ما يقارب 9 مليارات.. مستشار جماعي بالرباط متهم بالنصب على مستثمر قطري

محمد فرنان

قضية جديدة معروضة على أنظار النيابة العامة بالرباط، بعد تقدم مستثمر قطري بشكاية ضد خالد مجاوير، المستشار الجماعي عن حزب الاستقلال، والنائب الخامس لعمدة الرباط السابقة أسماء أغلالو، وكان مكلفا بالشؤون العربية يتهمه فيها بـ"خيانة الأمانة، والنصب والاحتيال، والتزوير واستعماله، والتهديد والابتزاز".

وحكى المستثمر القطري، في بداية شكايته التي تقدم بها عبر محاميه المهدي الزوات، عضو هيئة الدار البيضاء، أنه اقتنى قطعة أرضية بمدينة الرباط لتشييد مبنى سكني متعدد الطوابق، ووضع ثقته في المشتكى به، خالد مجاوير، لتولي إدارة المشروع وتسييره، معتقدا أنه أهل للثقة وحسن التدبير.

وأوضحت الشكاية، يتوفر "تيلكيل عربي" على نُسخة منها، أن مسار هذا المشروع لم يكن كما خطط له، إذ فوجئ العارض بجملة من الأفعال الاحتيالية والمخالفات الجسيمة التي ارتكبها المشتكى به، والتي تسببت في الإضرار بمصالحه المالية وحرمانه من عائدات استثماره.

وذكر أنه من أجل إنجاح مشروعه الاستثماري في المغرب، قام بتأسيس شركة تحت اسم "الوكرة للاستثمار والتطوير العقاري"، والمسجلة بالسجل التجاري لمدينة الرباط، قصد تسيير مشروع بناء عمارة سكنية، ولكون العارض لم يكن مقيما بالمغرب بشكل دائم، فقد أسند إلى المشتكى به، خالد مجاوير، توكيلا خاصا لتسيير المشروع في الحدود التي يحددها القانون، وذلك بصفته وكيلا في التصرف وليس مسيرا للشركة.

وأضاف أن المشتكى به استغل هذا التوكيل استغلالا منحرفا، وقام، دون إذن أو علم العارض، بتعديل بيانات السجل التجاري للشركة وجعل نفسه مسيرا قانونيا لها، مما حال دون تمكن العارض من الحصول على الوثائق البنكية والمحاسباتية الخاصة بالشركة، والتي لا يزال المشتكى به يرفض تمكينه منها إلى يومنا هذا، رغم الطلبات الملحة والمتكررة، وتشكل هذه الأفعال، في جوهرها، تزويرا واستعمالا لمحررات تجارية وخيانة للأمانة.

التدخل للحصول على رخصة البناء

وأشار العارض إلى أنه أثناء انطلاق المشروع سنة 2011، صرح له المشتكى به بأن رخصة البناء تسمح بإقامة طابق أرضي وطابقين تحت أرضيين مخصصين لمواقف السيارات وتسعة طوابق علوية، أي ما مجموعه أحد عشر طابقا، غير أن الحقيقة التي تكشفت لاحقا أظهرت أن الرخصة لم تكن تخول سوى إقامة طابق أرضي وأربعة طوابق علوية فقط، أي خمسة طوابق إجمالا.

هذا التضليل الأولي، وفق الشكاية، استهدف إيقاع العارض في الغلط ودفعه إلى الاستثمار في مشروع لم تكن شروطه القانونية كما عرضها عليه المشتكى به، وهو ما يدخل ضمن وسائل النصب والاحتيال المعاقب عليها قانونا.

ادعاء باستعمال النفوذ

وأضاف العارض أنه بعد مرور حوالي سنتين من المماطلة، أبلغه المشتكى به بأنه تمكن، عبر تدخله لدى والي الجهة، من الحصول على موافقة استثنائية لبناء طابق أرضي وسبعة طوابق علوية، بشرط منح صفقة البناء لمقاول معين يدعى "نجيب".

غير أن هذا "الادعاء لم يكن سوى وسيلة ضغط واحتيال أخرى"، إذ استغل المشتكى به صفته الانتخابية وموقعه السياسي بالرباط كوسيلة إقناع لإجبار العارض على توقيع عقد جديد والانخراط في التزامات مالية إضافية.

الاستيلاء عبر شركات مرتبطة به وبزوجته

وأوضح العارض أنه بعد الانتهاء من بناء الهيكل (العظم)، قام المشتكى به بإبعاد المقاول الأصلي من المشروع، وأدخل شركة مملوكة له أو لزوجته، ليتحكم بشكل مباشر في تدبير باقي الأشغال.

ومن خلال هذا "التلاعب"، أصبح يفرض مبالغ إضافية على العارض، منها مبلغ يناهز خمسة ملايين درهم بدعوى إصلاح واجهة المبنى، وعمد إلى تضخيم تكاليف البناء والصيانة، وادعى أداء ضرائب ورسوم دون أن يقدم أي إثبات محاسباتي لذلك، وفق الشكاية.

المبالغ المستثمرة مقابل المبالغ المتحصل عليها

وإلى جانب القرض البنكي ومصاريف شراء العقار، قام العارض بتحويل ما مجموعه مائة وواحد وستون مليونا وثلاثمائة وسبعة وستون ألفا وثلاثمائة وأربعة وخمسين درهما (161.367.354 درهم) لفائدة المشروع عبر تحويلات بنكية قانونية من دولة قطر.

ورغم ضخامة هذه الاستثمارات، لم يتحصل العارض سوى على ما مجموعه ثلاثة وثلاثين مليونا وتسعمائة وستة وستين ألفا وتسعة وعشرين درهما (33.966.029 درهم)، بينما استولى المشتكى به على باقي الأموال عبر مناوراته.

التلاعب في المبيعات وإخفاء العائدات

ووفق تصريح رسمي صادر عن الموثقة المكلفة بالبيوعات، بلغت حصيلة بيع جميع الشقق حوالي مئتين وسبعين مليون درهم (270.000.000 درهم)، وتم اقتطاع جزء من هذه المبالغ لأداء مستحقات البنك وإدارة الضرائب، بينما بلغ الصافي حوالي مائة وعشرين مليون درهم (120.000.000 درهم) دخل حساب الشركة.

ورغم ذلك، ظل المشتكى به يصرح للعارض أن هناك سبع شقق لم تبع بعد، في حين أن التصريح الرسمي يثبت بيقين أن جميع الشقق قد بيعت بالكامل، مما يشكل إخفاء متعمدا للعائدات واستيلاء عليها.

واقعة "شركة الدار بيلدينغ" والفاتورة الوهمية

وأشار العارض إلى أنه توصل مؤخرا من المشتكى به بوثيقة صادرة عن شركة تسمى "الدار بيلدينغ"، تدعي أن لشركة "الوكرة" دينا لفائدتها قدره عشرون مليونا وأربعمائة وستة عشر ألفا وثمانمائة وستة وثلاثون درهما (20.416.836 درهم).

وطالب المشتكى به العارض بتحويل هذا المبلغ بدعوى أنه مخصص لأداء الدين قصد تفادي حجوزات على ما وصفه ب"الشقق المتبقية".

غير أن العارض، وبعد التحري، تبين له أن جميع الشقق بيعت فعلا، وأن شركة "الدار بيلدينغ" كانت في ملكية زوجة المشتكى به، ثم انتقلت لاحقا إلى ملكيته الشخصية، وهو ما يثبت أن الوثيقة المذكورة مجرد محرر تجاري مفتعل أنشئ بغرض النصب والاحتيال ومحاولة الاستيلاء على مبلغ يفوق عشرين مليون درهم.

التهديد والابتزاز

وأضاف العارض أنه عند مواجهة المشتكى به بهذه الوقائع، لجأ الأخير إلى التهديد، مصرحا بأنه سيتهمه بجريمة غسيل الأموال، مستندا إلى تحويلات مالية كان هو من رتبها بنفسه مع شركات أجنبية. والغرض من هذا التهديد، حسب المصدر ذاته، لم يكن سوى الضغط على العارض وإرغامه على التنازل عن حقوقه، وهو ما يشكل جريمة قائمة الأركان، مدعومة ببعض المحادثات الفورية بين الطرفين تؤكد ذلك.

والتمست الشكاية من النيابة العامة فتح تحقيق شامل في مواجهة المشتكى به، والاستماع إليه ومواجهته بالوثائق الرسمية والمرفقات، وإجراء خبرة مالية ومحاسباتية لتحديد المبالغ المختلسة، ومتابعته بتهم خيانة الأمانة، والنصب والاحتيال، والتزوير واستعماله، والتهديد والابتزاز، مع اتخاذ كافة التدابير التحفظية اللازمة لضمان حقوق العارض واسترجاع مستحقاته.

ملف 2019

تبين عند البحث عن الشركة الواردة في الشكاية، والمستشار الجماعي، أن فيدرالية اليسار الديمقراطي وجهت بتاريخ 11 دجنبر 2019 مراسلة إلى الوالي، المفتش العام للإدارة الترابية، طالبت فيها بفتح تحقيق حول منح  محمد الصديقي، عن حزب العدالة والتنمية، رخصة تغيير التصميم رقم 273/1/19.

وجاء في المراسلة، التي وقعها عمر بلافريج، عن مستشاري فيدرالية اليسار الديمقراطي بمجلس مدينة الرباط، أن الشركة حصلت على رخصة تغيير التصميم بتاريخ 3 نونبر 2019 بعد أن سبق لها الحصول على رخصة البناء في 13 شتنبر 2012.

ومع ذلك أجرت الشركة تغييرات على التصميم الممنوح في 2012 دون الحصول على الترخيص اللازم، ولم تقدم طلبها لتغيير التصميم إلا بعد مرور سبع سنوات كاملة من الموافقة على التصميم الأصلي، ما يثير علامات استفهام حول مدى التزامها بالقوانين المنظمة للتعمير والبناء.

وأشار المصدر إلى أن "مسير شركة الوكرة للاستثمار والتطوير العقاري الذي كان يشغل منصب النائب التاسع لرئيس جماعة الرباط سنة 2019، ( خالد مجاوير)، ما يجعل من الضروري إجراء تحقيق دقيق ومستقل للتأكد من سلامة الإجراءات القانونية والإدارية المتعلقة بمنح هذه الرخصة.

وطالبت فيدرالية اليسار الديمقراطي في مراسلتها بإيفاد مهمة تفتيشية إلى جماعة الرباط للتحقق من مدى استيفاء منح هذه الرخصة لجميع الشروط القانونية لا سيما تلك المنصوص عليها في قوانين التعمير والبناء بما يشمل الإجراءات الشكلية والموضوعية لمنح رخصة تغيير التصميم، ومدى التزام الشركة بدفع جميع الضرائب المستحقة خصوصا الضريبة على الأراضي غير المبنية وهل تم احترام جميع الالتزامات المالية المرتبطة بهذه الرخصة.

ويقع المشروع في زنقة جعفر الصادق بحي أكدال بالرباط، وتم الترخيص له سنة 2012، إلا أنه تم إجراء تغييرات غير مرخص بها على التصميم الأصلي، ولم تقم جماعة الرباط بالموافقة على تغيير التصميم إلا في نونبر 2019، أي بعد سبع سنوات من الترخيص الأصلي.

وأكدت المراسلة على ضرورة اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للتحقق من صحة المعلومات وحماية المال العام وضمان احترام القانون من قبل جميع الأطراف المعنية.