روبورطاج: كيف أصبح المغاربة القوة العاملة المهاجرة الرئيسية في إسبانيا

تيل كيل عربي

في الأيام الصافية، التي تسود جنوب إسبانيا غالبا، يمكن بسهولة رؤية جبل موسى من شواطئ الجزيرة الخضراء، حيث يُعد بداية الساحل المغربي.

جبل موسى في إفريقيا، وصخرة جبل طارق في أوروبا، كانا يُعرفان عند الإغريق بـ"عمودي هرقل"، بوابة نهاية العالم المعروف.

ورغم أن المضيق يُعد اليوم أحد أكبر الحدود غير المتوازنة عالميا، فقد تحول أيضًا إلى جسر للهجرة، خاصة للمغاربة، الذين عبره أكثر من مليون شخص واستقروا في إسبانيا، ليصبحوا الجالية الأجنبية الأكبر، وكذلك القوة العاملة الأجنبية الرئيسية في البلاد.

تحوّلت إسبانيا خلال ثلاثة عقود من دولة يغادرها السكان إلى وجهة رئيسية للهجرة. فقد ارتفع عدد المهاجرين فيها إلى ثلاثة أضعاف خلال 20 عامًا، حيث أصبح واحد من كل خمسة أشخاص في البلاد مولودا في الخارج.

ورغم أن نحو 47٪ من الأجانب في إسبانيا قادمون من أمريكا اللاتينية، إلا أن المغاربة يتصدرون التعداد حسب الجنسية، بعدد يفوق 1,092,000 شخص، متجاوزين الرومانيين الذين احتلوا الصدارة لسنوات.

يتوزع عملهم في قطاعات الزراعة والبناء والضيافة، وبعضهم قضى عقودا في البلاد، بينما وصل آخرون حديثًا. الجيل الثاني يواجه تحدي الهوية، بالإضافة إلى تصاعد خطاب الكراهية اليميني.

 

ضحايا التمييز وخطاب اليمين المتطرف

شهدت مدينة Torre Pacheco أعمال شغب عنصرية، نظّم خلالها متطرفون مطاردات "صيد" ضد شباب مغاربة، مما أثار قلق الجالية.

في يونيو 2025، بلغ عدد المغاربة المسجلين في الضمان الاجتماعي 363,337، متفوقين على جميع الجنسيات الأخرى، رغم أن نصف الأجانب المقيمين هم من أمريكا اللاتينية.

يعود هذا التفاوت جزئيا إلى قوانين التجنيس. فمواطنو أمريكا اللاتينية يمكنهم طلب الجنسية بعد عامين فقط، بينما يُطلب من المغاربة الإقامة 10 سنوات، مع إجراءات طويلة ومعقدة.

وبعد الحصول على الجنسية، غالبا ما يختفي المهاجرون من الإحصاءات الرسمية كأجانب، مما يفسر تفوق المغاربة في قوائم الضمان الاجتماعي.

موجتان كبيرتان للهجرة

شهدت إسبانيا موجتين كبيرتين من الهجرة: من أواخر التسعينيات إلى 2008 قبل الأزمة المالية. بعد الجائحة، حيث تضاعف التدفق، خصوصًا من فنزويلا ودول أخرى.

ورغم خطاب اليمين، فإن معظمهم يدخل سوق العمل بنشاط. فـ75٪ من الوافدين إلى سوق العمل منذ 2002 كانوا من مزدوجي الجنسية أو أجانب.

المهاجرون المغاربة، كسائر شعوب المغرب الكبير، دفعتهم الظروف الاقتصادية الصعبة إلى الهجرة. فالناتج المحلي المغربي عام 2024 بلغ 154 مليار دولار فقط، مقارنة بـ1.7 تريليون دولار لإسبانيا.

يؤكد أحمد خليفة، رئيس الجمعية المغربية لإدماج المهاجرين في مالقة: "هي هجرة اقتصادية في البداية، ثم عائلية بعد الاستقرار".

بفضل تعديلات قانون الأجانب، خاصة في مايو 2025، أصبح لمّ الشمل الأسري أسهل. كما ساهمت زيادة عدد المجنسين المغاربة في إدخال عائلاتهم لاحقًا.

ويرتكز وجود المغاربة في الزراعة، ثم الضيافة والبناء. ورغم مؤهلاتهم، يشغل الكثيرون وظائف لا تتناسب مع مستواهم الأكاديمي.

تسمح القوانين الحالية للأجانب بالعمل في القطاعات "صعبة التغطية"، أي التي يرفضها الإسبان. لكن العائق الحقيقي يكمن في "السقف الزجاجي" الذي يحد من فرص الترقّي.

ويواجه المغاربة تحديًا آخر، حيث يبقون في المراكز الدنيا من سوق العمل، حتى داخل جمعياتهم. ويوضح الباحث سيباستيان رينكن أن تقسيم العمل على أسس عرقية لا يقتصر على المغاربة، لكنه موجود في بلدان أخرى أيضًا.

علاقة معقدة يرى كثير من الإسبان أن الهجرة المغربية جاءت مقابل أداء أعمال صعبة. ويُفسّر ذلك جزئيًا بالعلاقة التاريخية المعقدة بين البلدين، من الحماية الإسبانية إلى نزاعات سبتة ومليلية والصحراء الغربية.

ورغم أن المغاربة من أقدم الجاليات في البلاد، إلا أنهم لا يزالون الأقل تفضيلا في استطلاعات الرأي الإسبانية. يُرفض تأجير المنازل لهم، ويُعاملون بازدراء في بعض الأحيان، كما يؤكد خالد: "نسبة الرفض للسكن لديهم أعلى بكثير من غيرهم".

 

خطاب الكراهية والجيل الثاني

أدى العنف العنصري في توري باتشيكو إلى إصابة شاب مغربي، حيث استُغل الحادث من قبل جهات يمينية متطرفة. ورغم أن ثلث سكان المدينة من المغاربة، فإن العلاقات الاجتماعية أصبحت مشحونة بخطاب متصاعد، يؤثر حتى على أبناء الجيل الثاني.

أبناء المغاربة المولودين في إسبانيا يشعرون بالتمييز، رغم أنهم وُلِدوا في البلاد. عندما يحقق أحدهم إنجازا، يُعتبر "إسبانيًا"، وإذا أخفق، يُشار إليه على أنه "المغربي". كما يقول رينكن: "الجيل الثاني هو اختبار حقيقي... وسنرى في السنوات القادمة ما إذا كان سينجح أو يفشل".

 

  BBC News Mundo - عن