أعاد اقتراب الذكرى المئوية لـ"إنزال الحسيمة" في شتنبر 1925 النقاش مجددا في إسبانيا حول الذاكرة الاستعمارية في المغرب، والدور المحوري الذي لعبه الجنرال فرانسيسكو فرانكو في تلك الحملة التي اعتُبرت بداية النهاية لحرب الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
المؤرخ والكاتب الإسباني خوان فاثكيث، المتخصص في التاريخ العسكري، اعتبر في حوار مع صحيفة El Debate أن عملية الإنزال البحري والجوي في خليج الحسيمة كانت "الخطوة التي أنهت سنوات من الهزائم والنزيف البشري"، مضيفًا أن نجاح العملية كان ثمرة تعاون عسكري فرنسي-إسباني، حيث تكفل الجيش الإسباني بالإنزال، بينما شنّت القوات الفرنسية هجوما بريا من الجنوب.
بحسب فاثكيث، فقد شاركت في العملية حوالي 140 وحدة بحرية وأكثر من 130 طائرة، إلى جانب 20 ألف جندي، فيما ساهمت فرنسا بدعم جوي وبحري مهم، فضلاً عن الإشراف المباشر من المارشال بيتان بعد أن هاجم الخطابي مواقع فرنسية في أبريل 1925.
فرانكو في قلب المعركة
الكاتب لم يتردد في القول إن فرانكو كان "القائد الأكثر بروزا" في هذه الحملة، إذ برزت قدرته التكتيكية وشجاعته الميدانية، إلى جانب ضباط آخرين مثل فاريلا ومونيّوث غرانديث، الذين سيصبحون لاحقًا رموزا في الحرب الأهلية الإسبانية. ويرى أن هذا الدور يجعل إحياء الذكرى محرجا للطبقة السياسية الإسبانية المعاصرة، خصوصًا اليسار، الذي يرفض أي تمجيد للرموز العسكرية المرتبطة بالحقبة الفرانكوية.
التاريخ بين إسبانيا والمغرب
وحول الموقف المغربي من هذا الحدث، أوضح فاثكيث أن "المغاربة ينظرون إلى الإنزال باعتباره فعلا استعماريا انتهك سيادتهم"، مشيرا إلى أن وزارة الدفاع الإسبانية تتجنب أي احتفالية رسمية بالذكرى خشية إثارة غضب الرباط. وأضاف أن إسبانيا "أهدرت إرثها في المنطقة على عكس فرنسا التي ما زالت تحافظ على نفوذها في شمال إفريقيا".
المؤرخ الإسباني انتقد أيضا الأوضاع الداخلية لبلاده مطلع القرن الماضي، معتبرا أن "ضعف الجيش وفساد طبقته السياسية" كانا وراء الهزائم المتكررة في المغرب، من معركة أنوال (1921) إلى غيرها. وأكد أن الخدمة العسكرية كانت عبئا ثقيلا على الطبقات الفقيرة، في حين كانت النخب قادرة على تفاديها عبر دفع الأموال أو النفوذ، ما زاد من نقمة المجتمع على المؤسسة العسكرية.
في المغرب، يُستعاد هذا الإنزال من زاوية مختلفة تمامًا؛ فهو محطة من محطات المقاومة الريفية بقيادة الخطابي، ورمز للتضحيات ضد الاستعمار الإسباني-الفرنسي المشترك. وبينما ترى بعض الأوساط الإسبانية في "إنزال الحسيمة" مثالًا على براعة عسكرية مهدت لعمليات إنزال لاحقة في الحرب العالمية الثانية، يظل بالنسبة للمغاربة جرحا من جراح الذاكرة الاستعمارية.