باينة: الذكاء الاصطناعي يفقد الثقة في القدرات العقلية.. ومصمموه يربون أبناءهم بطريقة كلاسيكية

خديجة عليموسى

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه ثورة الذكاء الاصطناعي من تغيير عميق لمفاهيم المعرفة والإنتاج واتخاذ القرار، يتصاعد النقاش حول موقع هذه التكنولوجيا وحول حدود توظيفها وانعكاساتها على المجتمع وسوق الشغل.

وفي هذا السياق، حاور "تيلكيل عربي"  كريم باينة، عميد المدرسة العليا للمعلوميات والرقمنة (ESIN) بجامعة الرباط الدولية،  للوقوف على ملامح هذه الثورة التكنولوجية من زاوية أكاديمية، وقراءة تداعياتها على الفرد والمؤسسات، وكذا مناقشة رهانات السيادة الرقمية وإشكالات التقنين.

ويقدم باينة، من خلال هذا الحوار، مقاربة تحليلية تضع الإنسان في صلب هذا التحول، محذرا من مخاطر الانزلاق نحو التبعية المعرفية، ومشددا على ضرورة تحقيق توازن واع بين استثمار قدرات الذكاء الاصطناعي والحفاظ على المنهجيات الكلاسيكية في التفكير.

ـ يشهد العالم اليوم ما يوصف بثورة معرفية غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي، كيف تقرأون هذا التحول؟

 نحن اليوم أمام ثورة معرفية حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي، ثورة تتجاوز البعد التقني إلى أبعاد فكرية وإنسانية عميقة، خاصة مع ظهور قضية أساسية ترتبط بخطر فقدان الإنسان قدرته على التفكير في المستقبل.

هذا التحول لا يطرح فقط أسئلة حول التكنولوجيا، بل يثير نقاشا حول موقع الإنسان نفسه داخل هذه المنظومة الجديدة، وحول قدرته على الاستمرار كفاعل أساسي في إنتاج المعرفة واتخاذ القرار.

ـ ما أبرز الإشكالات التي تطرحها هذه الثورة بالنسبة للفرد والمجتمع؟

الإشكالية الجوهرية المطروحة اليوم هي أن الإنسان بدأ، بشكل تدريجي، يشك في قدراته العقلية، وأصبح يميل إلى تقديم ما تنتجه خوارزميات الذكاء الاصطناعي أولا، قبل اللجوء إلى المنطق العقلي والتحليل الذاتي، وهذا في حد ذاته خطر كبير.

فمثلا، عندما يتخلى الطفل أو الشاب عن تشغيل قدراته الذهنية، ويستعمل الذكاء الاصطناعي بشكل غير واع، فإنه يدخل في مسار من التبعية المعرفية، حيث تتحول الأداة إلى مرجعية، بدل أن تبقى مجرد وسيلة مساعدة.

وهنا يبرز بشكل واضح دور كل من المفكر، والمعلم، ومدبر الشأن العام، في إعادة الاعتبار للتفكير النقدي، وفي بث روح المنطق والتحليل، وجعل الإنسان وتفكيره وتدبيره في صدارة الأولويات.

 نحن أمام حاجة ملحة لإعادة بناء الثقة لدى الأفراد في قدراتهم الذاتية، يجب أن يثق الشاب في نفسه، وأن يثق الطفل في قدراته، كما ينبغي أن يثق الموظف والمستخدم والمواطن في إمكانياته، قبل أن يعتمد على نتائج تقدمها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لأن فقدان هذه الثقة هو المدخل الحقيقي لفقدان الاستقلالية الفكرية.

ـ هل ترون أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدا حقيقيا للإنسان؟

لا أضع الذكاء الاصطناعي في خانة الخطر، ولا أشكك في قدراته على تطوير البشرية، بالعكس، هو امتداد طبيعي للفكر البشري، وأداة لتوسيعه وتنميته، لكن الإشكال يكمن في كيفية استعماله، يجب أن يبقى الإنسان متحكما فيه، وأن يحافظ على موقعه ككائن عاقل مفكر، له روح ونفس وذات تستمد قوتها من خالقه.

 لا يمكن أن نقبل بأن يتحول المخلوق، وهو الذكاء الاصطناعي، إلى كيان يتفوق على الذكاء البشري، إذا كان هذا الأخير يحسن توظيف قدراته ويحافظ على استقلاليته الفكرية.

ـ  تتحدثون عن مسألة الجمود الثقافي لدى الأجيال الرقمية.. كيف تتجلى هذه الظاهرة؟

هذه الظاهرة تتجلى بشكل واضح في عدد من المجالات، من بينها المجال الطبي، ففي تخصص التصوير الطبي بالأشعة، كان الأطباء في السابق يعتمدون على تفسير نتائج صور الأشعة بمنطق علمي دقيق، يجمع بين المعرفة النظرية والتجربة والخبرة.

 أما اليوم، فنلاحظ أن بعض الأجيال الجديدة أصبحت تثق ثقة عمياء في نتائج الذكاء الاصطناعي، إلى درجة قد يعتمد فيها الطبيب على تحليل الخوارزميات بشكل كامل، دون تشغيل قدراته العقلية.

ـ  هل يشكل الذكاء الاصطناعي خطرا على التشخيص في المجال الصحي؟

على مستوى المنظومة الصحية، هناك وعي بالمخاطر، كما توجد لجان أخلاقيات ومساطر واضحة لحماية المعطيات، غير أن الإشكال قد يطرح على مستوى التشخيص، في حال الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري، وهو ما قد يؤدي إلى أخطاء.

ـ  ما الضوابط التي ينبغي اعتمادها لتفادي هذه المخاطر؟

هناك مبادئ أخلاقية أساسية يجب احترامها، من بينها الشفافية، وقابلية فهم كيفية اشتغال الأنظمة. كما أن النماذج المغلقة، التي لا تتيح فهم آليات عملها، تشكل خطرا، خاصة إذا كانت مبنية على معطيات أجنبية لا تعكس خصوصيات المجتمع المغربي، سواء من حيث الفئات أو الأمراض المحلية.

الحل يكمن في تطوير ذكاء اصطناعي وطني، مبني على معطيات محلية، خاصة في المجال الصحي، بما يضمن دقة التشخيص، ويحمي المرضى، ويعزز الثقة في هذه التكنولوجيا.

هل تمتد هذه المخاطر إلى سوق الشغل؟

نعم، بالتأكيد، المخاطر لا تقتصر على الجمود العقلي فقط، بل تشمل أيضا فقدان التموقع داخل سوق الشغل. لأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تآكل عدد من المهارات الأساسية التي يحتاجها الإنسان في  العمل.

 لذلك، من الضروري تربية هذا الجيل وفق مقاربة مزدوجة، تجمع بين التكنولوجيا والأساليب التقليدية، حتى يتمكن من تطوير قدراته العقلية والحفاظ على تنافسيته.

والمثال الذي أحبذه هو أن استعمال المصعد فقط سيفقد المستعمل تدريجيا قدراته البدنية، لأنه لم يعد يستعمل جسده، بينما يساهم استعمال الأدراج في تقوية القلب والعضلات والحفاظ على اللياقة. وبالمثل، فإن اللجوء إلى السهولة وسرعة الإجابة، وما يوفره الذكاء الاصطناعي من إشباع فوري، يمثل نوعا من التخلي عن تدريب العقل.

 لذلك، فإن استعمال الوسائل غير الرقمية، خاصة في المراحل المبكرة، يعد ضروريا لتنمية القدرات الذهنية، حتى تبقى حاضرة وقوية عندما يحتاجها الإنسان.

ـ ما هي المقاربة التي ترونها مناسبة لتفادي هذا الانزلاق المعرفي؟

إن المقاربة المطلوبة تقوم على التوازن، بالجمع بين استعمال الذكاء الاصطناعي، من جهة، والحفاظ على المنهجيات الكلاسيكية في التفكير، من جهة أخرى.

 ومن اللافت أن بعض مطوري هذه التقنيات في دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، يحرصون على تعليم أبنائهم في مدارس تقليدية تعتمد الطباشير والدفتر والكتاب، ولا يضعون في أيديهم الوسائل الرقمية إلا بعد بلوغهم سنا تمكنهم من التمييز وتحكيم العقل.

 هذا الاختيار ليس اعتباطيا، بل يعكس وعيا بضرورة بناء العقل قبل تعريضه للأدوات الرقمية.

-هل القوانين الحالية، خاصة في المغرب، قادرة فعلا على تأطير المخاطر المتسارعة للذكاء الاصطناعي؟

من الضروري التمييز بين التخوفات النفسية والمخاطر الاحتمالية العلمية، وكذلك بين الوقائع التي أظهرت أن الذكاء الاصطناعي قد يخلق إشكالات فعلية في مجالات متعددة سواء في المجال الصناعي أو التجاري أو العلمي، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق مطبات حقيقية.

في هذا الإطار، نلاحظ أن أوروبا اختارت مقاربة التقنين المسبق، بينما اعتمدت الولايات المتحدة المقاربة الإبداعية، مع تدخل المشرع عند ظهور المشاكل.

لكن في جميع الحالات، لا ينبغي سن القوانين فقط من أجل التقنين، ولا وضع قوانين مجحفة تحد من قدرات المغرب ونسيجه السوسيو-اقتصادي عن الإبداع، لذلك يجب أن تكون المواثيق الأخلاقية والترسانة القانونية محفزا للإبداع، لا عائقا له، والمغرب يتوفر على تجربة تقوم على استعمال روح القانون.

ـ وماذا عن تقنين استعمال الأطفال للتكنولوجيا لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي؟

هناك تجارب دولية محمودة يمكن الاستلهام منها، خاصة في ما يتعلق بتقييد استعمال الأطفال للتكنولوجيا، لكن في المقابل، يجب اعتماد المرونة، لأن المغرب يتميز بخصوصيات ثقافية  واجتماعية، يمكن الاستفادة من التجارب الناجحة، لكن لا يجب استيراد ترسانة قانونية بشكل حرفي، بل تكييفها مع السياق الوطني.

ـ ماذا عن الإطار القانوني المرتبط بحماية المعطيات الشخصية؟

هذا الإطار يجب أن يظل مرنا وقابلا للتطوير المستمر، وفي هذا السياق، تعمل اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية على تنظيم جلسات استماع مع مختلف الفاعلين، من اقتصاديين وأكاديميين ومواطنين وهيئات إدارية، بهدف تحيين الترسانة القانونية، وأخذ معطيات البحث العلمي في الصحة، ومعطيات الذكاء الاصطناعي في الصناعة، وغيرها من المجالات.

ـ  في ظل هيمنة شركات عالمية على هذه التكنولوجيا، هل يمكن الحديث عن سيادة رقمية مغربية في هذا المجال؟

المغرب يسير بالفعل في اتجاه تعزيز السيادة الرقمية، من خلال مقاربة براغماتية تقوم على تنويع الشراكات الدولية، على سبيل المثال، يتم اعتماد خوارزميات مطورة في أوروبا، لكنها تشغل داخل سحب رقمية فوق التراب المغربي، مع احترام القوانين الوطنية المتعلقة بالسيادة الرقمية.

غير أن هذه السيادة لا يمكن فصلها عن السيادة الشاملة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو صناعية، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن منافسة قوى عالمية كبرى، خاصة الأمريكية والصينية، في هذا المجال؟

في المقابل، يظل المغرب شريكا اقتصاديا واعدا، مستفيدا من موقعه الجغرافي وانفتاحه على مختلف الأسواق،  كما أن تنويع الشركاء بين الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا يظل خيارا استراتيجيا ضروريا لضمان الاستقلالية الاقتصادية، وبالتالي دعم السيادة الرقمية.

ـ  هل المؤسسات العمومية والخاصة في المغرب جاهزة فعلا لاستعمال الذكاء الاصطناعي، أم أن الفجوة التقنية والبشرية ما زالت قائمة؟

لا يمكن الحديث عن جاهزية وهذا لا يخص المغرب فقط، بل يشمل حتى الدول الأوروبية، غير أن هناك مؤشرات عالمية، من قبيل مؤشر الابتكار العالمي "Global Innovation Index"، ومؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي "AI Readiness Index"، تظهر أن ترتيب المغرب كان في السابق متواضعا، لكنه يعرف تطورا تدريجيا من سنة إلى أخرى، سواء في مؤشرات الابتكار أو في مؤشرات الجاهزية الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.