ترأس رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يوم الثلاثاء الأخير، وفد المغرب في باريس لحضور القمة الدولية الثانية حول الطاقة النووية، المنظمة بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتأتي هذه القمة في ظل سياق دولي يتسم بتنامي الطلب على الكهرباء وتسارع الجهود العالمية للحد من الانبعاثات الكربونية، إذ تهدف إلى ترسيخ نفسها كفضاء سياسي مرجعي لدعم تطوير الطاقة النووية للأغراض المدنية، بشكل يكمل عمل الهيئات التقنية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في هذا السياق، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع عبد الصمد ملاوي، الأستاذ الجامعي المتخصص في تكنولوجيا الطاقات المتجددة والأنظمة المدمجة، كشف خلاله أن هذه المشاركة تأتي لتعميق النقاش حول دور الطاقات النووية في المزيج الطاقي، سواء بالنسبة للمغرب فيما يخص الاحتياجات الذاتية، أو بالنسبة للاحتياجات الأوروبية.
ما الدلالات الاستراتيجية لمشاركة المغرب في القمة الدولية للطاقة النووية بباريس؟
مشاركة المغرب في هذه القمة تحمل عدة دلالات استراتيجية. تتمثل أولاها في كون هذه المشاركة ذات المستوى الرفيع ترسل رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الخيار النووي السلمي أو المدني لم يعد مجرد فكرة هامشية أو ترفا يطرح في الملتقيات، بل أصبح توجها استراتيجيا يتبناه المغرب، وتتبناه القيادة العليا في إطار الاستراتيجية الوطنية الطاقية، بما يجعل من الطاقة النووية مرحلة مهمة أو عنصرا أساسيا ضمن الاستراتيجية الطاقية المغربية المستقبلية.
ومن هنا يعلن المغرب جاهزيته وانفتاحه في مثل هذه الملتقيات ليس فقط للاستماع بل لتقديم نفسه كشريك جاهز من خلال استعراض تجربته في مجال استخراج اليورانيوم من الفوسفاط، واستخدام الطاقة النووية في تحلية المياه والهيدروجين الأخضر، وغير ذلك من التطبيقات المهمة التي يمكن للطاقة النووية أن تساهم بها في المجال الاقتصادي والتنموي.
والمغرب يمتلك رؤية متكاملة ويسعى لعرض خبرته الواعدة، إذ أنه يريد الانتقال من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التنفيذ والمساهمة الفعلية بإدماج الطاقة النووية كعنصر من عناصر توليد الكهرباء والطاقة الغير ملوثة، صحيح أن مجموعة من العلماء والخبراء لا يصنفون الطاقة النووية ضمن الطاقة النظيفة أو الطاقة المتجددة إلا أنها تبقى أقل تلوثا مقارنة بالمصادر الأحفورية الأخرى كالفحم الحجري أو النفط أو الغاز الطبيعي.
ومن هنا تأتي هذه الرؤية المغربية لتعكس استراتيجية واضحة لتنويع مصادر التعاون التقني والعلمي، من أجل إدماج هذا العنصر ضمن مكونات الطاقة المستقبلية للمغرب. أعتقد أن المغرب سيستغل هذا الملتقى لتعزيز مكانته الإقليمية والدولية، وجلب عدد من الشركاء الآخرين للاستفادة من خبراتهم والاستثمار في مجال الطاقة النووية السلمية أو المدنية، خصوصا في إنتاج الكهرباء.
كيف يمكن أن تؤثر هذه المشاركة على علاقات المغرب بالدول الأوروبية والمؤسسات الدولية في مجال الطاقة؟
يمكن أن تكون لهذه المشاركة تأثيرات إيجابية جدا، من شأنها أن تعزز العلاقات على عدة مستويات مع مجموعة من الدول، ولعل من أبرزها فرنسا، وكذلك باقي الدول الأوروبية، خصوصا أن هناك تعاونا وثيقا قائما مسبقا بين المغرب والدول الأوروبية في عدة مجالات طاقية، إضافة إلى مجال الطاقة النووية.
لذا يمكن لهذه القمة أن تعمق الشراكة التاريخية خصوصا مع فرنسا باعتبارها شريكا استراتيجيا للمغرب في المجال النووي المدني وذلك منذ عقود، هذه المشاركة ستتيح للمغرب ولفرنسا ولمجموعة من الدول المشاركة الفرصة لدفع مجموعة من الشراكات في مجال الطاقة النووية أو الطاقة الذرية السلمية نحو آفاق جديدة من التعاون سواء التعاون العلمي الأكاديمي أو كذلك الاقتصادي والاستثماري.
ويمكن لهذه الدول أن تقدم وتساهم بالدراسات الهندسية، أو في بناء القدرات لبعض المنشآت النووية المنتجة للكهرباء، وكذلك في ما يخص التدريب ونقل الخبرات. فهذه الدول التي تملك الخبرة في الطاقة النووية يمكن أن تفيد المغرب بشكل كبير في تطوير هذه التجربة المستقبلية.
وهذا يبين وجود توافق في الرؤى، خصوصا بين فرنسا والمغرب، إذ إن حضور المغرب في القمة التي شارك فيها الرئيس ماكرون يعكس تقارب الرؤى حول أهمية الطاقة النووية كحل لتحقيق الحياد الكربوني. خاصة أن هذا الأخير من بين التزامات وطموحات كل من الاتحاد الأوروبي والمغرب، حيث تعهد المغرب بتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة في أفق 2035 بحوالي 53%، بعد أن كانت النسبة المستهدفة سابقا حوالي 45.5 بالمائة في أفق 2027، في حين أن الاتحاد الأوروبي لديه تقريبا نفس الطموحات لتخفيض الانبعاثات إلى نحو 50 بالمائة بعد سنة 2030.
وبالتالي، تأتي هذه المشاركة لتعزيز هذا التقارب، ولتعميق النقاش حول دور الطاقات النووية في المزيج الطاقي، سواء بالنسبة للمغرب فيما يخص الاحتياجات الذاتية، أو بالنسبة للاحتياجات الأوروبية. فبعد استغلال الإنتاج المغربي من الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، يمكن للدول الأوروبية الاستفادة منه عبر الربط الكهربائي القائم بين المغرب والدول الأوروبية، من خلال الكابلين اللذين يربطان المغرب بإسبانيا.
هناك دراسات تؤكد إمكانية إنشاء ربط ثالث مع إسبانيا، ورابع مع البرتغال، بالإضافة إلى ربط بحري مع مرسيليا في فرنسا، وكذلك إمكانية ربط مستقبلي مع ألمانيا، لنقل الكهرباء الخضراء من المغرب.
ما هو الدور الممكن للطاقة النووية في دعم أهداف المغرب في الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة؟
الطاقة النووية تلعب دورا محوريا ومتكاملا كمصدر جديد من مصادر الطاقة غير الملوثة إن لم نقل مصادر الطاقة المتجددة، هناك مجموعة من العلماء لا يصنفونها ضمن الطاقة المتجددة ولكنها تعتبر من بين المصادر الأقل تلوثا خصوصا في ميدان انبعات الغازات الدفيئة، وبالتالي يمكن لهذا المصدر الجديد أن يساهم في تحقيق الطموحات المغربية فيما يخص الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة لكون الطاقة النووية تعتبر آمنة ومستقرة بالنسبة للشبكة الكهربائية المغربية لأن هذا هو حجر الزاوية بالنسبة للطاقة المتجددة.
الطاقة المولدة عن طريق الشمس أو الرياح توفر طاقة غير ثابتة وغير مستقرة، وأحيانا غير مضمونة، لأنها مرتبطة بالتقلبات المناخية، مثل سرعة الرياح بالنسبة للطاقة الريحية، أو مدى الإشعاع الشمسي في حال وجود الغيوم أو الأمطار. لذا، لا يمكن الاعتماد مائة بالمائة على هذه المصادر المتجددة، على عكس الطاقة النووية، التي يمكن للمغرب من خلالها الاعتماد على أرقام ثابتة لتغطية بعض الصناعات أو الاحتياجات ذات الأولوية، بما يجعل الطاقة موثوقة.
انخرط المغرب، مؤخرا، في مشروع كبير لإنتاج الهيدروجين الأخضر وهو مشروع استراتيجي طموح وتعول عليه مجموعة من الدول الأوروبية وهذا يحتاج إلى طاقة ثابتة وإلى طاقة خضراء، وبالتالي يمكن للطاقة النووية أن تلعب هذا الدور في إنتاج الكهرباء من أجل توليد الهيدروجين الأخضر لكي يبلغ سواء الاتحاد الأوروبي أو الدول الشريكة للمغرب أو المغرب.
بالنسبة للأرقام التي رسموها في ما يخص تزويد السوق العالمية بالهيدروجين الأخضر، حيث يراهن المغرب على أن تبلغ مساهمته في إنتاج الهيدروجين الأخضر عالميا ما بين 4 إلى 10 بالمائة، فإن لا يمكن أن يتم إلا بوجود كهرباء خضراء، وهذه الأخيرة لا يمكن أن تعول على المصادر الكلاسيكية بل يمكن تعزيزها بمصادر أخرى مثل الطاقة النووية لتوليد الكهرباء.
وكما هو معلوم، فالمغرب انخرط في مشروع آخر والمتعلق بتحلية مياه البحر، نظرا للإكراهات البيئية والمائية التي واجهتها المملكة سابقا، وما قد تواجهه مستقبلا، بالإضافة إلى أن بعض الدول قد تكون بحاجة مماثلة لهذه التجربة المغربية وهذه التقنية الجديدة لتحلية مياه البحر.
وكما نعلم، فإن تكلفة الطاقة الكهربائية كانت سابقا عائقا أمام تنفيذ هذه التجربة، إلا أنه بعد انخراط المغرب في مشاريع الطاقات المتجددة، أصبح بإمكانه إنتاج كهرباء خضراء خفضت من التكلفة. ويمكن أن تكون الطاقة النووية مدخلا جديًا لتعزيز استراتيجية تحلية مياه البحر من خلال توليد الكهرباء من المصادر النووية خصوصا أن المغرب يتوفر على مادة مهمة وهي الفوسفاط، فهذا الأخير غني باليورانيوم ويمكن استخراج هذه المادة من الفوسفاط المغربي ليمكن تعزيز إنتاج الكهرباء عن طريق هذه المصادر النووية السلمية وعن طريق الوقود النووي دون رفع التكلفة لهذه المفعلات الكهربائية، وكل هذا يمكنه أن يعزز الأمن الطاقي الوطني ويمكنه أن يدعم التنمية البشرية والقطاعات الحيوية التي انخرط فيها المغرب والتي كذلك له شركاء أوروبيين في هذه المجالات.
وبالتالي، لا يمكن للطاقة النووية إلا أن تشكل حافزا جديدا ومعززا وعنصرا إضافيا يواكب هذه الطموحات والاستراتيجيات. فالكهرباء المولدة من التكنولوجيا النووية ليست الهدف الوحيد، بل هناك تطبيقات نووية أخرى في مجالات الطب والعلاج، وكذلك التصوير الإشعاعي، وعدد من الصناعات مثل التعقيم والفحص عبر التقنية النووية. كما يمكن إدماجها في الزراعة لتحسين الإنتاجية ومكافحة الآفات، وغيرها من التطبيقات التي يمكن للطاقة النووية السلمية أن تعزز بها الاستراتيجيات التنموية التي انخرط فيها المغرب.