أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط، مؤخرا، حكما يقضي برفض الترخيص بحفر بئر داخل عقار يتواجد في محمية طبيعية، معلّلة قرارها بوجود تهديد محتمل للتوازن البيئي، من خلال استنزاف محتمل للفرشة المائية، والإخلال بالنظام الإيكولوجي، وتهديد التنوع النباتي والحيواني المرتبط بالمياه الجوفية أو السطحية بالمحمية.
الحكم الذي نشرته "المفكرة القانونية" يعتبر من بين التطبيقات القضائية النادرة لقانون 36.15 المتعلق بالماء والذي يهدف الى حماية الموارد المالية ومواجهة الاستغلال المفرط وغير القانوني للمياه الجوفية، رغم ما يواجهه تفعيله من مقاومات اجتماعية واقتصادية .
ملخص القضية
تعود فصول القضية إلى تاريخ 07 أبريل 2025، حينما تقدّم المدّعون بمقال أمام المحكمة الإدارية، يعرضون فيه أنهم يملكون عقارا، وقد تقدموا إلى وكالة الحوض المائي المختصة بطلب من أجل حفر بئر قصد الشرب وقضاء أغراضهم اليومية الشخصيّة إلا أنهم فوجئوا برفض طلبهم بعلّة أن موقع الحفر يقع في محمية، والحال أن الأمر يتعلق بمادة أساسية ورئيسة من أجل حياة الإنسان طبقا للفصل 31 من دستور 2011، وأضافوا أن مؤسسة الوسيط سبق أن أصدرت توصية بضرورة تمكين المواطنين من حقهم في الاستفادة من خدمات الماء والكهرباء، مما يجعل موقف الوكالة مفتقدًا للسند الموضوعي والقانوني. ملتمسين الحكم بإلغاء القرار الصادر عن وكالة الحوض المائيّ، والإذن لهم بحفر البئر من أجل الشرب والاستعمال اليوميّ والعادي مع شمول الحكم بالنفاذ المعجّل.
وبناء على المذكرة الجوابية المدلى بها من طرف الوكالة والتي أوضحت فيها بأن مكان حفر البئر يتواجد في محمية أي أنه يتواجد في منطقة مشمولة بمخطط تدبير الموارد المائية والمنع من الترخيص وهو منع مقرر بنص القانون وذلك طبقا للمادة 25 من قانون الماء، وأنه من الناحية الواقعية فإن مياه الآبار إن وجدت لا تكون صالحة للشرب إلا إذا كانت تستجيب لمعايير الجودة. ملتمسة الحكم برفض الطلب.
موقف المحكمة
بعد تداول المحكمة في وقائع القضية، قررت رفض طلب الترخيص للمدعين بحفر بئر داخل العقار المتواجد بمحمية طبيعية، مستندة إلى مجموعة من الأسس القانونية والواقعية أبرزها:
أن قانون 36.15 المتعلق بالماء يجعل أي استغلال للمياه الجوفية، بما في ذلك حفر الآبار، خاضعا لترخيص مسبق، مع منح الإدارة سلطة تقديرية لرفض الترخيص كلما اقتضت ذلك المصلحة العامة أو حماية الموارد المائية، خصوصا في المناطق الحساسة أو المحمية. وتؤكد المادة 25 منه بوضوح أن الإدارة مخولة قانونا رفض الترخيص داخل المحميات الطبيعية، بالنظر إلى هشاشة الفرشات المائية والنظم البيئية داخلها.
الثابت من وثائق الملف أن العقار المعني يتواجد فعلا داخل محمية، وهو معطى لم ينازع فيه المدعون، وقد اعتبرت المحكمة أن حفر بئر داخل محمية قد يؤدي إلى استنزاف الفرشة المائية وتغيير النظام البيئي وتهديد التنوع النباتي والحيواني المرتبط بالمياه الجوفية أو السطحية بالمحمية.
الثابت من طلب الترخيص المدلى به بالملف أن الغرض من حفر البئر هو سقي المزروعات، وليس الاستعمال المنزلي المحدود كما جاء في مقال الطعن بالإلغاء، وهو ما يجعل حجم الاستغلال المائي المحتمل أكبر، وآثاره البيئية أفدح، خاصة داخل محمية مصنفة.
وبناء على هذه الحجج، خلصت المحكمة إلى أن قرار الوكالة المائية كان «مشروعا ومعللا ومطابقا للقانون»، وأنه يهدف إلى حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية، مما يجعل الطعن غير مؤسس.
تعليق على الحكم القضائي
يعتبر هذا الحكم القضائي بحسب "المفكرة القانونية" من بين التطبيقات النادرة لقانون الماء أمام القضاء الإداري، وتكمن أهميته في كونه يسلط الضوء على الإشكاليات العملية المرتبطة بتدبير الموارد المائية داخل المجالات البيئية المحمية.
فمن جهة أولى، يعيد الحكم طرح مسألة التوفيق بين حق الأفراد في الولوج إلى الماء، باعتباره حقًا أساسيًا مكرسًا دستوريًا وضمن الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وبين الحق الجماعي في التمتع ببيئة سليمة، الذي يفرض قيودًا مشروعة على بعض أشكال الاستغلال الفردي للموارد الطبيعية، خاصة داخل المحميات الطبيعية.
ومن جهة ثانية، يكرّس الحكم مبدأ الحيطة والحذر في تدبير الملك العمومي المائي، حين اعتبر أن مجرد تواجد العقار داخل محمية طبيعية يشكل سببًا كافيًا لرفض الترخيص بحفر بئر، بالنظر إلى ما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر محتملة على التوازن البيئي، سواء من حيث استنزاف الفرشات المائية أو الإخلال بالنظام الإيكولوجي وتهديد التنوع البيولوجي المرتبط بالمياه السطحية والجوفية داخل المحمية.
كما يؤكد الحكم أولوية حماية المجال البيئي على تلبية الحاجيات الفردية، كلما تعلق الأمر بمناطق مصنفة ذات حساسية إيكولوجية خاصة، باعتبارها فضاءات تتطلب نظامًا وقائيًا صارمًا يحول دون أي نشاط قد يفضي إلى الإضرار باستدامتها.
في المقابل يثير هذا التوجه القضائي إشكالية اتساع سلطة الإدارة في حماية الملك العمومي المائي دون استحضار البدائل العملية المتاحة لفائدة الأفراد القاطنين داخل المحميات، خاصة في السياقات القروية، فرغم مشروعية القيود المفروضة على حفر الآبار واستغلال المياه الجوفية وفق القوانين الجاري بها العمل، فإن غياب حلول مرافِقة أو بديلة، كتعزيز الربط بشبكات الماء الصالح للشرب أو اقتراح بدائل تقنية مستدامة، قد يفضي إلى تحميل الساكنة المحلية كلفة اجتماعية غير متناسبة مع أهداف الحماية البيئية.
من جهة أخرى، يعيد هذا الحكم إلى الواجهة التحديات التي تواجه تنزيل قانون الماء بالمغرب منذ دخوله حيز التنفيذ، نتيجة ضعف آليات التتبع والمراقبة، ومحدودية الوعي القانوني لدى المستعملين والمتدخلين على حد سواء، فضلًا عن قلة المنازعات المعروضة على القضاء، مما يحد من تطور الاجتهاد القضائي في هذا المجال. كما يواجه القانون الجديد مقاومات ثقافية، اجتماعية واقتصادية خصوصًا في القطاع الزراعي، مرتبطة بالتفاوتات المجالية بين المدن والقرى وداخل نفس المجالات، وغموض معايير تسعير الماء، وضعف إشراك الساكنة المحلية في تدبير الموارد المائية، رغم التنصيص القانوني على المقاربة التشاركية.