الدبلوماسية المغربية.. نفوذ يُبنى ولا يُفرض

تيل كيل عربي

بقلم: نور محمد رضا

لا تُقاس قوة الدول بما تملكه، بل بمدى قدرتها على جعل الآخرين في حاجةٍ مستمرة إليها.

من هذا المنطلق، تُفهم السياسة الخارجية المغربية في عهد الملك محمد السادس، لا بوصفها تراكماً لقرارات متفرقة، بل كاستراتيجية متماسكة تروم إعادة تشكيل البيئة بدل الاكتفاء بالتكيّف معها.

وتعزيزاً لهذا التصور، يخلص تقرير المركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة، الذي أعدّه الباحث نور محمد رضا، إلى نتيجة مباشرة مفادها أن المغرب لا ينخرط في منطق البحث عن حلفاء بالمعنى التقليدي، بل يعمل على تشكيل بيئة تصبح فيها العلاقة معه ضرورة موضوعية لا خياراً سياسياً.

تتضح الصورة بجلاء عند إعادة تركيب الوقائع ضمن نسق واحد: تمركز صناعي أوروبي في محيط طنجة، امتداد مصرفي مغربي في العمق الإفريقي، وبرامج لتأهيل الأطر الدينية تُشرف عليها الرباط لفائدة عدد من الدول. هذه الديناميات لا تُفسَّر بوصفها تراكماً عرضياً، بل تعكس نسقاً منسقاً يُفضي إلى تشابك وظيفي متعدد المستويات. وفي هذا الإطار، لا تغدو القطيعة قراراً سيادياً بسيطاً، بل مخاطرة استراتيجية مركّبة تُقدَّر تبعاتها بدقة عالية.

هنا يعاد تعريف مفهوم النفوذ الذي لم يعد يرتكز على الضغط المباشر، بل على هندسة بيئة تجعل كلفة الانفصال تفوق جدوى الاستمرار. ويُوصَف هذا النمط بـ"التحوط المؤسسي"، أي تحويل العلاقات إلى ترابطات هيكلية تُقيد خيارات الفاعلين وتُعيد ضبط حساباتهم.

تعتمد هذه المقاربة على ثلاث أدوات مترابطة: اقتصاد يُوظَّف كأداة تأثير استراتيجي لا كمحرّك نمو فحسب؛ وقانون دولي يُستثمر كساحة للفعل وإعادة التموضع، لا كإطار معياري جامد؛ وتموضع مرن يتيح إدارة العلاقات مع قوى متنافسة دون الانخراط في اصطفافات تُقيّد حرية القرار.

وفي صلب هذا البناء، تظل قضية الصحراء المحدِّد المركزي. فهي لا تُختزل في ملف دبلوماسي، بل تشكّل محوراً يعيد ترتيب الأولويات ويضبط اتجاه الحركة. وعلى هذا الأساس، لم يعد مقترح الحكم الذاتي مجرد طرح نظري، بل إطاراً عملياً يترسخ تدريجياً في النقاشات الدولية.

التمييز الجوهري لا يكمن في الأهداف، بل في أنماط تحقيقها: ثوابت مستقرة تُدار بأدوات أكثر تركيباً، وموقع جيوسياسي واحد يُعاد استثماره بمنطق مختلف. وفي هذا السياق، يستند هذا التحول إلى قيادة مركزية نجحت في تحويل القيود البنيوية إلى موارد، والهامش الجيوسياسي إلى نفوذ تراكمي. وهو تحول لا تفسّره الأدوات بحد ذاتها، بل الرؤية الاستراتيجية التي تؤطر توظيفها.

وفي بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس وتآكل اليقين، لم يعد معيار القوة محصوراً في امتلاك الموارد، بل في القدرة على ترسيخ موقع لا يمكن تجاوزه ضمن شبكات الاعتماد المتبادل. ومن ثم، تتجلى الدبلوماسية في عهد محمد السادس كنمط من النفوذ الهادئ، يتراكم داخل بنية العلاقات دون حاجة إلى مظاهر استعراضية.

غير أن هذا النموذج يواجه معضلة مركزية: كيف يمكن صون نفوذ قائم على تشابك الاعتمادات دون الانزلاق إلى وضع تُقيد فيه هذه الترابطات هامش القرار؟

منشورات CMEADD، فاس، 2026