تباطؤ الصادرات مقابل ارتفاع الواردات.. محلل: من الضروري إرساء اقتصاد متنوع ومستدام

خديجة قدوري

كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرة إخبارية حول الوضعية الاقتصادية الوطنية، أن الصادرات الوطنية من السلع والخدمات سجلت تباطؤا في معدل نموها، منتقلا من 5.8 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2024 إلى 2.2 في المائة خلال نفس الفصل من سنة 2025.

وأشارت المندوبية إلى أن حجم الواردات من السلع والخدمات عرف ارتفاعا بنسبة 9.8 في المائة، عوض 7.6 في المائة، مع مساهمة سلبية في النمو بلغت 4.7 نقاط مقابل 3.7 نقاط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

تباطؤ الصادرات الوطنية

في هذا الصدد، قال خالد بنعلي، المحلل الاقتصادي، إنه بالنسبة لتباطؤ نمو الصادرات مقارنة بالفصل الأول من سنة 2024، هناك مجموعة من العوامل، من قبيل الجفاف وانعكاساته على القطاع الفلاحي، ووجود أسواق عالمية أخرى، بالإضافة إلى أن تراجع القيم الموحدة، أي الأسعار على المستوى العالمي، قد يؤدي إلى تراجع على مستوى المبالغ الناتجة عن الصادرات.

وأوضح بنعلي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن الأسواق الخارجية يسودها توتر، ويعزى ذلك إلى ضعف الطلب الخارجي وتباطؤ قطاعات معينة لها أثر كبير على حجم الصادرات المغربية.

وشدد على ضرورة تنويع الاقتصاد الوطني والصادرات، بالإضافة إلى التفكير في أسواق جديدة، لأن الأسواق تتغير والحاجيات كذلك. مشيرا إلى الدور الذي باتت تلعبه التكنولوجيا، حيث هناك معطيات ومؤشرات جديدة، اليوم، تجعل من التجارة الخارجية لأي دولة محورا أساسيا، على اعتبار أن العلاقات مع باقي دول العالم والأسواق العالمية تدخل ضمن الفاعلين الخمسة الكبار لكل اقتصاد وطني، الذي يتكون أصلا من المستهلكين والمنتجين والشركات المنتجة، وكل معادلة للدخل الوطني ترتكز على هذه العوامل، وبالتالي فانخفاض الصادرات مقابل ارتفاع الواردات، يقلص من الناتج الوطني.

ارتفاع حجم الواردات

في هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي، بخصوص ارتفاع حجم الواردات وانعكاسه على الميزان التجاري، إنه لا بد من تتبع فصول أخرى للتأكد من انعكاساته وتحديد أسبابه، لأن ارتفاع الواردات معناه تآكل المدخرات النقدية واحتياطيات العملة الصعبة، لأن الواردات تؤدى بالعملة الصعبة، وحين يكون انخفاض للصادرات يعني أن الكتلة النقدية والمدخرات النقدية واحتياطيات العملة الصعبة تنخفض.

وأشار بنعلي إلى أن الجانب الثاني يتمثل في الاعتماد المتنامي على استيراد المواد الاستهلاكية، فهذه السنة عرفت استيراد اللحوم ومواد أخرى، مما أدى إلى هذا الارتفاع، وثالثا لا ننسى أن هناك احتدام المنافسة الخارجية، لأنه بعد "جائحة كوفيد" صار يبحث عن أسواق، وبالتالي لا بد من تنويع الأسواق وضمان تواجدها، وهذه الأمور يمكن تجاوزها، باعتماد سياسة معينة ونهج اقتصادي جديد يرتكز على ما يعرف بالرصد الاستراتيجي لتطورات الأسواق العالمية.

وكشف المحلل الاقتصادي أنه كلما تطرقنا إلى الصادرات أو الواردات فإننا نتطرق إلى موقع المغرب في السوق الدولي وفي الأسواق الدولية الإنتاجية، وكلما تطرقنا إلى الأسواق المالية المديونية نتطرق إلى موقع المغرب في الأسواق المالية، ومن هذا المنطلق يجب أن تكون المعطيات على الصعيد الدولي واضحة ولدى الجميع وأن تبنى عليها السياسات.

وأبرز  أنه إذا كان الفوسفاط، في فترة معينة، هو الرائد وبعد ذلك أضفنا إليه قطاعات أخرى في الصادرات، من قبيل صناعة السيارات وصناعة الطائرات، وربما مستقبلا صناعة أجزاء القطارات وصناعات أخرى، فهناك أسواق أخرى تسير في نفس النهج، وحتى المنتوجات الفلاحية حين يكون الجفاف من الطبيعي أن يكون هناك ضغط وتكلفة مرتفعة تجعل المنتوج غير تنافسي في أسواق كبرى.

ارتفاع الطلب الداخلي

وفي ما يتعلق بارتفاع الطلب الداخلي في الفصل الأول، أفاد بنعلي أن مرده إلى ارتفاع الأجور في القطاعين العام والخاص والبرامج الاجتماعية التي وضعت السجل الاجتماعي، ودعم الأسر، والتغطية الصحية، مما ساهم في تحفيز الطلب الداخلي لأنها توفر مداخيل لاقتناء السلع والخدمات.

وفي السياق ذاته، لفت بنعلي الانتباه إلى الجانب الثاني، والمتمثل في تراجع التضخم في المرحلة السابقة، بحيث ساهم في تحسين مستوى الطلب الداخلي مقارنة بالفترة التي عرفت تضخما. مشيرا إلى أنه قد تم توسيع الولوج إلى مجموعة من المنتوجات المالية التي توفر للشركات وخاصة جمعيات القروض الصغرى والمقاولات الصغرى والجد صغرى، وبالتالي هذا يساهم في تقوية الطلب الداخلي.

وأضاف قائلا: بالنسبة لنمو الاستثمار أعتقد أنه توجد اليوم مشاريع البنية التحتية الكبرى، وجاذبية المغرب للاستثمارات الخارجية والتوجه الجديد للدولة في رؤية تنموية، إذ أن الدولة تعتبر محفزا ومحددا لمجموعة من السياسات الاستباقية، في هذه الحالة دخلنا في مرحلة نموذج ميثاق الاستثمار، لذا فهذه الأمور من شأنها أن تساهم في نمو الاستثمار، خاصة وأن الفترة من "جائحة كوفيد" إلى الآن ظلت تشتغل بمنشطات، فالدولة تساهم بشكل كبير في الاستثمار العمومي لتحفيز عجلة الاقتصاد وهذا معطى دولي، وبالتالي هذا من الأسباب التي ساهمت في ارتفاع الاستثمار.

وفي ما يتعلق بما إذا كانت دينامية اقتصادية جديدة أم لا، قال بنعلي إن الدينامية في طور التكوين فعلا، فالمغرب ينتقل اليوم من منطق الفلاحة نحو اقتصاد إنتاجي واقتصادي وتكنولوجي متنوع، وهذا الانتقال يتطلب فترة كبيرة، ولعل مجموعة من الاستراتيجيات قد وضعت.

بالنسبة للجديد هناك تحسين ورقمنة خدمات الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق، وكلها مؤشرات تبرهن على الرغبة في إنتاج القيمة المضافة، لأن مجموع القيمة المضافة هو الذي يعطي فكرة عن معدل هذا النمو وتكوين الثروة ببلادنا.

وخلص إلى القول، بخصوص اقتصاد الطلب الداخلي، إن هناك اليوم توجها يتعين أن يسير في اتجاه تطوير الاستهلاك والإنتاج المحلي عبر دعم "الإنتاج في المغرب"، وعبر عدالة مجالية وسياسة تعليمية، وإرساء معالم الدولة الاجتماعية، بما يساهم في خلق توازن واعتبار الطلب الداخلي رافعة للاقتصاد الوطني.