من ظاهرة استثنائية إلى واقع.. بازة: نعيش اليوم مرحلة جديدة من التحولات المناخية الهيكلية

خديجة قدوري

يشكل تأخر التساقطات المطرية إنذارا مبكرا لتحديات حقيقية تواجه الزراعة والأمن الغذائي، إذ يهدد انتظام الدورة الفلاحية ويضع ضغوطا متزايدة على القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وقد تطرق الملك محمد السادس إلى هذا الموضوع في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية الحادية عشرة، مشيرا إلى أن "الحالة الراهنة للموارد المائية، تسائلنا جميعا، حكومة ومؤسسات ومواطنين، وتقتضي منا التحلي بالصراحة والمسؤولية..."

ولتوفير موارد مائية مستدامة، تعمل وكالة الحوض المائي لأم الربيع على تعزيز استعمال المياه العادمة المعالجة بشكل مراقب وآمن. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ مجموعة من مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة لأغراض صناعية من طرف مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، وفقا لما جاء في موقع "الما ديالنا".

  • من ظاهرة استثنائية إلى واقع متوقع

في هذا الصدد، قال محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" إنه عندما نتحدث عن تأخر التساقطات المطرية خلال العشر سنوات الأخيرة نجد أنه ليس هناك تأخر، على اعتبار أن هذا الأمر أصبح متوقعا في الآونة الأخيرة.

وأوضح بازة أن الموسم الماضي شهد في البداية تساقطات مطرية مبكرة، غير أنها سرعان ما توقفت لتدخل البلاد في فترة جفاف خلال شهور نونبر ودجنبر ويناير، وعند الحديث عن التأخر ينبغي الإشارة إلى أنه قبل نحو عشر سنوات، لم يكن أمرا مألوفا كما هو اليوم، لكن خلال العشر سنوات الفارطة أصبح شيئا عاديا مع التغيرات المناخية.

تغيرات مناخية هيكلية

وفي ما يتعلق بالعوامل المناخية التي تفسر هذا التأخر، أبرز بازة أن الضغط الجوي العالي يمنع الكتل الهوائية المحملة بالمياه من الوصول إلى المغرب، لكن مسببات تأخر الأمطار وكميتها شتى ومرتبطة بالتغيرات المناخية.

وأبرز أن التساقطات المطرية أصبحت تختلف عن نمطها المعتاد، إذ لم تعد تهطل في الفترات التي كانت تعرف تساقطا من قبل، بل أصبحت تنزل في أوقات غير مألوفة. ففي السنة الفارطة، على سبيل المثال، لم يعرف كل من شهري دجنبر وفبراير تساقطات مطرية وفي المقابل هطلت في شهري مارس وأبريل.

وأضاف بازة أن التغيرات المناخية أصبحت واضحة، وتتجلى في عدم القدرة على التكهن، أما بخصوص فترات تساقط الأمطار وانقطاعها، فقد فقدت انتظامها المعهود، ولم يعد هناك نمط واضح يمكن التنبؤ به كما كان الحال في السابق.

وأشار إلى أن التغيرات المناخية هيكلية وليست ظرفية، كما كنا نعرف في السابق، مؤكدا أننا نعيش مرحلة جديدة من التحولات المناخية الهيكلية، تجلت ملامحها خلال السنوات الماضية ما يفرض علينا ضرورة التكيف معها مستقبلا.

الدورة الفلاحية والأمن الغذائي

في سياق متصل، قال بازة إن هذا التأخر مقلق بالنسبة للمزارعين والفلاحين الذين ينتظرون حرث أراضيهم، وبالنسبة للمحاصيل الزراعية الموسمية القمح والشعير والحبوب التي تزرع في هذا الوقت، هذا أمر مقلق جدا.

وأعرب عن أمله في أن تشهد الأسابيع المقبلة تساقطات مطرية، خاصة خلال الشهر المقبل، إذ لا تبدو حتى الآن مؤشرات واضحة على إمكانية هطول الأمطار فيما تبقى من شهر أكتوبر.

وأورد بازة أن هذا التأخر ينعكس أولا على الموسم الفلاحي، إذ يؤدي إلى تأجيل انطلاق الدورة الزراعية، ما يعني أن الفترة الأساسية لبدء الأنشطة الفلاحية قد مضت، مما يحدث اضطرابا في تسلسل الموسم.

وأشار إلى أنه كلما تأخرت الأمطار كان احتمال أن تكون أقل من المتوسط، لكن لا يمكن الحكم على الدورة الفلاحية فقط بتأخر هطول أمطار أكتوبر، إذ من الممكن أن يؤدي تساقط الأمطار ابتداء من شهر نونبر أو حتى دجنبر إلى إنقاذ الموسم وجعله جيدا نسبيا.

أما في ما يخص تأثير التغيرات المناخية على الأمن الغذائي الوطني، فأبرز أنه لا يمكن الجزم في ذلك على اعتبار أننا في البدايات، وتمنى أن تكون هذه السنة أحسن من بدايتها.

وخلص بازة إلى أن كل الاحتمالات تبقى واردة في ما تعلق بباقي الدورة الفلاحية، وهو ما يجعل من الضروري أخذ دور الفلاحة الحالية في إطار التغير المناخي بعين الاعتبار نظرا لتأثيرها المباشر على الأمن الغذائي الوطني، لأن هذا الأخير أصبح الآن مهددا أكثر مما كان عليه قبل أن تكون هناك تغيرات مناخية.