حوار.. سنة واعدة لسهل دكالة.. هل تكفي الأمطار لكسر سنوات الجفاف؟

خديجة قدوري

بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، عاد سهل دكالة ليشهد موسما فلاحيا واعدا بفضل التساقطات المطرية المهمة والمنتظمة منذ نونبر الماضي. الفلاحون والمهتمون بالقطاع يشيرون إلى أن المؤشرات الأولية تعكس دينامية إيجابية قوية للموسم، إذ ساهمت الأمطار في تعزيز الموارد المائية وتحسين مستويات الفرشة المائية بالإقليم.

وفي هذا الصدد، أجرى موقع "تيلكيل عربي" حوارا مع الخبير الدولي في الموارد المائية محمد بازة، أكد خلاله أن التساقطات المطرية المهمة والمنتظمة أعادت دينامية فلاحية استثنائية إلى سهل دكالة، وأسهمت في تحسين المخزون المائي بالإقليم، وهو ما ينعكس إيجابا على الفلاحة، الإنتاج الحيواني، المحاصيل الاستراتيجية، ومستوى السدود، مؤكدا في الوقت نفسه على أهمية إدارة الموارد المائية بشكل عقلاني لضمان استدامتها على المدى الطويل.

كيف يمكن قراءة تأثير التساقطات المطرية المسجلة هذا الموسم بإقليم الجديدة على مستوى الموارد المائية، خصوصا فيما يتعلق بتغذية الفرشة المائية وضمان استدامة التزود بالمياه للقطاع الفلاحي؟

التساقطات المطرية التي عرفتها المنطقة بصفة خاصة، وحوض أم الربيع بصفة عامة، كانت مهمة من ثلاث نواح؛ أولا من حيث الكم، إذ كانت فوق المعدل، كما أن توقيتها كان مناسبا باستثناء تأخر طفيف في البداية.

 أما النقطة الثانية فتتجلى في كون هذه التساقطات توزعت بشكل متفرق منذ شهر نونبر إلى حدود الآن، فيما تجلت النقطة الثالثة في شمولية التغطية على صعيد المنطقة المعنية، خاصة دكالة، وكذا على مستوى حوض أم الربيع بصفة عامة.

فهذه العوامل الثلاثة كان لها تأثير إيجابي كبير، أولا على الفلاحة البورية، حيث إن هذه الأخيرة لها تأثير أكبر على الدخل الفلاحي مقارنة بالزراعة المروية، إذ تمثل حوالي 55 إلى 60 بالمائة. وبالنسبة لمنطقة دكالة، فبالتأكيد لها تأثيرات إيجابية كبيرة على الفلاحة البعلية، وعلى إنتاج الحبوب، وكذا إنتاج المراعي والأعشاب الموجهة لتغذية الحيوانات، باعتبار أن المنطقة تشتهر بالإنتاج الحيواني، خاصة الأبقار.

كان هناك تأثير في إعادة ملء السدود، خاصة أن ثاني أكبر سد في المغرب، الذي تروى منه منطقة دكالة، وهو "سد المسيرة"، كان قد وصل إلى 0 في المائة خلال السنوات الفارطة، قبل أن يبلغ اليوم حوالي 32 إلى 33 في المائة. وإذا افترضنا أنه كان في حدود 0 في المائة قبل سنتين، فإن هذه الكمية تعد مهمة جدا، إذ يتوفر حاليا على أكثر من 860 مليون متر مكعب، ورغم أنها تبقى أقل مقارنة بالمستوى العام على الصعيد الوطني، فإنها تظل نسبة مهمة بالنظر إلى ما عرفه من تراجع خلال سنوات الجفاف.

تجدر الإشارة إلى أن حوض أم الربيع كان من أول الأحواض التي تأثرت بالتغيرات المناخية مقارنة بباقي المناطق، إذ إنه في غضون سنة 2007 كان تراجع كميات التساقطات المطرية على مستواه قد بلغ إلى مابين 23 و30 في المائة بالمقارنة مع الماضي  . كما أن الواردات المائية آنذاك، حسب تقديرات وكالة الحوض المائي،  كانت قد انخفضت بدورها بحوالي 30 في المائة، ما يعني أن تأثير هذه التغيرات بدأ مبكرا، حتى قبل فترات الجفاف التي عرفناها لاحقا، حيث بدأ منسوب المياه في التراجع بشكل ملحوظ.

يعني أن حوض أم الربيع تأثر بسببين رئيسيين؛ أولهما تأثير التغيرات المناخية التي بدأت تعرفها المنطقة منذ بداية الألفية بل وحتى قبلها، حيث تراجعت الموارد المائية على مستوى الحوض بحوالي 30 في المائة، وثانيهما ارتفاع الطلب على الماء داخل الحوض، خاصة بعد بناء سد الحنصالي في أواخر التسعينيات، الذي دخل حيز الاشتغال ما بين 2003 و2004، وكان لذلك أثر في تقليص كميات المياه التي كانت تصل إلى أم الربيع. كما أن هذه الأمطار والثلوج كان لها تأثير أيضا في إعادة تغذية المياه الجوفية.

خلال السنوات الماضية، لم يكن الحوض السقوي لدكالة يتوصل بأي قطرة من المياه السطحية أو مياه السدود، ما جعله يعتمد بشكل كامل على المياه الجوفية، التي كانت كميتها أصلا محدودة، قبل أن يتم استنزاف جل الموارد المتوفرة منها. ولهذا، فحتى وإن كانت السنة الحالية قد عرفت تساقطات مهمة، فإن إعادة تغذية هذه الفرشات ستظل محدودة، ومن الصعب أن تعود المياه الجوفية إلى مستواها المتوسط في المدى القريب، لأن ذلك يتطلب عدة سنوات من التساقطات المنتظمة.

إلى أي حد يمكن أن ينعكس تحسن الموارد المائية خلال هذا الموسم على مردودية الزراعات بسهل دكالة، وما هي الزراعات الأكثر استفادة من هذه الظروف المناخية؟

يجب أن نذكر أنه فيما يخص سهل دكالة، فهو من أخصب وأشهر السهول في المغرب، وينتج الكثير من الخيرات، ويشتهر بشكل خاص بالخضر بجميع أنواعها. ومنذ بداية السقي في حوض دكالة، أصبح معروفا أن هذه المنطقة تزود المدن الكبرى مثل الدار البيضاء ونواحيها والرباط، إضافة إلى باقي المناطق المجاورة وحتى النائية، بالخضر الطازجة. وفيما يخص الشمندر السكري، فقد احتضنت منطقة دكالة معملين لإنتاج السكر.

البحث الذي أنجزته خلال الفترة من 1989 إلى 1998 كان مع شركة كوزيمار، وكان يركز على سقي الشمندر، وأسفر عن نتائج مهمة. أما الآن، فقد أصبح هناك معمل واحد لإنتاج السكر فقط، بسبب تقلص كميات المياه المتوفرة للري، مما أدى إلى نقص المساحة المستعملة لإنتاج الشمندر، إلا أن هذه الزراعة لا تزال تحظى بأهمية كبيرة.

الشيء الثاني المعروفة به المنطقة هو الأبقار والحليب، حيث تشتهر دكالة بإنتاج كميات كبيرة من الحليب وتربية الأبقار الموجهة لإنتاج اللحوم. كما تنتج المنطقة مختلف أنواع الحبوب، مثل القمح والذرة والقطاني، بالإضافة إلى الأعلاف، فضلا عن العنب وغيره من المنتجات الزراعية المتنوعة.

رغم المؤشرات الإيجابية الحالية، ما أبرز التحديات المرتبطة بتدبير الموارد المائية بالإقليم في ظل التقلبات المناخية وتوالي سنوات الجفاف خلال الفترة الماضية؟

أولا، يجدر بنا أن نستخلص الدروس من ما وقع خلال السنوات الماضية. نتمنى ألا تعود سنوات الجفاف، لكن يجب أن نكون واقعيين، وبما أن التغيرات المناخية لا تزال قائمة، فإن احتمال عودة الجفاف أمر وارد. نأمل ألا يحدث ذلك في القريب العاجل، حتى تتمكن المنطقة من استعادة قوتها، وتعزيز قدرتها على الصمود (résilience)، والخروج من الهشاشة التي تسببت فيها سنوات الجفاف الست أو السبع الماضية.

يجب أن نكون على دراية بأن وضع هذه السنة غير مستدام، ولذلك يجب التأهب لجميع الاحتمالات. فعندما نتجهز بشكل جيد، إذا جاءت الأمور بشكل إيجابي، فلن يكون هناك أي مشكل، أما إذا حدث العكس فسنكون مستعدين أيضا.

ولهذا، من الضروري التفكير في تدبير الموارد المائية المتاحة بعقلانية، خاصة أن السد، الذي تعتمد عليه المنطقة، يستعمل لأغراض متعددة، إذ يزود بالماء الشروب الدار البيضاء وشرقها وجنوبها، وصولا إلى آسفي وحتى حدود مراكش. لذلك، يجب إدارة المياه الجوفية وما هو متوفر منها بحكمة لضمان توازن بين العرض والطلب. وأهم شيء هو تقليل الطلب على الموارد المائية، فكلما تم الحد من استهلاك الماء بشكل فعال، كان ذلك خطوة نحو الاستدامة، وضمان الأمن المائي والغذائي في الوقت نفسه.

تلعب المياه الجوفية دورا مهما في منطقة دكالة، إذ تسد الخصاص خلال سنوات الجفاف، كما حدث في السنوات الماضية، حيث إن كل ما تم إنتاجه كان بفضل هذه المياه، حتى وإن لم تكن كافية بالكامل. فقد كان بالإمكان إنتاج بعض كميات الشمندر السكري، وإلى حد ما  حيوانات وأعلاف. لذا يجب الأخذ بعين الاعتبار أن تحقيق الاستدامة لا يمكن أن يكون إلا من خلال إدارة المياه الجوفية بعقلانية.