اغتيال المستقبل.. "تهديد" للدولة!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

"ما قدرتش نعس البارح... دكشي لي شفت كيضر في الخاطر بزاف... كيخليك تحقد..." كلمات التقطتها في مقهى فندق وسط العاصمة الرباط، نطق بها رجل، يقارب عمره الخمسين سنة حسب بِنيته الجسدية، رددها وهو واقف ممسكا بكتف سيدة مغربية ذات ملامح أجنبية، تفاعلتْ معه بالقول: "oui دكشي خيب بزاف لي دارو لدوك الوليدات..."

جلوسهما في هذا المكان، مظهرهما، وتبادلهما الحديث بـ"العرنسية"... كلها مؤشرات تدل على أنهما من فئة مجتمعية ميسورة.

لماذا وصلهما هذا الإحساس بكل هذا الثقل؟

الجواب، يجب أن يكون بالضرورة عبر تبسيط عدد من الحقائق، بطرح أسئلة مباشرة.

هل يعيش المغرب حالة احتقان اجتماعي وإن صامتة؟

نعم!

هل اتسعت الهوة الطبقية بين فئاته؟

نعم!

هل تضررت القدرة الشرائية وإمكانية الأسر على الادخار مقابل تضخم حجم الحاجة للقروض من أجل ضمان أساسيات العيش؟

نعم!

هل عالجنا أعطاب الصحة والتعليم والثقافة؟

لا!

هل تدخلت الدولة وليس الحكومة لتخفيف غلاء المعيشة؟

لا!

هل هناك مؤشرات حقيقية على القطع مع الفساد ونهب المال العام واستغلال السلطة والنفوذ وإنهاء الريع؟

لا!

هل بدأنا نشعر مباشرة باحتباس ديمقراطي بلغ حد الخنق وتقزيم حرية التعبير والرأي حد الإقبار؟

نعم!

هل وهل ثم هل...؟!

كل الأجوبة، سواء بالنفي أو الإيجاب، تأتي بنتيجة واحدة، هي:

قطار المغرب يتجه بسرعة نحو الانحراف عن سكته.

ما يخيف في ما وقع يوم أمس، ويتكرر اليوم، خلال خروج ما أصبح يوصف بـ"احتجاجات جيل Z"، مشاهد توقيف العشرات منهم أمام الكاميرات.

نام العالم، ليلة السبت بتوقيت المغرب، على تناقل فيديوهات وصور، شابات وشباب، تم سوقهم بالقوة نحو مراكز ومخافر الشرطة، فقط لأنهم كن وكانوا يدلون بتصريحات عن مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية أمام عدسات الصحافة.

لم يقترف أحدهم أي جُرم يجعله يجر بتلك الطرق... التي نُقلت تفاصيلها وترجمت إلى كل اللغات... هذه المشاهد تفرض على المسؤولين عنها العمل بالمثل القائل: "لي تلف يشد الأرض..."

شروط الأمس ليست كما هي اليوم، ولن تكون مثل الحاجة إليها غداً. لذلك، ليس من العيب حين يحضر الفصل الضروري في حالة نظام المملكة المغربية منذ قرون، بين الدولة ومؤسساتها، طرح سؤالين جوهريين:

متى يمكن فرض شروط ضمان الاستمرارية؟ ومتى تحضر الحاجة لتنزيلها؟

منذ ليلة أمس، سمعت تعاليق مخيفة جدا. أبرزها، حقن جرعات مفرطة من تصديق سردية وجود صراعات طاحنة داخل دواليب ودهاليز السلطة.

نعم!

من كن وكانوا، إلى أيام قريبة، يتهكمون على الذين يروجون لهذه السردية، صرن يقتربن ويقتربون من ضفة الاقتناع بها.

حين يصيح المغاربة الغاضبون، من كل الفئات، بمناسبة أي شكل احتجاجي "عاش الملك"، فهم في هذه الحالة يحتمون بشرعية سلطان الأمة.

يقول أحد المحتجين بطنجة حاملاً طفلته الصغيرة بين ذراعيه: "حنا جينا نوصلو صوتنا لجلالة الملك... أما المسؤولين ما عندناش غرض بيهم... لي كين في شي بلاصة راه كينهبها..."

فيما تصرخ سيدة بمدينة تادلة: "وااا حنا بغينا غا الضو... قتلونا العقارب... وحنا بغينا غا الضو... عاش الملك... عاش الملك..."

سيدة أخرى تنطق بحكمة على مسامع جمع من رجال القوات المساعدة: "راني خارجة نحتج على قبل مستقبل ولادكم..."

ردد كل شباب "احتجاجات جيل z" أنهم مغاربة ملكيون مدافعون عن سيادة وطنهم ووحدته، ونزولهم إلى الشارع تعبير عن استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

هنا، مرة أخرى، وجب طرح سؤال: من له مصلحة في فقدان ثقة الاحتماء بأقوى شرعية انتماء للمملكة؟

من يقترف ذلك، مع من كان أو ضد من، فهو يُسرع اغتيال المستقبل، إذن، "تهديد" للدولة.