"!On bouge pas, on est dans la jungle"... رغم أنهما وسط بيئة حضرية، هكذا كان ينصح جان رينو صديقه فرنسوا بران (شخصيتان من الفيلم الفرنسي le jaguar الصادر سنة 1996)، حين كانا يجدان نفسيهما في أوضاع جد حرجة، تختلط فيها المخاطر بالكوميديا السوداء.
عندنا، نحن المغاربة، مثل عامي قريب إلى العبارة التي كان يرددها جان على فرنسوا طيلة الفيلم، يشبهها، هو: "لي تلف يشد الأرض".
وهذا هو حالنا اليوم من داخل وخارج تجربة قطاع التنظيم الذاتي لقطاع شؤون الصحافة!
مع إضافة تعبير آخر، يُلخص المصير الذي نتجه رأسا إليه، وهو: "منين تلفنا، بدينا نشقو الأرض تحت منا وما غاديش نلقاو فوقش نجلسو".
لماذا؟
لأن الحابل اختلط بالنابل، ولم يعد بمقدورنا نحن، فما بالك بالجمهور، التمييز بين الصالح والطالح، وتحديد أين توجد المخاطر الجدية وحيث تكتب "سكريبتات" الكوميديا التي تسخر سكيتشاتها منا جميعا.
يا له من امتحانٍ يواجه من يحمل فعلا همّ استقلالية المهنة... ضمان حرية الرأي والتعبير لا النهيق والتجييش مع الكثير من التطبيل... همّ فصل السلطة الرابعة عن التبعية لأي جهة... قطع خراطيم تملأ خراطيش حبر أقلام تلعب دور السخرة لا غير... همّ التمييز بين ممارسة الصحافة واقتراف أشياء أخرى...
أولا، وجب التأكيد، مرة أخرى، على أن ما تسرب من فيديوهات لمداولة "حراس الأخلاقيات" وهم يناقشون حالة حميد المهداوي، داخل اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة، هزة مهنية وأخلاقية وإنسانية.
لا يهم من كانت تُناقش حالته حينها، هل زيد أم عُمرو؟ لأن الأصل في النقاش، هو الفعل، وكيف كان سيؤسس لنهج يحدد معايير المساءلة وينتج فعل العقاب، بعيدا عن المبادئ المؤسسة لمهنة الأصل فيها أن لا يمس الضرر المادي والمعنوي أحد المنتسبين إليها، بسبب قول كلمة أو كتابة جملة.
ومن أخطأ مهنيا، يمكن مساءلته ومحاسبته مهنيا أيضا... الوسائل المشروعة للقيام بذلك متاحة، إذن لماذا البحث عن أخرى بعيدا عنها؟!
وسط هذه الهزة، هناك أحجيات كثيرة وجب تفكيكها. هنا، سوف أحاول ما أمكن الابتعاد عن "تشريح الجثة"، بل المساهمة في ما يمكن أن ينعش جسدا عليلا، أمراضه ليست وليدة الأمس، ولن تنتهي هكذا فجأة اليوم أو غدا، بترديد الشعارات والتراشق بالمزايدات، ولن يُصلح حالها بتركيز "ميزان القوى" لصالح جهة على حساب أخرى.
انعاش بدون تعبيرات خشبية، بعد الخروج قليلا من حالة "!On bouge pas, on est dans la jungle".
من له مصلحة قصوى في إقبار تجربة التنظيم الذاتي لشؤون قطاع الصحافة بالدفع نحو إبراز مطلب حل مجلسها؟!
حتى ذهب البعض حد الإسهال في الكتابة عن زمن إشراف وزارة الاتصال على القطاع، بذكر تجاربهم الإنسانية عن كيف كانوا يحصلون على البطاقة المهنية، وكأن كل ما يهم في القصة هو وضع حمل صفة الإنتساب لـ"صاحبة الجلالة".
المجلس الوطني للصحافة مؤسسة أنتجتها مكاسب دستور فاتح يوليوز 2011. قيادته تسيل اليوم لعاب كثر، كما يؤزم استمراره آخرين لم يكفهم رصيدهم للوصول إلى مقره.
استمرار المجلس الوطني للصحافة يجب أن يكون منطلق الدفاع عن استقلاليتها وتنظيمها الذاتي، أما في ما يخص مصير تشكيلته، قوانينه المؤطرة، حدود التمثيلية داخله، هنا، فليتدافع المتدافعون.
بشرطين أساسيين، هما أن تبتعد باق السلطات عن ترجيح كفة على حساب أخرى، ويقتنع الزملاء بأنهم لا يحشرون أنوفهم ضمن المجالس التي تنظم باقي المهن والمؤسسات، وهذا ما يجب أن يكون عليه الحال عندنا.
كما وجب عدم القفز على مناقشة توسيع صلاحيات المجلس، خاصة مستويات التنظيم والمأسسة والتأطير، بل يجب أن تشمل النظر في الأوضاع الاجتماعية للصحافيين، والدفع بمعالجة اختلالاتها.
في المقابل، تنظيم "السلطة الرابعة"، ليس المجلس وحده. واستقلاليتها لا تنزلها على أرض الواقع الشعارات.
لماذا؟
لأن العمود الفقري للمهنة، مؤسساتها ومن يشتغل داخلها من صحفيين وتقنيين وإداريين ومتعاونين... لا يمكن أن تولد الاستقلالية في مهنتنا من رحم الهشاشة.
كيف لصحفي أجره نزل في بورصة التشغيل لما دون ما هو مقرر في الاتفاقية الجماعية أن يكون مستقلاً؟!
وكيف يمكن أن تواجه مؤسسات تعيش على الدعم العمومي دون غيره مغريات نزع الاستقلالية عنها؟!
الجيل الجديد من الصحافيات والصحافيين يعيش أزمة مركبة اجتمعت فيها كل شروط جعله تائها، يمارس الحدود القصوى من الرقابة على ذاته قبل أن يمارسها عليه آخرون.
لأنه وجد نفسه، داخل مؤسسات شاء المتحكمون في صنابير تمويل الصحافة، أن تصنف وفق نزوات الأشخاص، حتى وإن كان الصنبور عموميا، وجب أن تصل حصص مائه وفق أسس المساواة بعد الاستحقاق.
وجد نفسه، ضحية تبعات صراعات حدثت لأسباب شخصية محضة في الماضي، ويجب أن يؤدي هو ثمنها في الحاضر!
جيل الصحافيين المغاربة الذين تقل أعمارهم عن الـ45 سنة، مضطرون دائما، ليس لتأكيد مهنيتهم من صميم المهنة، بل تأكيد الولاء لجهة على حساب الأخرى، مع الاكراه على تصنيف ما ينتجونه وفق باروميتر "الوطنية" أو "النضال"!
هنا، أعتقد أنه من طُرق انعاش جسد الصحافة العليل عندنا، القطع مع جعل الأجيال الجديدة حطب وقود دائم لمعارك تخوضها، مكرهة، بالوكالة، عمن بحثوا أو وجدوا ضالتهم في ما هو بعيد عن "السلطة الرابعة".
اليوم نحن في حاجة لمن يدافع ويدفعُ بالانتصار للمهنة لا غير. لنخرج من وضع "لي تلف يشد الأرض".
نحتاج أن نتحرك من الداخل، عوض التفرج على "صاحبة الجلالة" فوق العمارية، مع ترديد أكثر من "جوق"، أهازيج: "الصحافة كدور... خارج دار بّها كدور...!"