المعهد العالي للعلوم الأمنية ورهان إنتاج القيادة الأمنية

تيل كيل عربي

عبد الرحيم جديان

احتضن المعهد العالي للعلوم الأمنية بمدينة إفران، خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 10 أبريل 2026، الدورة الثالثة في مجال بناء القيادة والتدبير لفائدة الكفاءات الأمنية بمشاركة مسؤولين يشغلون مواقع متقدمة داخل البنية التنظيمية لجهاز الأمن الوطني، وببرنامج تضمن محاور ذات دلالة معبرة، من قبيل تدبير التغيير، وقيادة الأداء، وتدبير الموارد، والتواصل المؤسساتي، والإعلام الأمني، وهي كلها مضامين لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد موضوعات تكوينية تقنية أو عناصر مهنية معزولة، بل باعتبارها مؤشرات على أن التكوين الأمني في المغرب بدأ يتحول تدريجيًا إلى أداة استراتيجية لإعداد القيادة الأمنية وتأهيل النخبة المكلفة بتدبير الوظيفة الأمنية في مستوياتها العليا والوسطى.

وهنا لا يتعلق الأمر في تقديري بمجرد دورة تكوينية إضافية ضمن الأجندة المهنية للمؤسسة الأمنية، وإنما بواقعة مؤسساتية ذات حمولة دلالية أوسع، لأن احتضان المعهد لهذا النوع من البرامج يكشف أن الدولة لم تعد تنظر إلى التكوين الأمني من زاوية تحسين الأداء التنفيذي الإداري فقط، بل باتت تتعامل معه باعتباره رافعة لإنتاج قيادة تمتلك القدرة على الفهم والوعي والتقدير والتنسيق واتخاذ القرار وحسن تدبير التحولات التي يعرفها المجال الأمني في بيئة وطنية ودولية متزايدة التعقيد.

ومن هنا فإن هذا الحدث يصلح مدخلًا لتحليل أعمق مفاده أن المعهد العالي للعلوم الأمنية لا يمثل مجرد مؤسسة جديدة في خريطة التكوين، بل يجسد ورشًا استراتيجيًا لإنتاج القيادة الأمنية بالمغرب.

إن أول ما يستوقف المتأمل في هذه الدينامية هو أن التكوين الأمني بالمغرب يبدو وكأنه يغادر تدريجيًا منطق التأهيل الكلاسيكي الإداري الذي كان يركز أساسًا على بناء رجل أمن منضبط إداريا ومتمكن من المهارات المهنية الأمنية اللازمة، وقادر على تنفيذ التعليمات والاضطلاع بالمهام الموكلة إليه بكفاءة عملية، إلى منطق أكثر شمولا وعمقًا، قوامه إعداد القائد الأمني بوصفه فاعلًا مؤسساتيًا لا يكتفي بالإشراف الإداري أو التنسيق الوظيفي، بل يمتلك القدرة على قراءة التحولات الوطنية والدولية، وتقدير المواقف بمختلف أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، وقيادة الفرق وتدبير الأداء، واستيعاب ما يطرأ على البيئة الأمنية من تغيرات متلاحقة لا تكفي معها الخبرة الإدارية وحدها، ولا الانضباط التنظيمي وحده، ولا حتى التمرس الميداني في صيغته التقليدية، ما لم يسند كل ذلك بوعي قيادي قادر على الجمع بين الفهم والتخطيط والحسم في اتحاد القرار المتزن.

وإذا كانت الدورة التي احتضنها المعهد قد انصبت على موضوعات من قبيل تدبير التغيير، وقيادة الأداء، وتدبير الموارد، والتواصل المؤسساتي، والإعلام الأمني، فإن ذلك ليس تفصيلًا شكليًا أو ترتيبًا عرضيًا لمحاور تكوينية ، بل هو في الحقيقة مفتاح لفهم طبيعة المشروع الذي يتشكل داخل هذه المؤسسة لأن تدبير التغيير يعني في جوهره، أن القيادة الأمنية لم تعد مطالبة فقط بالحفاظ على انتظام العمل داخل المؤسسة، وإنما أصبحت مطالبة أيضًا بقيادة التحول الداخلي ومواكبة متطلبات الإصلاح، وتدبير الانتقال من أنماط اشتغال تقليدية إلى أنماط أكثر حداثة ونجاعة وحكامة .

وقيادة الأداء تعني أن السلطة التنظيمية لم تعد تُقاس فقط بالموقع الإداري أو بالصلاحيات الشكلية، بل بقدرة المسؤول على تحقيق النتائج وتوجيه الجهود وتحويل الموارد إلى أثر مؤسساتي ملموس.

أما إدراج التواصل المؤسساتي والإعلام الأمني ضمن صميم بناء القيادة فذلك يكشف بوضوح أن المؤسسة الأمنية المغربية بدأت تستوعب أن الفعالية في الزمن الراهن لا تقتصر فقط على النجاح في الميدان، بل تمتد أيضًا إلى النجاح في إدارة الصورة الذهنية والسردية الإعلامية، وشرح وتفسير المواقف، والقدرة على طمأنة المجتمع، وتأطير المعلومة الأمنية، والتفاعل بحكمة مع مجال عمومي لم يعد يتسامح مع الغموض أو التباطؤ كما كان في السابق، ولا يقبل من المؤسسات الاكتفاء بالفعل دون تفسير، أو الإنجاز دون تواصل أو التواصل بدون سرعة.

فالدولة بكل تحدياتها الوطنية والدولية تريد جهازًا أمنيًا قادرًا على مواكبة التحديات المعاصرة بحيث لا يكفيها أن تراكم الموارد البشرية أو تحسن شروط التدريب المهني، بل لا بد لها من أن تستثمر في ما هو أعمق أي في بناء الرأسمال البشري القيادي، وفي إنتاج مسؤولين يمتلكون من الكفاءة التدبيرية والوعي المؤسساتي والقدرة على الاستشراف للمستقبل ما يجعلهم قادرين على حمل المؤسسة لا على تدبير مرفق يومي فقط، وقادرين على صيانة استمراريتها لا على معالجة الوقائع المعزولة فحسب، وعلى إدراك أن الأمن في الدولة الحديثة لم يعد وظيفة تقنية ردعية مغلقة، بل أصبح مجالًا تتقاطع فيه رهانات النظام العام مع أسئلة الثقة والشرعية والسلطة الناعمة، وتتداخل فيه مقتضيات الحزم مع ضرورات الحكامة، وتتصل فيه ممارسة السلطة بنجاعة العلاقة بين المؤسسة ومحيطها.

 

ولا تكتمل دلالة هذا الورش إلا إذا وُضع في إطاره الأشمل، أي في سياق التحول الذي عرفه مفهوم الأمن ذاته خلال العقود الأخيرة فالأمن لم يعد يُفهم بوصفه قدرة على الردع والتدخل فقط، بل صار يُفهم أيضًا بوصفه قدرة على التوقع وعلى إدارة المخاطر، وعلى التعامل مع الأزمات المركبة، وعلى الحفاظ على التوازن بين الفعالية المؤسساتية والشرعية المجتمعية.

وهذا التحول هو الذي جعل القيادة الأمنية تحتل موقعًا مركزيًا في التفكير المؤسساتي الحديث، لأن التحديات الراهنة، بما فيها من مخاطر مركبة ، ومن سرعة في انتقال المعلومة، ومن ضغط إعلامي ورقمي متزايد، ومن حاجة دائمة إلى اتخاذ القرار في أوضاع عالية الحساسية والسرعة، لم تعد تسمح بالاكتفاء بمسؤول أمني يجيد التطبيق الإداري الكلاسيكي، بل تفرض الحاجة إلى قائد يجيد التقدير المرحلي والاستراتيجي، ويملك القدرة على المزاوجة بين الصرامة والمرونة الأمنية، وبين الحسم والاتزان، وبين مقتضيات الوظيفة الأمنية ومتطلبات الحكامة في الدولة الحديثة.

وعلى هذا الأساس، يبدو المعهد العالي للعلوم الأمنية بالمغرب أقرب إلى ورش استراتيجي لإنتاج القيادة الأمنية منه إلى مجرد مؤسسة لتدبير مسارات التكوين.

فهو في أحد وجوهه يعلن أن الدولة بدأت تستثمر في القيادة قبل أن تفرض عليها الوقائع كلفة غيابها، وبدأت تراهن على صناعة العقل القيادي داخل الجهاز الأمني قبل أن تجد نفسها أمام تحديات لا يكفي لمواجهتها توفر الإمكانات التقنية أو الصلاحيات القانونية.

غير أنه في الوقت نفسه يجب التأكيد على أن قيمة هذا المشروع لن تُختبر فقط في مستوى الانطباع الإيجابي الذي يخلقه وإنما ستُختبر على المدى المتوسط والبعيد، في مدى نجاحه في التحول إلى مدرسة فعلية لإنتاج القيادة الأمنية، أي إلى فضاء لا يكتفي بتنظيم الدورات، مهما كانت جودتها، بل يساهم أيضًا في بناء عقيدة أمنية تدبيرية استراتيجية ، وفي صقل الحس القيادي، وفي تعميق الصلة بين التكوين الأمني والمعرفة الإدارية والاجتماعية والقانونية والتواصلية، بما يسمح بإعداد مسؤولين أمنيين لا يتعاملون مع الواقع باعتباره مجرد سلسلة وقائع تتطلب التدخل، بل باعتباره بنية معقدة تستوجب الفهم والتحليل والتوقع والتخطيط.

وخلاصة القول إن المعهد العالي للعلوم الأمنية بالمغرب لا يمثل مجرد فضاء للتكوين أو محطة لتطوير الكفايات المهنية، بل يجسد توجها مؤسساتيا يروم بناء قيادة أمنية أكثر وعيًا وعقلانية وقدرة على مواكبة التحولات الوطنية والدولية.

فدلالة هذا الورش لا تكمن فقط في مضامينه التكوينية، وإنما في كونه يعكس انتقالا من منطق التدبير الأمني التقليدي إلى منطق استراتيجي يجعل من القيادة المؤهلة شرطا أساسيا لفعالية المؤسسة وتماسكها واستشرافها للمستقبل.

وعليه فإن الرهان الحقيقي لهذا المعهد يتمثل في أن يتحول على المدى المتوسط والبعيد إلى مدرسة مؤسساتية لإنتاج النخبة الأمنية القادرة على الجمع بين الصرامة المهنية، والحكامة الأمنية الرشيدة، والقدرة على التواصل الفعال، والاستيعاب الذكي للتحديات الجديدة، بما يجعل منه أحد أهم مداخل تحديث المرفق الأمني بالمغرب وتعزيز قدرته على مواجهة رهانات الحاضر واستحقاقات المستقبل.