الصهيونية تُعمّق الفوارق، وتزرع حدودًا داخل المجتمعات بدلًا من إزالتها". إن ما يحدث في الضفة ليس مجرد احتلال عسكري، بل عملية هندسة ديمغرافية طويلة الأمد، تُقصي السكان الأصليين، وتحوّلهم إلى مجموعات محاصرة داخل كانتونات جغرافية واجتماعية [سياسة الغيتو].

الصهيونية بين الخطر على الذات اليهودية و فضح "صناعة الهولوكوست"

لم يكن ألفريد ناكيت وحده في ميدان هذا النقد العميق. بل سبقه ولحقه مفكرون يهود آخرون رفضوا المشروع الصهيوني من داخل التجربة اليهودية ذاتها، وعلى رأسهم حنا آرنت، التي كتبت بنزاهة فكرية نادرة عن خطورة بناء الدولة اليهودية على أسس دينية وقومية.

آرنت، التي شهدت صعود النازية وهربت منها إلى الولايات المتحدة، رأت في الصهيونية مشروعًا لا يختلف كثيرًا عن الحركات الشوفينية الأوروبية. في إحدى رسائلها، قالت: "تحويل اليهود إلى أمة سياسية سيحوّلهم من ضحايا إلى جلادين". رفضت آرنت فكرة الاستثنائية اليهودية، وحذرت من أن الدولة اليهودية ستُنتج عنفًا لا نهاية له، وتُقابل بالعداء الدائم من محيطها. لم تُدعَ آرنت لتشهد على محكمة أيخمان عبثًا، فقد مثّلت الضمير النقدي الذي فضح هشاشة الرواية الأخلاقية الصهيونية.

وفي السياق المعاصر، يبرز نورمان فنكلستاين كواحد من أشد النقاد اليهود للمشروع الصهيوني، خصوصًا في استخدامه للتاريخ كأداة سياسية. في كتابه الشهير "صناعة الهولوكوست"، يكشف فنكلستاين كيف يتم توظيف معاناة اليهود في الحرب العالمية الثانية لتبرير السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ولقمع أي نقد للانتهاكات المتواصلة.

فنكلستاين، الذي ينحدر من أبوين نجوَوا من المحرقة، يرفض استغلال ذاكرة الضحايا كغطاء للأبارتايد. وهو بذلك يكرر صدى ناكيت في رفض تحويل الظلم التاريخي إلى أداة لإنتاج ظلم جديد. لقد دفع فنكلستاين ثمنًا باهظًا لمواقفه، وأُقصي من الأوساط الأكاديمية الأمريكية، تمامًا كما تم تجاهل ناكيت في زمانه.

الرؤية الاشتراكية مقابل التجزئة

واحدة من أبرز النقاط التي التقطها ألفريد ناكيت – وغابت عن كثيرين – هي أن التحرر لا يصنعه انتماء ضيق، ولا يتحقق بتأسيس كيانات مفصلة على مقاس الطائفة أو العِرق. الحرية، كما فهمها، تنشأ من نضال مشترك، من وقوف الناس جنبًا إلى جنب، لا من تنافسهم على من هو الأحق بالألم أو الأحق بالأرض. هذا الفهم البسيط، لكن الجارح في صدقه، يتصادم اليوم مع واقع عربي غارق في الولاءات الفئوية، والتطبيع المتسرّع، والتحالفات المبنية على الخوف لا على القيم.

حين تروّج بعض الأنظمة لما يسمى "السلام الاقتصادي" أو "تحالفات الضرورة"، فإنها تعيد إنتاج المنطق الذي انتقده ناكيت: مقايضة العدالة بالاستقرار، وتسويق التعايش مع الظلم باعتباره خيارًا استراتيجيًا. النتيجة ليست سلامًا، بل واقعًا هادئًا على السطح، تعتمل تحته كل أسباب الانفجار.

وفي ظل هذا الانهيار الأخلاقي، يبرز الفلسطينيون داخل أراضي 1948 بوصفهم حالة استثنائية. لا لأنهم يقاتلون، بل لأنهم لا يزالون واقفين. لا لأنهم خارج النظام، بل لأنهم يواجهونه من داخله، من موقع المواطن المرفوض، الموجود قانونًا والمرفوض فعليًا. يحملون بطاقات الهوية الإسرائيلية، لكنهم لا يُعاملون إلا كغرباء.

من التمسك بالأرض، إلى النضال اليومي في التعليم واللغة والسياسة، يمارس هؤلاء مقاومة من نوع آخر. لا ترفع صوتها كثيرًا، لكنها تُزعج. لا تشغل الشاشات، لكنها تُربك النظام. هي مقاومة لا تبدأ بانتفاضة ولا تنتهي ببيان، بل تسير على قدمين عاريتين، بين بيت مهدد بالهدم ومدرسة تُحاصرها المناهج.

وهنا يتجلى كلام ناكيت في أوضح صوره: أن النضال الحقيقي ليس صدى لشعارات كبيرة، بل موقف مستمر، حتى في أكثر لحظات الصمت. أن تقف في وجه الإقصاء، لا لأنك تنتمي لدين معين، بل لأنك ترى الظلم وتعرف أن السكوت عليه مشاركة فيه — هذه هي الفكرة التي لم تتقادم.

ختاما، ما كتبه ألفريد جوزيف ناكيت لم يكن مجرد رؤية أكاديمية، بل نداء إنساني متجاوز لزمنه. واليوم، وبينما يُعاد إنتاج المأساة الفلسطينية بشكل يومي، يتأكد أن ما طرحه ناكيت ليس ماضويًا، بل هو دعوة ملحّة لإعادة تعريف التحرر: لا على أساس الانتماء القومي، بل على أساس العدالة الاجتماعية، والمساواة، ووحدة المضطهدين ؛ وكما قال :

"لا خلاص في الانعزال، ولا كرامة في التفوق، بل في تآزر المظلومين ضد الظالمين مهما اختلفت أعراقهم".