البرديجي يكتب: الجالية المغربية لا تمن على الوطن

تيل كيل عربي

بقلم: عبد الرحيم البرديجي، باحث في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية

لطالما عبرت الجالية المغربية عن وطنيتها، فهي حين تطالب الحكومة بشيء، فإنما تطالب بحقوقها لا بامتيازات – على خلاف ما يظنه بعض المسؤولين الذين يتحدثون فيما لا يعرفون.

هذه الجالية التي تزعج عودتها إلى الوطن البعض، خصوصا بعد دعوة صاحب الجلالة إلى الاستفادة من خبرتها في بلدها، لا في بلدان الإقامة، هي في الحقيقة هدية لوطنها، فالأيسر لها أن تبقى في الخارج، حيث جودة التعليم والاستشفاء والمعيشة، لكنها رغم ذلك تحلم بالعودة إلى بلدها الذي لم ينفق درهما واحدا على تكوينها، لتستثمر فيه جهد سنوات طويلة، وتوفر مناصب شغل، وتستفيد من استثماراتها الشركات العقارية، ومديرية الضرائب، ومؤسسة الضمان الاجتماعي، والأبناك.

أفلا تعد عودة هذه الكفاءات هدية للوطن؟

وحين يأتي أجنبي ليستثمر في المغرب، نستقبله أحيانا بالسجاد الأحمر، رغم أن هدفه هو الربح فقط، أما ابن الوطن الذي يحركه الانتماء ورد الجميل لبلده ووالديه، فيستقبل من طرف بعض "السياسيين" بنبرة تشعره وكأن ما يقوم به واجب مفروض عليه، لا فضلا يقدره أحد.

ربما الوزير مزور، في خرجته الأخيرة غير الموفقة، لم يكن يعلم أنه حين كان المغاربة داخل الوطن يدفعون ما بين درهمين و30 درهما للمصادقة على الوثائق الإدارية، كان أبناء الجالية يدفعون ما بين 3 و7 أورو للمصادقة على الوثائق نفسها، أما جواز السفر الذي كانت كلفته داخل المغرب بين 300 و400 درهم، فكان المهاجرون يدفعون مقابله نحو 60 أورو، أي ضعف الثمن تقريبا، حتى لو كانوا مقيمين في دول إفريقية.

أما موظفو السفارات والقنصليات والمؤسسات المرتبطة بالجالية، لا تخصص أية حصة (كوطا) لأبناء المهجر في التوظيف داخل هذه المؤسسات، كما أن أفراد الجالية يجلبون سيارات من الخارج لتعشيرها في المغرب، حتى وإن تجاوز عمرها عشر سنوات، لكن الحكومة تفطنت إلى "ذكاء" غريب حين حددت سن السيارات القابلة للتعشير في خمس سنوات فقط، دون تخفيض تدريجي ودون أي استشارة مع الجالية، فصارت القرارات تصاغ وتفرض من الرباط وتطبق عليهم دون إشراكهم.

حتى المشاركة السياسية، التي نص عليها الدستور، ما زالت معطلة بأعذار لا يقبلها عاقل، خصوصا أننا نرى دولا مثل مصر ولبنان وتونس – بل وحتى سوريا قبل الأزمة – تتيح لجالياتها المشاركة السياسية، أما مسؤولونا، فما زالوا خلال زياراتهم لبلدان الإقامة يتحدثون عن "اندماج الجالية" بدل الدفاع عن "حقوق الأقليات"، وكأنهم لا يدركون أن أبناء الجالية يعانون من انتهاكات لحقوقهم تبرر باسم الاندماج.

فدول الغرب نفسها تدافع عن حقوق الأقليات في كل مكان، الأقباط في مصر، المسيحيين في لبنان والسودان، اليهود في الشرق الأوسط، والتبتيين في الصين، لكنها حين يتعلق الأمر بترابها، تستبدل مصطلح "حقوق الأقليات" بعبارة "الاندماج".

أما الجرائم التي ترتكبها شركات الطيران والنقل البحري في حق الجالية من خلال المضاربة ورفع الأسعار خلال العطل إلى مستويات خيالية دون رقيب أو حسيب، فهي تستوجب تدخل الحكومة التي تغض الطرف، بل وتبرر صمتها بحجة "تحرير الأسعار واقتصاد السوق"، وهو تبرير مردود عليه، إذ يمكن للدولة أن تتدخل بآليات قانونية وتنظيمية لحماية المواطنين من جشع هذه الشركات، وأبناء المهجر من السماسرة و"الشناقة".

ويضاف إلى ذلك ما يحدث في الوطن نفسه، حيث يرفع أرباب الفنادق الأسعار إلى مستويات لا نجدها حتى في ميامي أو المالديف، دون أي مراقبة، وكذلك الشقق المفروشة، ووكالات كراء السيارات، والمصحات الخاصة، التي تفرض الأسعار التي تشاء، في غياب أي تدخل حكومي لحماية المستهلك. أفلا يشكر أبناء المهجر على رغبتهم في زيارة الوطن رغم كل هذه العراقيل؟

لنتساءل بصوت عال، ماذا لو أطلق المغتربون حملة بعنوان "سنة دون تحويلات ودون زيارة للوطن" إلى أن يقال هذا الوزير الذي تجرأ على استصغارهم واحتقارهم؟ أو إلى أن تطبق المشاركة السياسية فعليا أو يحدد سقف زمني لتطبيقها؟ أو إلى أن تسقف أسعار الرحلات الجوية والبحرية؟ أو إلى أن يمنح أبناء المهجر نصيب من الوظائف داخل المؤسسات المعنية بشؤونهم؟

وماذا لو لم يشارك أبناء المهجر في المنتخبات الوطنية؟ هل كنا سنحقق الإنجازات التي نفتخر بها اليوم؟

يجب أن نتوقف عن استعمال تسمية "مغاربة العالم"، فهي توحي بالبرجوازية وكأن المهاجرين يعيشون في رفاهية وسياحة دائمة، بينما الواقع مختلف تماما، التسمية الأليق هي "المغتربون المغاربة"، لأنها تعكس الحقيقة كما هي، لا كما يريد البعض تصويرها.