تطلق "تيلكيل" سلسلة من الحوارات مع قادة الأحزاب السياسية. الضيف الأول: محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي دعا إلى قطيعة واضحة مع حكومة أخنوش، ودافع عن فكرة أن بالبديل التقدمي ممكن، شريطة أن يقبل المواطنون على صناديق الاقتراع.
لا تتوقفون عن انتقاد حكومة أخنوش. ما البديل الذي تقترحونه؟
على مدى أكثر من أربع سنوات، منحنا هذه الحكومة ما يسمى بفسحة الشك. منذ البداية، كنا قد اعتبرنا أن توجهاتها تتعارض مع مبادئنا وأنه لا يمكننا المشاركة فيها. الآن، يحق لنا أن نطرح السؤال، أو الأسئلة: أين ذهبت مئات الآلاف من مناصب الشغل سنويا؟ وماذا عن محاربة الفقر؟ طوال ولايتها، لم تقم هذه الحكومة سوى بصرف إعانات لمهنيي النقل، ويمكن تخمين من يستفيد منها في المقام الأول. ماذا نفعل بتقارير مجلس المنافسة، وبفرض الضرائب على شركات المحروقات الكبرى؟ هذه الحكومة لم تحترم التزاماتها، وثانيا، أثبتت أنها غارقة في علاقات مشبوهة مع أوساط مالية واقتصادية.
ماذا تقترحون إذن؟
نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامجنا الانتخابي، الذي سيكون جاهزا خلال الأيام المقبلة. إنه برنامج مفصل، مرقم، ويشمل جميع القطاعات، مع التزامات من شأنها أن تفضي إلى قطيعة حقيقية. هذه القطيعة تعني تدبير الشأن العام بروح ديمقراطية تحافظ في الوقت نفسه على الحرية والدور المركزي للمؤسسات على جميع المستويات.
كما أننا ندعو إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وإلى تهدئة عامة. ويجب تصحيح أخطاء هذه الحكومة، خاصة في تنظيم قطاع الصحافة. بشكل عام، نريد إرساء احترام القوانين ووضع حد للإفلات من العقاب. لقد حان الوقت لمواجهة اقتصاد الريع. كما يجب إعادة الاعتبار للخدمة العمومية بشكل فعلي.
لسنا ضد القطاع الخاص، لكننا نعتبر أن المدرسة والجامعة العموميتين يجب أن تكونا في صلب كل إصلاح. وينطبق الأمر نفسه على قطاع الصحة؛ يجب أن نتوقف عن خداع أنفسنا. اليوم، أكثر من 8 ملايين من مواطنينا لا يتوفرون على أي نوع من التغطية الصحية. في المقابل، حوالي 90 بالمائة من نفقات العلاج تذهب إلى خزائن المصحات الخاصة. فكيف يمكن بعد ذلك الاستمرار في الحديث عن بقاء المستشفى العمومي؟
عندما أتحدث عن القطيعة، فأنا أشير أيضا إلى طريقة جديدة ومختلفة في التعامل مع الاستثمارات العمومية، تضمن الشفافية ومحاربة جميع أشكال الريع. يجب تنقية مناخ الأعمال العام لإعادة الثقة للناس للقدرة على خلق فرص الشغل. كما ينبغي إعادة توجيه اقتصادنا نحو تصنيع حقيقي، وعدم الاعتماد على فلاحة يستفيد منها أساسا عدد محدود من المصدرين. اليوم، الطبقة المتوسطة تتعرض لتآكل كامل.
كيف؟
مثال بسيط جدا؛ تواصل هذه الحكومة صرف مساعدات لمهنيي النقل رغم أن هذا النموذج أظهر قصوره. بالنظر إلى الظرفية الحالية، يجب أن نطرح السؤال: هل نحن في وضع أفضل من دول أخرى مثل فرنسا وإسبانيا التي قررت تسقيف أسعار المحروقات أو التي قررت التدخل على مستوى الضريبة الداخلية على الاستهلاك؟ هذه الدول أوضحت للفاعلين في هذا القطاع أنه لم يعد من الممكن الاستفادة من هشاشة الوضع الاقتصادي للمواطنين لمواصلة الاغتناء.
رسالتي ورسالة حزبي واضحة جدا: "توقفوا عن استغلال الأزمات من أجل الاغتناء أكثر". وأتحدى أي شخص أن يخبرني بأي دعم تم تقديمه للمقاولات الصغيرة والمتوسطة في البلد لكي تخرج من أزمتها. الآلاف من هذه المقاولات على حافة الإفلاس، مع ما يترتب عن ذلك من فقدان مناصب الشغل، وأسر في ضائقة، ومآسٍ اجتماعية… وبالعودة إلى ما يخصني أنا وحزبي، ألتزم بتعميم حقيقي للتغطية الاجتماعية ابتداء من السنة الأولى.
مع من ستحكمون، وفي أي تحالف؟
من حيث المبدأ، أقول إنه ما دمنا قادرين على أن نكون حزبا قويا، فسنكون قادرين على فرض توجهاتنا. صحيح أنه في المغرب لا يمكن لأي حزب أن يحصل على أغلبية قوية للحكم. لكننا نعول على صحوة اليسار والفئات الاجتماعية التي تضررت أكثر من السياسات اللاإجتماعية للحكومة الحالية. هذه الفئات هي التي يجب أن تعبّر في الوقت المناسب.
كما كنا دائما نرغب في توحيد مكونات اليسار، بمختلف تعبيراته الاجتماعية والنقابية والجمعوية، من أجل خلق المفاجأة ومنحنا إمكانية تغيير المعادلة. للأسف، قمنا ببعض المحاولات، لكنها لم تكلل بالنجاح.
يستحيل الحديث عن اليسار دون الإشارة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ما هو مشكلكم مع هذا الحزب، وبالضبط مع إدريس لشكر؟
أشدد دائما داخل المكتب السياسي على أن الأهم ليس الأشخاص بل كيفية إيجاد أرضية مشتركة للعمل معا من أجل مصلحة البلد والمغاربة. حاولنا مع الاتحاد الاشتراكي تجاوز بعض العقبات وبعض الاختلافات في الرأي على مستويات متعددة. وفي النهاية توصلنا إلى إعداد مشروع ميثاق مشترك كان من المفروض تقديمه للرأي العام، لكن ذلك لم يتحقق.
من يتحمل المسؤولية؟
الاتحاد الاشتراكي. ما زلت أحتفظ في منزلي بهذا المشروع من الميثاق، وهو وثيقة لم يقبل الاتحاديون أبدا الكشف عنها.
وماذا عن باقي مكونات اليسار المغربي؟
لقد بادرنا بخطوات في هذا الاتجاه منذ أكثر من ستة أشهر، لكن ذلك لم يسفر عن أي نتائج ملموسة. كنا نود أن نعمل يدا في يد من أجل أن يكون لنا وزن أكبر في المشهد السياسي الوطني، لكن ذلك لا يكفي. ما نحتاج إليه أيضا هو تصويت مكثف من طرف جميع الفئات المهمشة، بما في ذلك شباب جيل زد، للمساهمة في تغيير المعادلة ومنح نفس جديد لمشهدنا السياسي.
للأسف، بعض مكونات اليسار مقتنعة بأنها لن تتمكن من الوصول إلى الحكومة إلا مقابل إصلاح دستوري. وهو موقف إيديولوجي أحترمه. ومع ذلك، لا أفقد الأمل، وسأواصل العمل من أجل أن نجد، جميعا، أرضية مشتركة خلال السنوات المقبلة. وفي نهاية المطاف، وبالنظر إلى علاقاتنا مع عدة قوى سياسية، سنحسم بعد الانتخابات: المشاركة في الحكومة أو البقاء في المعارضة.
هل ستترشحون للانتخابات؟
أعتقد أنني لن أترشح. هذا ليس إشكالا شخصيا بالنسبة إلي. أنا أحاول حاليا أن أؤدي مهامي كأمين عام للحزب على أفضل وجه، وأقول إنه بعد ذلك سأغادر. سأكرس كل جهودي لقيادة الحملة الانتخابية لحزبي من خلال التنقل بين مختلف الدوائر الانتخابية في البلاد. ومرة أخرى، يبقى همي الأساسي هو إقناع الناخبين، من مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة الشباب، بالتصويت لحزبي. سنعمل رفقة باقي الرفاق، نساء ورجالا، على أن تفرض تشكيلتنا نفسها في المدن الكبرى. كما سنبرز شخصيات تحظى بالتعاطف مع حزب التقدم والاشتراكية، من بينهم بعض الفنانين.
فنانون أم مؤثرون؟
لم أتحدث عن المؤثرين! لدينا 92 دائرة انتخابية، وفي كل واحدة منها توجد انتظارات، بل وحتى مساءلة مطلوبة. نحن نبحث عن حضور فعلي للنساء والشباب، وعن منتخبين نزهاء، وليس عن مرشحين فاسدين مدينين بمقاعدهم لشراء الأصوات. ومن أجل إعادة الثقة للمواطنين الذين أصيبوا بالنفور من السياسة، سنحاول أن نظهر لهم أننا هنا من أجل القطيعة مع ما كان سائدا دائما: الفساد، تضارب المصالح، وأبطال القطاع غير المهيكل… نحن نلتزم بتقديم مرشحين قادرين على إعادة الاعتبار للعمل السياسي.
ولا ينبغي أن ننسى، وهذا جزء من مهمتكم كصحافيين في التذكير به، أن 20 مليون مغربي لا يصوتون (18 مليونا سنة 2016، وحوالي 17 مليونا في 2021 في الواقع)، وأن 10 ملايين غير مسجلين في اللوائح الانتخابية. هؤلاء المواطنون هم من ننتظر منهم صحوة. الناس لم تعد تثق لأن السياسة تم تحريفها. المواطنون ينظرون نظرة قاسية إلى الأحزاب السياسية، وهناك فقدان للثقة في العمل الحكومي. هذا يشكل ضربة قاضية لديمقراطية البلد، خاصة وأننا نستعد لتنزيل مخطط الحكم الذاتي للصحراء. ماذا سيحدث آنذاك؟
في أي اتجاه؟ وضحوا أكثر.
أقصد أنه إذا لم تكن لدينا أحزاب سياسية قادرة على التعبئة والتأطير، فإننا سنواجه صعوبات كبيرة. أتحدث طبعا عن تأطير مواطناتنا ومواطنينا الذين سيتمكنون من مغادرة مخيمات تندوف للعودة إلى وطنهم. اليوم، المجتمع الدولي، في أغلبيته الساحقة، غير موقفه. وحتى الذين لا يدعمون بشكل واضح ومباشر ونهائي سيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، فإنهم على الأقل يصطفون وراء حل الحكم الذاتي.
صحيح أن ما يحدث حاليا في منطقة الشرق الأوسط قد يؤخر قليلا تطور الأمور بخصوص الصحراء. ومع ذلك، يجب أن نحافظ على المسار وأن نقطع مع حكومة لا تؤمن بالديمقراطية وبفضائلها. وكباقي الأحزاب السياسية، كنا قد تقدمنا في هذا الاتجاه بمذكرة إلى جلالة الملك.
اليوم، نحن بحاجة إلى أحزاب قوية قادرة على التعبئة. كما أننا بحاجة إلى نخب جديدة، وإلى القطيعة، خاصة مع ثقافة الريع. ومرة أخرى، نحن بحاجة إلى القطع مع ما كان سائداً منذ زمن طويل، ومع هذه الحكومة التي أظهرت ضعفها على جميع المستويات. إنها حكومة لا تؤمن ببساطة بالديمقراطية وغير قادرة على تغيير أي شيء.
إن تقوية الجبهة الداخلية تحتاج إلى أحزاب قادرة على مواجهة كل محاولات تحريف خيار الحكم الذاتي لأغراض انفصالية، كما رأينا في دول أخرى (مثل إسبانيا مع كتالونيا) التي اختارت هذا النمط من الحكم. الشعب والمواطنون بحاجة إلى إعادة تعبئة، وعلى الأحزاب أن تقوم بدورها، ويجب أن تكون الجهوية فعلية وليس فقط على الورق. كما يجب الحفاظ على الحريات في كل مكان وللجميع. لقد عاش المغرب مرحلة مميزة مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، حيث عرف بلدنا تقدما كبيرا على جميع المستويات، وهذا هو النفس والزخم الذي ينبغي إحياؤه من جديد.
لكن لماذا تتحدثون بصيغة الماضي؟
من أجل البقاء في الحاضر والمستقبل، أدعو إلى نفس ديمقراطي جديد، وإلى نخب جديدة، وهذا ليس بالضرورة مرتبطا بملف الصحراء.
الأحزاب المكونة للأغلبية الحالية كلها تريد تشكيل ما تسميه "حكومة المونديال". هل أنتم في نفس التوجه؟
هناك مثل شعبي عندنا يقول: "لي كيحسب بوحدو كيشيط ليه"! على الأحزاب أن تنصت أكثر لنبض الشارع. إذا اختار المغاربة سلوك طريق صناديق الاقتراع، أؤكد لك أنه ستكون هناك مفاجآت. وإلا، سنظل دائما ضحايا للفساد، وسيزداد فقط اتساع الفجوة بين المواطنين والطبقة السياسية. يجب إقناع الشباب والنساء وسكان المناطق المهمشة بأن هناك بديلا. هذا البديل، التقدمي والديمقراطي والإصلاحي، يحمله حزب التقدم والاشتراكية إلى جانب كل من يتقاسم نفس القيم والطموحات من أجل بلدنا.
إعداد: خديجة القدوري