لم يعد اكتشاف نفق ثانٍ لتهريب المخدرات بمنطقة تراخال في سبتة المحتلة مجرد واقعة أمنية معزولة، بل مؤشر واضح على تحول نوعي في أساليب شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات، التي باتت تستثمر في بنى تحتية معقدة لتجاوز تشديد المراقبة الحدودية.
من “ممر سري” إلى بنية تحتية احترافية
الاكتشاف الجديد، الذي يأتي بعد نحو عام فقط من تفكيك أول نفق في فبراير 2025 ضمن عملية “هاديس”، يبرز أن شبكات التهريب لم تتراجع، بل طورت أدواتها. فالمعطيات الأولية تشير إلى أن النفق الثاني أكثر تطورا، مزود بأنظمة لرفع وخفض الشحنات، ما يسمح بتمرير كميات من المخدرات دون الحاجة إلى تنقل الأشخاص داخله.
هذا التطور يعكس انتقال هذه الشبكات من حلول بدائية إلى “هندسة تحت أرضية” متقدمة، قادرة على تأمين تدفق مستمر للمخدرات، خصوصا الحشيش، من شمال المغرب نحو سبتة المحتلة، ومنها إلى العمق الأوروبي.
سبتة.. نقطة عبور أم مركز لوجستي؟
تؤكد تكرار هذه الاكتشافات أن سبتة لم تعد فقط نقطة عبور ظرفية، بل تحولت، في بعض الحالات، إلى حلقة لوجستية ضمن شبكات تهريب منظمة. فوجود أنفاق متقاربة جغرافياً، وربما مرتبطة بنفس المسارات داخل التراب المغربي، يطرح فرضية وجود “ممرات ثابتة” تم استغلالها لفترة طويلة قبل كشفها.
كما أن اعتماد هذه الشبكات على أنفاق سرية، بدل الوسائل التقليدية كالقوارب أو المركبات المعدلة، يعكس رغبة في تقليص المخاطر المرتبطة بالمراقبة البحرية والبرية، خاصة بعد تشديد الإجراءات الأمنية في مضيق جبل طارق.
تحديات أمنية مشتركة
طلب الشرطة الإسبانية التعاون مع المغرب لتحديد امتداد النفق يعكس الطبيعة العابرة للحدود لهذه الشبكات، ويؤكد أن التعامل معها يفرض تنسيقا أمنيا وقضائيا وثيقا بين الجانبين.
غير أن بطء بعض مساطر التعاون، كما تشير تقارير إسبانية، يطرح تحديات إضافية أمام تفكيك هذه الشبكات بشكل كامل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحديد نقاط الخروج داخل التراب المغربي أو تعقب الامتدادات المحلية لهذه الأنفاق.
اقتصاد الظل وتغذية الشبكات
تظهر المعطيات المرتبطة بهذه القضايا أن تهريب الحشيش لا يزال يمثل نشاطا مربحا لشبكات منظمة، قادرة على تمويل مشاريع معقدة كحفر أنفاق وتجهيزها تقنيا. وهو ما يطرح تساؤلات أوسع حول حجم “اقتصاد الظل” المرتبط بهذه الأنشطة، وقدرته على التكيف مع الضغوط الأمنية.
هل نحن أمام “مرحلة الأنفاق”؟
تكشف الوقائع الأخيرة أن شبكات التهريب دخلت مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”مرحلة الأنفاق”، حيث لم يعد الاعتماد على المسارات التقليدية كافيا. ومع تزايد الضبطيات وتشديد الرقابة، يبدو أن هذه الشبكات تتجه نحو حلول أكثر سرية وتعقيداً.
لكن في المقابل، فإن اكتشاف نفقين في ظرف زمني قصير قد يشير أيضاً إلى ارتفاع فعالية الأجهزة الأمنية في رصد هذه الأساليب الجديدة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من “سباق التكيف” بين شبكات التهريب وأجهزة إنفاذ القانون.
ما الذي تكشفه هذه القضية؟
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بنفق أو اثنين، بل بشبكة معقدة من المصالح والمسارات العابرة للحدود، حيث يتقاطع الجغرافي بالأمني والاقتصادي. كما يعكس هذا الملف استمرار الضغط على الواجهة الشمالية للمغرب، باعتبارها إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا في تجارة الحشيش.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الجارية، يبقى المؤكد أن هذه الأنفاق لم تعد مجرد استثناء، بل أصبحت جزءا من معادلة جديدة في خريطة التهريب الدولي، تفرض مقاربات أمنية أكثر تطورا وتنسيقا على مستوى الضفتين.