تمثل التوترات الجيوسياسية والنزاعات المستمرة أحد أبرز المخاطر التي قد تؤثر على تطور السياحة الدولية خلال سنة 2026. ورغم توقع نمو السياحة الدولية بنسبة تتراوح بين 3 و4 في المائة مقارنة بسنة 2025، فإن استمرار النزاعات أو تصاعدها قد يحد من هذا النمو بشكل ملموس.
ووفقا لتقرير صادر عن UN Tourism، أشار نحو نصف خبراء القطاع المشاركين في استطلاع إلى أن المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف السفر والعوامل الاقتصادية العالمية تعد من أهم التحديات التي قد تواجه حركة السياحة الدولية، .
هذه الأزمات قد تؤثر مباشرة على ثقة المسافرين، وتؤدي إلى تراجع الحجوزات وزيادة في أسعار الرحلات والخدمات السياحية، وهو ما يجعل بعض الوجهات السياحية أكثر عرضة لتراجع عدد الزوار مقارنة بمناطق أكثر استقرارا. وبالتالي، فإن أي تصاعد في النزاعات الإقليمية أو العالمية قد ينعكس بشكل مباشر على أداء القطاع السياحي ويزيد من درجة عدم اليقين بالنسبة للأسواق السياحية العالمية.
ومع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على السياحة العالمية، يتساءل الكثيرون عن موقع المغرب من هذه الأزمة: هل سيتمكن من استقطاب السياح الباحثين عن وجهات آمنة ومستقرة بعيدا عن مناطق النزاع؟ وهل سيستفيد المغرب من هذه التحولات في الطلب السياحي لتعزيز مكانته كوجهة رئيسية في شمال إفريقيا؟.
المغرب بين الاستقرار السياحي والتأثيرات غير المباشرة
في هذا الصدد، قال الزوبير بوحوت، الخبير السياحي، إنه في حال تصاعد النزاع في الشرق الأوسط أو استمراره لفترة طويلة، فمن الممكن أن تمتد آثاره إلى قطاع السياحة العالمي، بما في ذلك بعض الوجهات البعيدة جغرافيا عن منطقة الصراع مثل المغرب. ويرجع ذلك إلى أن صناعة السياحة الدولية تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الجيوسياسي، وسهولة حركة النقل الجوي، وثقة المسافرين في سلامة الوجهات السياحية.
وأوضح بوحوت أن أحد أهم التأثيرات المحتملة يتمثل في اضطراب حركة النقل الجوي الدولي. فالتوترات العسكرية أو الأمنية قد تؤدي إلى إغلاق بعض المجالات الجوية أو تغيير مسارات الرحلات الجوية الدولية، مما يضطر شركات الطيران إلى إعادة تنظيم شبكاتها التشغيلية. وفي مثل هذه الحالات قد تتأثر محاور الطيران الكبرى في الشرق الأوسط، والتي تشكل نقاط عبور رئيسية تربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. هذا النوع من الاضطرابات قد يؤدي إلى تأخير الرحلات أو إلغائها أو زيادة مدة السفر وتكاليفه بالنسبة لعدد كبير من المسافرين.
تشير تحليلات صادرة عن (الاتحاد الدولي للنقل الجوي) و (منظمة الطيران المدني الدولي) إلى أن الأزمات الجيوسياسية التي تؤدي إلى قيود على استخدام بعض المجالات الجوية قد تفرض إعادة توجيه مسارات الطيران العالمية، وهو ما يؤدي غالبا إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف التشغيل، وقد يؤثر بالتالي على حركة السفر والسياحة الدولية.
وأضاف بوحوت أن قطاع السياحة يعتمد بدرجة كبيرة على العامل النفسي وثقة المسافرين. فعندما تتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة معينة من العالم، قد يتردد بعض المسافرين الدوليين في السفر إلى مناطق يرونها قريبة جغرافيا أو مرتبطة ذهنيا بمناطق النزاع، حتى وإن كانت تلك الوجهات بعيدة وآمنة في الواقع. وتعرف هذه الظاهرة في الدراسات السياحية بتأثير الإدراك النفسي للمخاطر المرتبطة بالسفر.
وتشير تحليلات صادرة عن (منظمة الأمم المتحدة للسياحة) إلى أن الأزمات السياسية أو الأمنية لا تؤثر فقط على الدول الواقعة مباشرة في قلب النزاع، بل قد تمتد آثارها إلى وجهات أخرى نتيجة تغير تصورات المسافرين أو اضطراب شبكات النقل الجوي الدولية.
وبالنسبة للمغرب، أفاد أنه على الرغم من أن المملكة تقع خارج منطقة النزاع المباشر ولا توجد حاليا أي تحذيرات سفر أو قيود أمنية دولية رئيسية تستهدفها، فإن بعض التأثيرات غير المباشرة قد تظهر على المدى القصير، ومن أبرزها احتمال اضطراب بعض مسارات الرحلات الجوية الدولية، خاصة بالنسبة للمسافرين الذين يعتمدون على مطارات عبور في الشرق الأوسط. واحتمال تراجع مؤقت في بعض الحجوزات السياحية لدى فئات من المسافرين الذين يتأثر قرارهم بالسياق الجيوسياسي الدولي. وإمكانية إعادة توزيع التدفقات السياحية العالمية، حيث قد يفضل بعض السياح تأجيل رحلاتهم أو اختيار وجهات بديلة في فترات التوتر الدولي.
وأشار إلى أن التجارب السابقة في قطاع السياحة العالمي إلى أن الوجهات التي تتمتع بالاستقرار السياسي والأمني غالبا ما تحافظ على جاذبيتها السياحية، بل وقد تستفيد أحيانا من إعادة توجيه جزء من حركة السفر العالمية بعيدا عن المناطق التي تشهد توترات.
المغرب بين أسعار الوقود العالمية وتحديات تنافسية السياحة
كشف بوحوت أنه إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط لفترة طويلة، فإن تأثيراتها قد تتجاوز المجال الجغرافي للنزاع لتشمل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية. فمن المعروف تاريخيا أن الاضطرابات أو النزاعات في هذه المنطقة تؤثر بشكل مباشر في أسعار النفط العالمية، نظرا للدور المحوري الذي تلعبه دول الشرق الأوسط في إنتاج وتصدير الطاقة. وعندما ترتفع أسعار النفط في الأسواق الدولية، فإن ذلك ينعكس بسرعة على أسعار المشتقات النفطية، ومن بينها وقود الطائرات (الكيروسين) الذي يشكل أحد أكبر عناصر التكلفة التشغيلية لشركات الطيران. وتشير تحليلات صادرة عن International Air Transport Association (الاتحاد الدولي للنقل الجوي) إلى أن وقود الطائرات يمثل عادة ما بين ربع وثلث إجمالي تكاليف التشغيل لدى شركات الطيران، وهو ما يجعل هذا القطاع شديد الحساسية لتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
وأوضح أنه عندما ترتفع أسعار الوقود بشكل مستدام، تضطر شركات الطيران غالبا إلى زيادة أسعار تذاكر السفر أو تعديل شبكاتها الجوية للحد من التكاليف التشغيلية المرتفعة. وقد يشمل ذلك تقليص عدد الرحلات أو إعادة توجيه الطائرات نحو مسارات أكثر ربحية. هذه الدينامية يمكن أن تؤثر في الطلب على السفر الدولي، خصوصا لدى الفئات السياحية الأكثر حساسية للأسعار مثل السياحة الجماعية أو السياحة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تشير تحليلات قطاعية صادرة عن World Travel & Tourism Council (المجلس العالمي للسفر والسياحة) إلى أن ارتفاع تكاليف النقل الجوي غالبا ما يؤدي إلى تباطؤ الطلب السياحي الدولي، لأن تكاليف السفر تشكل جزءا مهما من الميزانية الإجمالية للرحلة السياحية.
بالنسبة للمغرب، أفاد أن السياحة الدولية تعتمد بدرجة كبيرة على النقل الجوي لربط المدن السياحية الرئيسية مثل Marrakech وAgadir وCasablanca بالأسواق السياحية المصدرة، وخاصة في أوروبا. ولذلك فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف السفر الجوي نحو المغرب، وهو ما قد يؤثر نسبيا على القدرة التنافسية للوجهة المغربية مقارنة ببعض الوجهات السياحية الأخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ولفت الانتباه إلى أن هذا التحدي يرتبط بشكل خاص بالمنافسة مع عدد من الوجهات المتوسطية الأوروبية التي يمكن الوصول إليها بسهولة أكبر بالنسبة للسياح الأوروبيين، سواء عبر رحلات جوية قصيرة منخفضة التكلفة أو حتى عبر وسائل النقل البرية أو البحرية في بعض الحالات. فعندما ترتفع أسعار الوقود بشكل كبير، قد تصبح الرحلات الجوية الطويلة نسبيا أكثر تكلفة مقارنة بالرحلات القصيرة داخل أوروبا، وهو ما قد يدفع بعض السياح إلى تفضيل وجهات أقرب جغرافيا.
وأضاف بوحوت، أنه مع ذلك، فإن التأثير الفعلي لهذه الزيادة في تكاليف الطاقة على تنافسية المغرب لا يعتمد فقط على أسعار النقل الجوي، بل يرتبط أيضا بعوامل أخرى متعددة مثل مستوى الأسعار في القطاع السياحي، وجودة التجربة السياحية المقدمة، وتنوع العرض الثقافي والطبيعي، إضافة إلى الاستقرار السياسي والأمني الذي يعد عاملا حاسما في قرارات السفر. كما أن تطوير شبكات النقل الجوي منخفض التكلفة، وتعزيز الاتفاقيات الجوية الدولية، والحفاظ على تنافسية الأسعار في قطاع الإيواء والخدمات السياحية يمكن أن يساعد في الحد من تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على جاذبية الوجهة المغربية.
وأبرز في معرض حديثه أن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل الجوي يمكن أن يشكل تحديا نسبيا للقدرة التنافسية السياحية للمغرب مقارنة ببعض الوجهات المتوسطية القريبة من الأسواق الأوروبية، غير أن تأثيره النهائي يعتمد على كيفية تفاعل السياسات السياحية والنقلية والاقتصادية مع هذه المتغيرات الدولية، وعلى قدرة المغرب على الحفاظ على مزيج من سهولة الوصول والتنافسية السعرية وجودة التجربة السياحية التي تميزه داخل الفضاء المتوسطي.
الأزمات الجيوسياسية والطلب السياحي
كشف الخبير السياحي أنه إذا اندلع نزاع مسلح في منطقة ما من العالم أو تصاعدت حدته، فإن تأثيراته لا تقتصر عادة على الدول المعنية به مباشرة، بل قد تمتد إلى قطاعات اقتصادية عالمية مترابطة مثل السياحة الدولية. وفي هذا السياق، تشير الأدبيات المتخصصة في اقتصاد السياحة وإدارة المخاطر إلى ظاهرة تعرف في الدراسات الأكاديمية بالعدوى النفسية في إدراك المخاطر السياحية، وهي حالة يميل فيها بعض المسافرين إلى تعميم الشعور بعدم الاستقرار من منطقة محددة إلى نطاق جغرافي أوسع، حتى وإن كانت تلك المناطق الأخرى بعيدة فعليا عن النزاع ولا تتأثر به بشكل مباشر.
وأضاف أن هذه الظاهرة تبرز بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بمناطق ينظر إليها دوليا على أنها تنتمي إلى إطار جغرافي أو ثقافي واسع ومتشابه، مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث قد يخلط بعض المسافرين بين دول مختلفة داخل هذا الفضاء الإقليمي الكبير.
وأوضح أنه في مثل هذه الحالات، قد يؤدي النزاع في دولة أو مجموعة دول إلى انخفاض مؤقت في نية السفر نحو دول أخرى تقع ضمن نفس التصنيف الجغرافي أو الإعلامي، رغم أن تلك الدول لا تواجه أي مخاطر أمنية مرتبطة بالأحداث الجارية. ويعزى ذلك إلى طبيعة سلوك المسافرين الذين يعتمدون في قراراتهم على مستوى الشعور بالأمان والاستقرار، وهو عامل حاسم في الطلب السياحي العالمي.
وقد أشارت تحليلات صادرة عن United Nations World Tourism Organization (منظمة الأمم المتحدة للسياحة) إلى أن الأزمات السياسية أو الأمنية غالبا ما يكون لها تأثير يتجاوز حدود الدول المتأثرة مباشرة، إذ قد تمتد انعكاساتها إلى وجهات أخرى بسبب تغير تصورات المسافرين أو نتيجة التغطية الإعلامية الواسعة التي تقدم أحيانا صورة عامة عن منطقة كاملة بدل التمييز بين دولها المختلفة.
وأفاد أن تحليلات اقتصادية وسياحية صادرة عن World Travel & Tourism Council (المجلس العالمي للسفر والسياحة) توضح أن إدراك المخاطر لدى السياح يتأثر في كثير من الأحيان بالطريقة التي تعرض بها الأحداث في وسائل الإعلام الدولية. فبعض التغطيات الإعلامية أو التحليلات الجيوسياسية تميل إلى تبسيط التعقيدات الإقليمية من خلال استخدام تسميات عامة مثل “الشرق الأوسط” أو “المنطقة”، وهو ما قد يؤدي إلى خلط غير دقيق بين دول مستقرة سياسيا وأمنيا وأخرى تعيش ظروف نزاع أو توتر. ونتيجة لذلك قد تتشكل لدى بعض المسافرين صورة ذهنية غير دقيقة عن مستوى الاستقرار في بعض الوجهات السياحية، وهو ما قد ينعكس على قرارات السفر والحجوزات السياحية على المدى القصير.
وكشف أنه في حالة المغرب تحديدا، فإن المملكة تقع جغرافيا خارج منطقة النزاع المباشر ولا توجد أي تحذيرات سفر دولية رئيسية مرتبطة بالأحداث الجارية تستهدفها. كما يتمتع المغرب بمستوى معترف به من الاستقرار السياسي والأمني مقارنة بعدد من المناطق الأخرى في الإقليم. ومع ذلك، وبسبب العوامل النفسية والإدراكية المرتبطة بسلوك المسافرين، قد يظهر في بعض الحالات تأثير محدود لما يمكن وصفه بالخلط الجغرافي في تصور المخاطر، حيث قد يربط بعض السياح بين المغرب ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام نتيجة التصنيفات الإعلامية أو الجغرافية الواسعة، رغم أن الواقع الجغرافي والسياسي مختلف تماما.
واستطرد قائلا إن احتمال حدوث خلط جغرافي في تصور بعض السياح الدوليين يظل قائما في سياق الأزمات الجيوسياسية الكبرى، إلا أن هذا التأثير يكون عادة محدودا ومؤقتا عندما تتمكن الدول المعنية من إدارة صورتها الدولية بفعالية. وفي حالة المغرب، فإن الجمع بين الاستقرار الداخلي، والانفتاح السياحي، والتواصل الدولي المنظم يمكن أن يساهم بشكل كبير في الحد من أي تأثيرات نفسية أو إعلامية محتملة، وفي طمأنة الأسواق السياحية الدولية بشأن استمرارية جاذبية المملكة كوجهة آمنة ومستقرة.
المغرب في مواجهة الفرص السياحية الإقليمية: استقرار وأمان يجذب المسافرين
أفاد بوحوت أنه في ظل بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستوى التوترات الجيوسياسية في بعض مناطق الشرق الأوسط، قد تظهر أحيانا دينامية معاكسة في قطاع السياحة الدولي تتمثل في إعادة توجيه التدفقات السياحية نحو وجهات ينظر إليها على أنها أكثر استقرارا وأمنا. هذه الظاهرة معروفة في اقتصاد السياحة بما يسمى بتأثير الاستبدال السياحي، حيث يميل المسافرون إلى تعديل اختياراتهم عندما ترتبط بعض الوجهات التقليدية في أذهانهم بدرجة أعلى من المخاطر السياسية أو الأمنية. وفي مثل هذه الظروف قد تتجه شريحة من السياح الدوليين إلى البحث عن بدائل توفر مزيجا من الاستقرار السياسي وسهولة الوصول وجودة التجربة السياحية. وفي هذا الإطار يمكن أن يستفيد المغرب من هذه التحولات المحتملة، بالنظر إلى موقعه الجغرافي في شمال إفريقيا وصورته الدولية كوجهة سياحية مستقرة نسبيا داخل فضاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وكشف أن البيانات والتحليلات الصادرة عن United Nations World Tourism Organization (منظمة الأمم المتحدة للسياحة) تشير إلى أن المغرب كان قبل ظهور التوترات الجيوسياسية الأخيرة من بين الوجهات السياحية الأكثر دينامية في المنطقة. فقد سجلت المملكة نموا ملحوظا في عدد الوافدين الدوليين، كما أظهرت تقارير المنظمة أن المغرب كان ضمن الدول التي حققت أعلى نسب نمو في تدفقات السياحة الدولية خلال النصف الأول من سنة 2025. وتعكس هذه المؤشرات جاذبية الوجهة المغربية التي تجمع بين تنوع العرض السياحي، والغنى الثقافي والتاريخي، وتطور البنية التحتية السياحية والخدماتية مقارنة بعدد من الوجهات الأخرى في المنطقة.
وأضاف أن التجارب التاريخية في تطور السياحة العالمية تبرز أن الأزمات الجيوسياسية كثيرا ما تؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التدفقات السياحية الدولية. فعندما تتعرض بعض الوجهات التقليدية لاضطرابات سياسية أو أمنية، يبحث جزء من المسافرين عن وجهات بديلة توفر مستوى أعلى من الاستقرار والطمأنينة. وفي هذا السياق تشير تحليلات صادرة عن World Travel & Tourism Council (المجلس العالمي للسفر والسياحة) إلى أن الوجهات التي تحافظ على صورة قوية من حيث الاستقرار والأمن وتواصل استقبال السياح بشكل طبيعي خلال الأزمات الإقليمية قد تتمكن من جذب جزء من الطلب السياحي الذي كان موجها في الأصل نحو وجهات أخرى.
وأشار إلى أنه بالنسبة للمغرب، فإن إمكانية الاستفادة من هذه التحولات في التدفقات السياحية تعتمد على مجموعة من العوامل الهيكلية والاقتصادية. فالمملكة تمتلك شبكة متنامية من الروابط الجوية المباشرة مع عدد كبير من الأسواق السياحية المصدرة، خصوصا في أوروبا وأمريكا الشمالية وبعض دول الشرق الأوسط، كما أن موقعها الجغرافي القريب من أوروبا ينحها ميزة تنافسية مهمة من حيث مدة الرحلات وتكلفتها. إضافة إلى ذلك، فإن صورة المغرب كبلد يتمتع بالاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب سمعته كوجهة سياحية تقدم تجربة ثقافية وتاريخية غنية ومتنوعة، يمكن أن يعزز جاذبيته لدى المسافرين الذين يبحثون عن وجهات تجمع بين الأصالة والأمان في سياق إقليمي غير مستقر.
ولفت الانتباه إلى أن تحول هذه الإمكانية إلى مكسب فعلي في حركة السياحة الدولية يتطلب توافر عدد من الشروط الاقتصادية والعملية. من أبرزها الحفاظ على مستوى مرتفع من سهولة الوصول الجوي عبر توسيع شبكة الرحلات المباشرة مع الأسواق الرئيسية، وتعزيز اتفاقيات النقل الجوي، وضمان أسعار تنافسية للنقل والخدمات السياحية. كما أن تكثيف الحملات الترويجية الدولية الموجهة نحو الأسواق التي قد تتردد في السفر إلى بعض وجهات الشرق الأوسط يمثل عاملا مهما في تحويل نية السفر لدى السياح نحو المغرب، خاصة عندما تستند هذه الحملات إلى رسائل واضحة تبرز الاستقرار والأمن وجودة التجربة السياحية في المملكة.
وأوضح أنه بالإضافة إلى ذلك، يشكل تنظيم واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى عاملا مهما في تعزيز صورة الاستقرار والانفتاح على المستوى العالمي. فالأحداث الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية التي تستقطب آلاف المشاركين من مختلف دول العالم تعد مؤشرا قويا على أن البلد المضيف يتمتع ببيئة آمنة وبنية تنظيمية فعالة. وفي هذا السياق يمثل تنظيم حدث دولي كبير مثل GITEX Africa في مدينة مراكش مثالا واضحا على هذا النوع من الإشارات الإيجابية الموجهة إلى الأسواق الدولية، حيث يجمع هذا الحدث التكنولوجي العالمي آلاف المشاركين من شركات التكنولوجيا والمستثمرين والخبراء من عدة قارات.
وخلص إلى القول إن تأكيد تنظيم مثل هذا الحدث واستمراره في موعده الطبيعي في ظل سياق جيوسياسي متوتر في بعض مناطق الشرق الأوسط يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن المغرب يظل فضاء مستقرا ومنظما وقادرا على استضافة التظاهرات الدولية الكبرى. كما أن نجاح مثل هذه الفعاليات يعزز ثقة المستثمرين والمسافرين على حد سواء، ويؤكد أن المملكة تواصل أداء دورها كوجهة سياحية واقتصادية منفتحة وآمنة في محيط إقليمي يشهد أحيانا تقلبات سياسية وأمنية. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن السياق الجيوسياسي الحالي قد يخلق فرصا إضافية للمغرب في مجال السياحة، شريطة أن تتم إدارة هذه الفرص ضمن رؤية استراتيجية تجمع بين الاستقرار الداخلي، وتعزيز القدرة التنافسية للقطاع السياحي، وتكثيف التواصل الدولي مع الأسواق السياحية الرئيسية.