وحضر اللقاء ثلة من الأساتذة والطلبة الباحثين، الأربعاء المنصرم، وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحيم العطري والدكتورة حنان زعيرك، بهدف تسليط الضوء على هذا المنجز الذي يسعى إلى انتشال الطالب من "التيه المنهجي" وتقريب الممارسة الميدانية من التنظير الأكاديمي.
وركز المتدخلون على أهمية الكتاب باعتباره مرجعا منهجيا حديثا يزاوج بين الخبرة الميدانية الطويلة والأسس الفلسفية العميقة للعلوم الاجتماعية.
حنان زعيرك: الاختبار الحقيقي للباحث يبدأ عند ولوج الميدان
اعتبرت الدكتورة حنان زعيرك، في قراءتها لهذا المنجز، أن الكتاب يمثل دليلا حيويا موجها للطلبة في مجالات العلوم الاجتماعية والسياسية والإعلام والصحافة، لكون مؤلفته مدركة لحجم الصعوبات التي تواجه الباحث عند انتقاله من النظرية إلى الممارسة.
وأشارت إلى أن الطالب غالبا ما يشعر بنوع من "التيه المنهجي" في الميدان، وهو ما يحاول هذا العمل معالجته عبر تقديم معطيات تمكن الباحث من سبر أغوار الواقع الاجتماعي المعقد، هذا التعقيد الذي بدأ تاريخيا مع محاولات أوغست كونت، ولم يتحقق إلا مع "قواعد المنهج السوسيولوجي" لإميل دوركايم.
وانتقلت الأستاذة الجامعية حنان زعيرك إلى توضيح الخصائص التي يجب أن تتوفر في الباحث، وهي المعرفة (Le savoir)، والقدرة على الفعل (Le savoir-faire) المتمثلة في انتقاء المعطيات الأساسية، بالإضافة إلى السلوك (Le savoir-être) في التعامل مع المبحوثين.
ورأت أن الاختبار الحقيقي للباحث يبدأ عند ولوج الميدان، حيث تبرز أهمية بناء الإشكالية العلمية والقدرة على تحويل النظريات المتوفرة إلى ممارسة ميدانية رصينة.
وشددت على أن الانتقال إلى الميدان يتطلب مهارات تواصلية وهنداما وتصرفات تضمن تفاعل المشاركين في البحث بشكل إيجابي.
ووصفت زعيرك تقنية الملاحظة بأنها "السهل الممتنع"، محذرة من استسهال الطلبة لهذه الأداة دون امتلاك "شبكة للملاحظة" (Grille d'observation)، فالملاحظة العلمية، حسب قولها، ليست مجرد رؤية عابرة، بل عملية تتطلب الدقة والانتقائية واختيار العناصر المهمة حسب أولويات البحث. وبدون هذه الشبكة الموجهة، يظل عمل الباحث مشتتا وغير قادر على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي في سياق دراسته.
عبد الرحيم العطري: كتابة "الدليل" تعد من أصعب المهام الأكاديمية
من جانبه، اعتبر الدكتور عبد الرحيم العطري أن هذا الكتاب "مفارق ومختلف"، لكونه لا يستند فقط إلى التراث النظري، بل يقدم "عصارة تجربة ميدانية" وقلقا فكريا يلامس صعوبات الميدان ومطباته.
وأضاف أن كتابة "الدليل" تعد من أصعب المهام الأكاديمية، لأنها تتطلب قدرة على استحضار دهشة البدايات التي يواجهها الطالب عند ولوجه للميدان، ورأى في هذا العمل "هدية ثمينة" تعيد الاعتبار للممارسة السوسيولوجية الحقة.
واستعرض العطري المسار العلمي للمؤلفة، واصفا إياها بأنها رائدة في سوسيولوجيا الهجرة والنوع الاجتماعي بالمغرب، حيث قدمت مقاربات ميدانية متميزة تجاوزت البعد المكاني للهجرة لتعتبرها نمط عيش وانتقالا فكريا.
وأشاد بتعاملها مع "النوع الاجتماعي" ببرود منهجي ومسافة موضوعية، بعيدا عن الصراعات الأيديولوجية أو تصفية الحسابات الذاتية، معتبرا أن قوتها تكمن في دراسة هذه القضايا دون "أسطرة"، مما يجعل عملها رائدا في أدب الدلائل المنهجية.
وأثنى العطري على اللغة التي كتب بها الكتاب، واصفا إياها ب"البساطة الراقية" التي تنفذ إلى المعنى والقلوب دون تعقيد، مشيرا إلى الخلفية الفلسفية للمؤلفة، التي منحتها أناقة في التعبير.
واعتبر أن الكتاب يدافع عن أطروحة مفادها أن التميز البحثي يتطلب الانفتاح المعرفي على العلوم الشقيقة، كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة، فالباحث الحقيقي، في نظر العطري، هو من يستبدل "العين العامية" ب"عين سوسيولوجية" مبنية على أسس إبستيمولوجية صلبة.
حنان بوكطاية: "العين السوسيولوجية" بناء تراكمي وليس فطري
بدورها، تحدثت الدكتورة حنان بوكطاية بتواضع عن تجربتها، التي بدأت منذ عام 2007 عند دراستها لدور الصفيح، حيث واجهت صعوبات ميدانية جعلتها تفكر في التخلي عن البحث الميداني.
وأوضحت أن نصيحة مشرفها، الدكتور إدريس بنسعيد، بالتركيز على "الملاحظة"، كانت المفتاح الذي غير نظرتها للميدان بالكامل، ومن هنا بدأ اهتمامها بالمناهج وتطوير "جذاذات القراءة"، التي ساعدتها على فهم المونوجرافيا والتقطيع الإداري والتركيبة السكانية قبل الغوص في التحليل.
وشرحت بوكطاية تقسيم الكتاب إلى مستويين: مستوى إبستيمولوجي يمثل الأرضية المعرفية، ومستوى تقني ميداني يركز على الملاحظة.
وأبرزت أن "العين السوسيولوجية" ليست معطى فطريا، بل بناء تراكميا يتشكل عبر القراءة المستمرة والعودة إلى الأدبيات السابقة، فالملاحظة العلمية، في نظرها، هي "قلق معرفي" يحول الظاهرة العادية البسيطة إلى "واقع سوسيولوجي" قابل للدراسة من خلال سؤالين جوهريين: ماذا ألاحظ؟ وكيف ألاحظ؟
وأشارت إلى أن هدفها من الكتاب هو الاستجابة لمطالب الطلبة الذين يعانون من مشاكل في تطبيق أدوات البحث الميداني، ناصحة الطلبة بضرورة القراءة المستمرة والبحث الذاتي، معتبرة أن المنافسة العلمية يجب أن تقوم على الحب والتكامل، لا على الصراع.