بقلم: يوسف معضور
يفصلنا شهر واحد فقط عن عيد الأضحى، زمنيا، المدة ليست بالطويلة، لكن على المستوى النفسي والاقتصادي، صار ثقله أكبر بكثير، ولم يعد انتظار العيد مشحونا بفرح الاستعداد كما كان الحال في السنوات الماضية، بل بالكثير من القلق والترقب والتكلفة لبلوغه، وكل المؤشرات توحي بأن الأسعار ستواصل ارتفاعها هذه السنة، أو على الأقل لن تعود إلى المستويات السابقة ليطمئن المواطن، وتسمح للأسر بأن تعيش العيد كمناسبة دينية واجتماعية وفرح جماعي، لا كعبء ثقيل.
الحديث عن كلفة الأضحية لم يعد هامشيا، بل أصبح في صلب النقاشات اليومية في المقاهي، والإدارات، والأسواق، ووسائل التواصل الاجتماعي. والسؤال الذي يطرح الآن بقوة هو: كم سيبلغ ثمن أضحية العيد هذه السنة؟
المفارقة الغريبة أن عيد الأضحى في جوهره قائم على معنى رمزي عميق، يبرز قيما اجتماعية ودينية وإنسانية كالتضحية والتقاسم والقرب من الله، لكنه في الواقع المعاش بات ينزلق تدريجيا وبسرعة نحو منطق استهلاكي تتحكم فيه السوق، ومعادلة العرض والطلب. الوسطاء والمضاربات وشراء المعدات المستعملة في المناسبة والطقوس المرافقة لها، كلها عوامل تتدخل لتعيد تشكيل هذه الشعيرة في قالب استهلاكي.
الأمر لا يتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضا بطريقة تدبير السوق ككل. كل سنة تتكرر السيناريوهات نفسها والمشاهد ذاتها: قنوات توزيع غير منظمة بالشكل الكافي، وسلوكيات مضاربة تستغل الظرف. وفي النهاية يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف، مطالبا بالتكيف مع واقع لا يتحكم فيه.
ما يثير القلق أكثر هو هذا التحول الصامت في نظرة الناس إلى العيد، حين يصبح ثمن الأضحية موضوعا للحرج، وتضطر بعض الأسر إلى الاختيار بين ضروريات الحياة وطقوس العيد، فإننا لا نكون أمام أزمة أسعار فقط، بل أمام تصدع في المعنى الديني والرمزي، وحتى الاجتماعي للمناسبة. فالعيد الذي كان يجمع الأقارب والجيران قد يتحول، ولو بشكل غير معلن، إلى محدد للتمييز بين من يستطيع ومن لا يستطيع.
ربما حان الوقت لإعادة طرح العديد من الأسئلة بجرأة: هل نحن اليوم أمام عبادة تركز على جوهر ورمزية المناسبة، أم عادة تستلزم منا التركيز على الشكل والمظهر، وتجعل منا أفرادا مستهلكين؟ هل يمكن التفكير في صيغ تضامنية جديدة تخفف العبء عن الأسر؟ وهل يمكن أيضا ضبط السوق بشكل أكثر صرامة حتى لا يتحول العيد إلى موسم للمضاربة؟
شهر واحد فقط يفصلنا عن عيد الأضحى، لكنه كاف ليكشف مرة أخرى عن مفارقة مؤلمة بين عيد يفترض أن يقرب الناس من بعضهم، وواقع اقتصادي يدفعهم أحيانا إلى الشعور بالتهميش والإقصاء.