مركز بحثي: الغذاء المستورد يثقل كاهل الدولة ويصيب المغاربة بالسمنة

محمد فرنان

سجل المعهد المغربي لتحليل السياسات صورة مقلقة للوضع الغذائي في المغرب، محذرا من أن البلاد تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم بين خيار ترسيخ السيادة الغذائية أو الاستمرار في دوامة الارتهان للأسواق الخارجية.

وأوضح التقرير أن جائحة "كوفيد-19" كانت بمثابة إنذار قوي أعاد إلى الواجهة سؤال الأمن الغذائي، بعدما أدركت السلطات والمستهلكون على حد سواء أن ضمان المواد الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء، لا يمكن أن يبنى إلا على قاعدة الإنتاج المحلي القادر على الصمود أمام الأزمات.

ويحمل التقرير، الصادر بعنوان "السيادة الغذائية في المغرب: الوضع الراهن ومقترحات للتدخل"، توقيع الباحث محمد الطاهر السرايري، الذي شدد على أن تحقيق السيادة الغذائية لن يتم من دون تحول جذري في النموذج الفلاحي الحالي، بما يعزز استدامة النظم الغذائية ويحسن صحة المواطنين، ويرسخ مفهوم السيادة كركيزة للسياسات العمومية المقبلة.

وجرى إعداد هذا التقييم بناء على مخرجات مائدتين مستديرتين وطنيتين جمعتا فاعلين رئيسيين في المنظومة الغذائية في ماي 2025.

الندرة المائية

وفق التقرير، يعد العطب المائي هو الأبرز، إذ تراجعت الموارد المائية المتجددة إلى أقل من 600 متر مكعب للفرد سنويا.

ويشير الموجز إلى أن آثار التغير المناخي، من تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، فاقمت هذا الوضع.

وأوضح التقرير أن الأزمة تتجلى في اختيارات زراعية غير متلائمة مع الإمكانيات المائية، مثل زراعة الحوامض في المناطق الجافة كسوس ماسة وملوية، أو زراعة الدلاح (البطيخ) في المناطق شبه الصحراوية كطاطا وزاكورة.

 وأشار إلى أن ذلك أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطماطم والبصل منذ عام 2023 نتيجة ضعف تنظيم الصادرات.

ونبه التقرير إلى أنه رغم الاتفاق على ضرورة إعداد استراتيجية وطنية للصمود المائي بعد ست سنوات متتالية من الجفاف، لا تزال السياسات الفلاحية تراهن على توسيع المساحات المسقية بدل مراجعة النموذج الزراعي القائم.

التداعيات الصحية

أكد التقرير أن المغرب يظهر اعتمادا متزايدا على استيراد المواد الغذائية الأساسية، مما يفاقم التبعية الخارجية ويزيد من الهشاشة. ففي عام 2023، بلغت واردات القمح الطري 5.87 ملايين طن، وتجاوزت القيمة الإجمالية للواردات الغذائية 8.9 مليارات درهم، أي أكثر من قيمة الصادرات الفلاحية (7.7 مليارات درهم).

وحذر الموجز من أن هذا الاعتماد يحمل المغرب عبئا ماليا ثقيلا لدعم أسعار القمح الطري والسكر المكرر، إذ بلغت كلفة هذا الدعم عبر صندوق المقاصة في عام 2023 ما مجموعه 1.34 مليار درهم للقمح الطري و4.38 مليارات درهم للسكر المكرر.

وربط التقرير استهلاك هذه المواد المدعومة والمستوردة بارتفاع نسب السمنة وزيادة الوزن لتتجاوز 50 في المائة و20 في المائة على التوالي من الساكنة. كما طرح تساؤلات جدية حول جودة الواردات الغذائية وتأثيرها الصحي، خصوصا فيما يتعلق بمخلفات المبيدات الحشرية ووجود الكائنات المعدلة وراثيا في الذرة وفول الصويا.

تآكل التنوع البيولوجي

كشف الموجز أن المغرب يعاني من اعتماد شبه كامل على المدخلات المستوردة في معظم قطاعاته الفلاحية، مما يعكس هشاشة بنيوية.

وأوضح أنه لا توجد سلسلة إنتاجية واحدة في منأى عن هذه التبعية؛ فزراعة الحبوب تعتمد على بذور ومبيدات مستوردة، وقطاع البستنة يرتكز على نحو 500 ألف طن سنويا من الأسمدة التركيبية المستوردة.

وأضاف التقرير أن التبعية تمتد إلى الطاقة الأحفورية المستخدمة في ضخ المياه، والآلات والمعدات الفلاحية المستوردة.

وذكر أن هذه التبعية أدت إلى تراجع التنوع البيولوجي الفلاحي، حيث ساهم تهجين السلالات المحلية بجينات مستوردة في تدهور التنوع الجيني.

وأشار إلى أن آثار هذه الهشاشة برزت بوضوح خلال جائحة كوفيد-19 والفترة التضخمية اللاحقة، إذ تأثرت ربحية الإنتاج بارتفاع أسعار المدخلات.

العمل الفلاحي والتربة

أفاد التقرير أن الاستراتيجيات الفلاحية الأخيرة أظهرت اهتماما محدودا بعناصر الإنتاج الحيوية كالتربة واليد العاملة. ونبه إلى أن دراسات علمية أشارت إلى الآثار السلبية للتكثيف الفلاحي على خصوبة التربة واستنزاف الفرشة المائية.

ويؤكد الموجز أن اليد العاملة الفلاحية تعاني من ضعف الأجور التي لا تضمن شروط العمل اللائق، مما دفع السلطات إلى تقليص الفارق بين الحد الأدنى للأجر الفلاحي (2253 درهما) والصناعي (3046 درهما) في عام 2024 لتحسين جاذبية العمل الفلاحي.

وعلى الرغم من أن السيادة الغذائية كانت شعار الدورة 2024 من المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا التوجه ظل في حدود الشعارات، ولم تستوعب مضامينه الأساسية بعد من قبل أغلب صناع القرار والمستهلكين.

الأولوية للسوق المحلية 

خلص التقرير إلى أن ترسيخ مبادئ السيادة الغذائية يتطلب التزاما طويل الأمد، مؤكدا على ضرورة تنسيق السياسات العمومية الوطنية في مجالات الماء والفلاحة والغذاء للحد من الاعتماد المفرط على الواردات.

كما أوصى بضرورة إعطاء الأولوية للمحاصيل الموجهة للسوق المحلية بدل تلك المخصصة للتصدير، لضمان أمن الإمدادات الغذائية وحماية الموارد الطبيعية الهشة.