قدّم الفيلسوف محمد المصباحي، رؤيته لمأزق الإنسان المعاصر والحلول الممكنة للخروج منه، وذلك خلال مشاركته في الندوة الختامية لمهرجان "ثويزا".
لم تكن مداخلة المصباحي مجرد إجابة على سؤال "الإنسان هو الحل؟"، بل مقدمة مشروع فكري انطلق من الإقرار بـ"الخطر الذي يحدق بالإنسان والإنسانية"، مرورا بتشخيص الأزمة، وانتهاء بتقديم خارطة طريق جريئة للمستقبل.
حيث انطلق من سلسلة من الأسئلة الاستنكارية حول هوية الإنسان الذي يمكن أن يكون حلا لأزمات اليوم، متسائلا: "ما هو الإنسان الذي نريده؟ هل هو إنسان التنوير الذي يفكر بنفسه؟ أم إنسان الخبز الحافي الذي يشق طريقه وحيدا؟ أم هو إنسان (جارات أبي موسى) لأحمد توفيق، ذلك الإنسان المجدوب والمهمش؟".
وأضاف تمييزا دقيقا: "هل الإنسان الذي نود أن نبنيه في المستقبل هو الإنسان العام أم المواطن الذي ينبغي أن ينخرط في معممة إصلاح البلاد؟".
وأوضح أن هذه الأسئلة تنبع من واقع مؤلم، وهو فشل المؤسسات التي كانت تربي الإنسان في المغرب.
وقال بشكل مباشر: "المؤسسات التي كانت تربي الإنسان، وهي الأسرة والمدرسة والحزب والنقابة وحتى جمعيات حقوق الإنسان، لم تعد تقوم بمهامها"، مما جعل الشباب "نهبا لشبكات التواصل الاجتماعي".
شخص المصباحي الأزمة في وجود "عدميتين" أساسيتين حاصرتا الإنسان المعاصر، العدمية الأصولية، وهي نزعة ماضية "زجت بالإنسان في غيبة معرفية أفقدته عقله وإرادته".
أما الثانية، بحسب المصباحي، العدمية الرقمية، وهي الأخطر اليوم، فبالرغم من أنها "فتحت أبوابا هائلة للمعلومات والحرية"، إلا أنها "خلقت أنظمة جديدة للعبودية والاستيلاب والتبعية".
فضلا عن خطر الذكاء الاصطناعي الذي وصفه ب"الإنسان الاصطناعي" الذي "يريد أن يحتل مكان الإنسان سواء في شغله أو في تفكيره أو في علاقاته الاجتماعية والسياسية".
رغم هذا الواقع القاتم، أكد المصباحي إيمانه بالتقدم وبالإنسان، وحدد هدفا وطنيا لمشروعه، وهو "خلق إنسان مغربي قادر على التحدي وعلى الحضور في الساحة التاريخية، أي قادرا على أن يدلي بدلوه في الابتكارات العلمية والحلول السياسية"، خاصة وأن المغرب "بلد التوافقات والتوازنات".
ولتحقيق ذلك، دعا المصباحي إلى "تنوير رقمي" ك"مقاومة من نوع جديد" لا ترفض التكنولوجيا، بل تهدف إلى "استثمار الفضاء الرقمي وتعبئته من أجل التنوير".
واعتبر أن هذا الحل يكمن في العودة والتمسك بالركيزتين الأساسيتين لماهية الإنسان، العقل (التعريف الأرسطي) والعمل (التعريف الماركسي).
وفي رده على المؤرخ محمد جبرون لـ"العقلانية المتطرفة"، فاجأ المصباحي الحضور بدعوة صادمة، حيث قال: "أنا أقول ربي زدني تطرفا في العقلانية، لأنه نحن لم نشبع منها بعد".
وفسر دعوته بأن المجتمع لا يزال يعاني من نقص حاد في العقلانية، ضاربا مثال الطبيب الذي يكون "عالما في مختبره، ولكنه في حياته وأحكامه ينتمي إلى ما قبل التاريخ".
وأكد أن الحل الأسمى يكمن في إصلاح التعليم، عبر لجنة محايدة "بعيدا عن الأحزاب السياسية والدينية"، يكون هدفها إنتاج "نموذج إنسان حر، أبي، قادر على الإنتاج والتفكير العقلاني ولكنه لا يلغي الغيب، محب للثورة الرقمية ولكنه متدين ربما".