طنان: الجامعة يجب أن تبقى فضاء مفتوحا للجميع لا حكرا على القادرين على الدفع

خديجة قدوري

شهد الفضاء الجامعي، في الآونة الأخيرة، حالة من الاستياء وسط الموظفين والطلبة والأساتذة الباحثين، بعد أن شرعت مجموعة من الجامعات في فرض رسوم تسجيل إجبارية على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم بأسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه، بكل الجامعات العمومية.

في هذا السياق، أشارت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، إلى أن الوضع يزداد خطورة مع تعميم هذه الرسوم على جميع الموظفين والأجراء دون مراعاة مستوى الدخل، ما يعني أن مواطنا يتقاضى الحد الأدنى للأجور، أي حوالي 3200 درهم شهريا، سيضطر إلى أداء أكثر من ربع مدخوله السنوي مقابل التسجيل الجامعي، وهو ما يعد إجحافا اجتماعيا صارخا ومساسا مباشرا بمبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة في فرص التعلم والترقي الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع عمر طنان، منسق مركز دعم الابتكار التكنولوجي، والأستاذ الجامعي.

كيف تقيمون قرار بعض الجامعات فرض رسوم تسجيل على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم العليا، من حيث انسجامه مع مبدأ المجانية الدستوري للتعليم العمومي؟

يجب التمييز بين التعليم العمومي الذي يكفله الدستور مجاناً باعتباره حقاً أساسياً لكل مواطن، وبين بعض التكوينات العليا أو البرامج الخاصة التي تندرج ضمن ما يُعرف بالتكوين المستمر أو التكوين المؤدى عنه.

وفرض رسوم تسجيل على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم العليا لا يعني بالضرورة المساس بمبدأ المجانية الدستوري، بل يعكس محاولة لإيجاد توازن بين حق الفرد في التكوين مدى الحياة وبين حاجات الجامعة لتمويل وتأطير هذه التكوينات في سياق محدودية الموارد العمومية. لكن الإشكال الحقيقي ليس في مبدأ الأداء بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه وغياب إطار وطني موحد ومنصف ينظم هذه العملية.

حين تقرر الرسوم بطريقة ارتجالية، أو دون دراسة دقيقة للقدرة الشرائية للموظفين، فإننا نكون أمام خطر خلق تمييز اجتماعي جديد بين من يستطيع الدفع ومن يُقصى قسراً من مسار التطوير الأكاديمي، وهذا يتنافى مع روح الدستور ومع فلسفة العدالة الاجتماعية التي بُني عليها التعليم العمومي المغربي.

في المقابل، يمكن أن تُعتبر هذه المساهمات المالية مقبولة ومشروعة إذا كانت شفافة من حيث تحديد قيمتها ومقابلها العلمي؛ ومخصصة فعلاً لتحسين جودة التكوين وظروف التأطير؛ وتراعي التدرج والمرونة (مثلاً، تخفيضات أو تسهيلات في الأداء للموظفين محدودي الدخل)؛ وتندرج ضمن رؤية وطنية شمولية للتكوين مدى الحياة، باعتباره استثماراً في الرأسمال البشري لا عبئاً مالياً على الأفراد.

ما نحتاج إليه ليس العودة إلى المجانية المطلقة أو الخصخصة المقنّعة، بل إلى نموذج متوازن يضمن مجانية التعليم الأساسي، ويؤطّر التكوينات العليا في إطار تعاقدي عادل وشفاف، فالجامعة العمومية يجب أن تبقى فضاءً مفتوحاً للجميع، لا حكراً على القادرين على الدفع، ولا رهينة لشحّ التمويل العمومي.

ما التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المحتملة لمثل هذا القرار على الموظفين، خاصة ذوي الدخل المحدود؟

القرار بفرض رسوم تسجيل على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم العليا يمكن أن تكون له تداعيات اجتماعية واقتصادية متعددة، خصوصاً على ذوي الدخل المحدود، من بينها تفاقم الفوارق الطبقية التعليمية، إذ سيؤدي فرض الرسوم إلى خلق فجوة بين فئة قادرة على تحمل التكاليف ومواصلة التكوين، وأخرى تُقصى قسراً من هذا الحق بسبب ضعف إمكانياتها المالية، مما سيعمّق التفاوت الاجتماعي ويضعف مبدأ تكافؤ الفرص.

وسيؤدي هذا القرار إلى ضرب مبدأ العدالة الاجتماعية، فهذا الإجراء قد يُنظر إليه كتمييز ضد فئة الموظفين محدودي الدخل الذين يسعون لتحسين مستواهم الأكاديمي والمِهني، مما يكرّس الإحساس بالغبن ويفقد الثقة في المؤسسات العمومية.

ومن شأنه أن يتسبب في تراجع ثقافة التعلم مدى الحياة، فحين تصبح كلفة التكوين عائقاً، يتراجع الإقبال على التكوين المستمر، فينعكس ذلك سلباً على جودة الرأسمال البشري وعلى دينامية الابتكار داخل الإدارات والمؤسسات.

وفي ما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية، يشكل هذا القرار ضغطا إضافيا على القدرة الشرائية، فالموظفون من ذوي الدخل المحدود سيجدون أنفسهم أمام عبء مالي جديد، في وقت يشهد ارتفاعاً عاماً في تكاليف المعيشة، مما قد يضطرهم إلى التخلي عن التكوين أو اللجوء إلى قروض تثقل كاهلهم.

كما سيشكل خسارة في الإنتاجية على المدى البعيد، فحين تقصى فئة واسعة من فرص التكوين، تفقد الإدارة والاقتصاد الوطني فرصة لتأهيل موارد بشرية أكثر كفاءة، ما يقلل من الإنتاجية ومن تنافسية المرفق العمومي.

وسيترتب عن هذا القرار تشجيع هجرة الكفاءات نحو القطاع الخاص أو الخارج، فحين تصبح متابعة الدراسات العليا في الجامعة العمومية مكلفة وغير محفزة، قد يتجه الموظفون الأكفاء نحو بدائل خاصة أو حتى خارجية، مما يضعف القطاع العمومي.

ولتفادي هذه التداعيات، يمكن اعتماد مقاربة تدريجية وإنصافية تشمل تخفيض أو إعفاء ذوي الدخل المحدود من الرسوم، واعتماد نظام منح جزئية أو تحفيزية، وتخصيص الرسوم حصراً لتحسين جودة التأطير والتكوين، وإدراج هذه السياسة ضمن رؤية وطنية شاملة للتكوين مدى الحياة.

ما الحلول أو البدائل الممكنة التي توازن بين تمويل الجامعة العمومية وضمان الحق في التعليم للجميع دون تمييز؟

نعم، يمكن ذلك، وبشكل واقعي وممكن التنفيذ، شريطة وجود رؤية وطنية متكاملة وشجاعة سياسية وإدارية تعيد تعريف العلاقة بين الجامعة والمجتمع. في رأيي، التوازن بين تمويل الجامعة العمومية وضمان الحق في التعليم للجميع دون تمييز ليس حلماً مثالياً، بل إنه هدف قابل للتحقق عبر مجموعة من الآليات العملية التي أثبتت نجاعتها في تجارب دولية عدة، ويمكن تكييفها مع السياق المغربي.

لا يمكن للجامعة أن تظل رهينة التمويل العمومي وحده يجب تنويع الموارد عبر الشراكات المهيكلة مع القطاع الخاص في البحث التطبيقي والابتكار، والموارد الذاتية الناتجة عن خدمات الجامعة (الاستشارات، الاختبارات، الحاضنات، التكوين المستمر)، والمساهمات الجهوية من المجالس المنتخبة ضمن رؤية "الجامعة في خدمة التنمية المحلية"، والأوقاف العلمية كآلية تضامنية ومستدامة تموّل المنح والمشاريع، الفكرة الجوهرية كل درهم يُستثمر في الجامعة يعود مضاعفاً عبر العائد المعرفي والاقتصادي.

بدلاً من فرض رسوم ثابتة أو مجانية مطلقة، يمكن اعتماد نظام مرن يقوم على الإعفاء الكلي أو الجزئي لذوي الدخل المحدود، وأداء مؤجّل إلى ما بعد التخرج أو الترقية، ومشاركة جزئية من المؤسسات المشغلة في تمويل تكوين موظفيها، ونظام منح أو قروض تعليمية بدون فائدة، مرتبطة بالأداء الأكاديمي، والهدف العدالة لا المساواة المطلقة، بحيث يُساهم كل شخص وفق قدرته، دون إقصاء أو تمييز.

إنشاء صندوق وطني للتكوين مدى الحياة، مخصص لدعم متابعة الدراسة للموظفين والطلبة غير القادرين وتأهيل الجامعات رقمياً وبيداغوجياً، وتمويل البحث التطبيقي المرتبط بالحاجات الوطنية، يمول هذا الصندوق من مساهمة الدولة والجهات، وضرائب رمزية على الأنشطة الريعية أو الملوثة، ومساهمات تضامنية من خريجي الجامعات والمؤسسات الكبرى.

يجب أن تنتقل التكوينات المؤداة من منطق “الخدمة” إلى منطق "القيمة المضافة"، أي أن يكون الأداء مبرَّراً بمردودية واضحة   وجودة التأطير، وتحديث البرامج، ودعم الولوج الرقمي كما يمكن إدماج التعليم الهجين والمفتوح (MOOC, e-learning) لتقليل التكاليف وتوسيع الوصول.

في النهاية، المسألة ليست مالية فقط، بل فكرية ومجتمعية، نحتاج إلى “ميثاق وطني جديد للتعليم العالي” يقوم على المبادئ التالية: التعليم حق، لكن أيضاً مسؤولية مشتركة، المجانية في التعليم الأساسي مكسب لا يُمسّ، المساهمة في التعليم العالي واجب تضامني، الجامعة العمومية فضاء للعدالة لا سلعة في السوق.

يمكننا تحقيق المعادلة إذا فهمنا أن تمويل الجامعة ليس خصخصة، والمجانية ليست هدرًا، بل كلاهما وجهان لسياسة واحدة   الاستثمار في الإنسان.