بقلم: حسناء بوعيسى
عرفت الأقاليم الجنوبية للمملكة خلال السنوات الأخيرة طفرة تنموية غير مسبوقة، من خلال اعتماد نموذج تنموي جديد يقوم على الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى، وتعزيز جاذبية التراب، وتثمين المؤهلات الطبيعية والبشرية، وذلك عبر رؤية واضحة تستند إلى الحكامة الجيدة والتخطيط المتوازن الذي يربط بين المشاريع المحلية والرهانات الوطنية، مما جعل المنطقة تتحول بشكل تدريجي إلى قطب اقتصادي صاعد يربط المغرب بإفريقيا، ويمثل واجهته الاستراتيجية نحو الجنوب، ويعيد تشكيل دورها في منظومة المبادلات التجارية، كما عزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات وإنشاء منظومات إنتاج متعددة القطاعات، وهو ما أعطاها مكانة متقدمة داخل الخريطة التنموية للمملكة.
وقد شمل هذا التطور إطلاق مشاريع ضخمة مثل الميناء الأطلسي بالداخلة الذي سيشكل منصة لوجستية كبرى نحو إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتوسيع الشبكات الطرقية التي ربطت المدن والمراكز الاقتصادية ببعضها، وإحداث مناطق صناعية ولوجستية متقدمة تستجيب لمعايير الاستثمار الدولية، إلى جانب النهوض بمشاريع الطاقات المتجددة القائمة على الطاقة الريحية والشمسية، وتطوير قطاع الصيد البحري عبر تحديث الأسطول وتثمين المنتجات البحرية، بالإضافة الى تعزيز النشاط السياحي عبر بنية استقبال حديثة ومشاريع فندقية مبتكرة، وهي مشاريع لم تساهم فقط في خلق فرص الشغل وتحسين مستويات العيش، بل أسست لاقتصاد محلي قوي، قادر على استقطاب استثمارات أجنبية كبرى، ودعم الإنتاج الوطني، وتوفير موارد مالية مستقرة تمكن من جعل التنمية مستدامة.
وعلى المستوى الاجتماعي، استفادت الساكنة من تحسن ملحوظ في الخدمات الأساسية، حيث توسعت مؤسسات التعليم بمختلف مستوياتها، وتطورت البنية الصحية من خلال بناء وتجهيز مستشفيات ومراكز استشفائية حديثة، وتعزيز خدمات التكوين المهني المؤهلة لولوج سوق الشغل، كما تعززت شبكات الماء والكهرباء والاتصالات بشكل واسع، وتم تطوير برامج اجتماعية تستهدف إدماج الشباب والنساء عبر دعم المبادرات المقاولاتية، وتحسين شروط الاندماج الاقتصادي، مما خلق وضع اجتماعي مستقر، اصبح يشكل الاساس لأي مشروع تنموي مستدام، ويوفر شروط العيش الكريم للساكنة، ويعزز ثقتها في الخيارات الاستراتيجية التي تنتهجها الدولة داخل هذه الأقاليم.
ومكن هذا التحول الكبير والعميق داخل أقاليم الصحراء المغربية، من ابراز حقيقة ساطعة مفادها ان المغرب لم يكتف بتقديم مبادرة الحكم الذاتي على مستوى الخطاب، بل ترجم رؤيته على الأرض عبر سياسات عمومية ناجعة، وقرارات استثمارية استراتيجية، وبرامج كبرى مبنية على رؤية طويلة المدى، اكدت جديته وقدرته على إنجاح الرهان، عبر تحويل الرهانات السياسية الكبرى إلى مشاريع اقتصادية واجتماعية فعلية، تظهر عمق الالتزام الوطني تجاه هذه الأقاليم وترسخ حضورها داخل المسار التنموي الوطني.
بالإضافة الى هذه المكاسب، استطاع المغرب ربط هذه الأقاليم ببعده الافريقي، حيث استطاع تعزيز حضوره بالقارة الإفريقية من خلال رؤية تنموية متكاملة تقوم على التعاون الاقتصادي، وتبادل الخبرات، وإطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الفلاحة الطاقة والأمن الغذائي، كمشروع الغاز نيجريا المغرب و المبادرة الأطلسية، في تأكيد لرؤية ترتكز على مقاربة تشاركية تركز على قيمة التنمية المشتركة بدل العلاقات التقليدية، مما جعل الأقاليم الجنوبية تصبح نقطة ارتكاز أساسية في الربط بين المغرب وعمقه الإفريقي، باعتبارها بوابة طبيعية للربط التجاري واللوجستي، ومنصة لاستقبال الاستثمارات الإفريقية وتوجيهها نحو أسواق جديدة، ما جعل منها مجال استراتيجي لتطوير المبادلات جنوب–جنوب، وتعزيز مكانة المغرب كفاعل اقتصادي موثوق داخل القارة.
وتستند هذه الرؤية الإفريقية على مبدأ أساسي مفاده أن لا استقرار دون تنمية، ولا تنمية دون شراكات متوازنة، لذلك عمل المغرب على بناء نموذج يقوم على توفير شروط الاستقرار السياسي، وتطوير البنيات التحتية العابرة للحدود، مثل الطرق المعبدة نحو موريتانيا، والمشاريع المشتركة مع بلدان الساحل، و الربط المينائي، وخلق فضاءات اقتصادية متكاملة تعود بالنفع على الشعوب الإفريقية، خصوصا دول الساحل التي تحتاج إلى دعم تنموي يؤسس للأمن والاستقرار، و التي باتت أقاليم الصحراء المغربية حلقة الوصل الرئيسية في هذا المشروع التنموي القاري المغربي، كما اعتمد المغرب مقاربة شمولية تجمع بين الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز القدرات البشرية، وتشجيع المبادرات المقاولاتية، مما جعل حضوره داخل القارة يتجاوز البعد الاقتصادي ليشمل الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والأمنية، ويصنع شبكة من التحالفات مبنية على الثقة والربح المتبادل.
وبذلك يمكننا القول أن التطور الاقتصادي والاجتماعي في الأقاليم الجنوبية لم يكن مجرد نجاح داخلي، بل كان رافعة استراتيجية عززت عدالة الموقف المغربي دوليا، وساهم بقوة في توجيه القرار الأممي الأخير نحو دعم الطرح المغربي و الاعتراف بمغربية الصحراء، من خلال تقديم نموذج واقعي وملموس عن قدرة المغرب على إنجاح مبادرة الحكم الذاتي و تطوير المنطقة بأكملها في ظل السيادة المغربية، كما ساهم هذا التطور التنموي في الوقت نفسه في جعل المغرب فاعل رئيسي في التنمية الإفريقية، وقوة استقرار إقليمي تعول عليها العديد من الدول، إذ أظهر المغرب أن التنمية ليست فقط أداة داخلية لبناء الاستقرار الداخلي، بل هي أيضا لغة دبلوماسية جديدة، تؤثر في المواقف الدولية، وتعيد تشكيل العلاقات الإقليمية، وتثبت أن الحلول الواقعية القائمة على الاستقرار والتنمية هي من بين الحلول الأكثر قدرة على كسب ثقة المجتمع الدولي ودعم مؤسساته.