بعد عقود ظل فيها العجز عن مسايرة طقوس عيد الأضحى "طابوها" اجتماعيا محاطا بالكتمان وسياجا من الحرج الرمزي الذي يصعب تخطيه، تشهد الساحة المجتمعية اليوم تحولا لافتا، إذ كسر عدد من المواطنين جدار الصمت، وباتوا يعبرون بشكل علني وجريء عن قرارهم عدم اقتناء الأضحية هذه السنة، في خطوة تعكس عمق الإكراهات المادية وتغير ترتيب الأولويات لدى الأسر.
ومن بين هذه التدوينات، ما كتبه أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي: "الأصدقاء من الرباط لي معيدين و غيشريو الحولي، أنا مغاديش نشري الحولي، و لهذا ليكن في علمكم... معنديش مشكل مع لحم الخروف... لي عندو شي فخضة زايدة شي لحم لي عمر ليه الكونجيلاتور نعاونكم ناكلهم".

ويعزى هذا التوجه المتصاعد إلى الارتفاع الملحوظ والقياسي في أسعار المواشي وتكاليف المعيشة، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية الخانقة التي باتت توجه اختيارات الأسر وتفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها الاستهلاكية واليومية بناء على الواقع المعيشي.
وفي خلفية هذا النقاش، يبرز معطى إحصائي رسمي يكشف عمق التحول، إذ تشير نتائج البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط سنة 2022 إلى أن 12,6 في المائة من الأسر المغربية لا تمارس شعيرة الأضحية، مقابل 4,7 في المائة سنة 2014، ما يعكس ارتفاعا تدريجيا في هذا المؤشر خلال العقد الأخير.
زيارة بيت الجد
هذا التحول لا يقرأ فقط من زاوية الأرقام، بل يتجسد في تفاصيل وقصص إنسانية يومية تعيشها العائلات في صمت، ففي أحياء مدينة الدار البيضاء، اتخذت عائلة "رقية"، وهي أم لثلاثة أطفال، قرارا حاسما هذا العام بالامتناع عن الشراء بعد جولة في الأسواق صدمت خلالها بالأسعار.
تقول رقية إن ميزانية الأضحية هذا العام تم توجيهها بالكامل لتسديد تكاليف علاج زوجها المريض وتأمين مصاريف التمدرس المقابلة، معتبرة أن صون كرامة الأسرة واستقرارها أولى من مجاراة المظاهر الاجتماعية، وأنهم سيكتفون بزيارة بيت الجد لعيش أجواء العيد مع الأولاد.
هكذا تتشكل ملامح جديدة لعيد الأضحى في سياق اقتصادي واجتماعي مختلف تماما عن السابق، إذ باتت العائلات والشباب على حد سواء يعيدون النظر في ميزانية المناسبات برمتها، ويختارون الحفاظ على الطقس الرمزي وقيم التكافل والتزاور، دون الدخول في الكلفة المالية للذبح.
لن نشتري الأضحية
وفي هذا السياق، صرحت سيدة تحدث معها موقع "تيلكيل عربي": "قلت لزوجي بصريح العبارة، لا عيد هذه السنة، سنصلي صلاة العيد ونشتري ملابس جديدة للأولاد لندخل الفرحة على قلوبهم، لكننا لن نشتري الأضحية".
ولم تقف المتحدثة عند حدود تفسير خطوتها بالجانب المادي، بل وجهت لومها الشديد وعتابها إلى الخطباء والدعاة والحركات الإسلامية، معتبرة أنهم يساهمون في تكريس هذا العبء المجتمعي عبر صمتهم وتوجيهاتهم، وما يرافق ذلك من طرح ديني لا يميز، وفق رأيها، بما يكفي بين الفرض والسنة المؤكدة، وهو ما يجعل بعض الأسر تقع تحت حرج ديني واجتماعي لا مبرر له.
لا يمكن التخلي عن الأضحية
وفي المقابل، يتجلى تيار آخر يرى أصحابه أن اقتناء أضحية العيد أمر حتمي لا يقبل النقاش أو التنازل، وفي هذا السياق، يصرح عبد العالي (أحد المواطنين) لـ"تيلكيل عربي"، بأن هذا الطقس السنوي يمثل بالنسبة له شعيرة مقدسة وجزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والأسرية التي لا يمكن التخلي عنها تحت أي ظرف.
وأضاف أن هذه المناسبة لا تتكرر إلا مرة واحدة في السنة، مما يمنحها خصوصية تستوجب التضحية، مشيرا إلى أنه، أمام الضغوط المادية الراهنة، اضطر إلى طلب تسبيق مالي من مشغله مع جدولة اقتطاعه على أشهر قادمة لتأمين ثمن الأضحية.
ورغم ما قد يراه البعض عبئا ماليا إضافيا، إلا أنه لا يصنف هذا الإجراء في خانة "التكلف" أو الإرهاق المادي، بل يعتبره واجبا اجتماعيا وأخلاقيا لإدخال الفرحة على قلوب أفراد أسرته.
الفردانية الناشئة
وبين تمسك راسخ بالشعيرة الدينية كدعامة للهوية والروابط الأسرية، وبين نزوع متزايد نحو إعادة ترتيب الأولويات المادية تحت وطأة الإكراهات المعيشية، لم يعد عيد الأضحى مجرد مناسبة دينية عابرة، إذ أضحى مرآة كاشفة لتحولات بنيوية وعميقة تعيد رسم وتشكيل العلاقات المتشابكة بين التدين، والواقع الاقتصادي، وأنماط العيش المعاصرة.
إن هذا التباين في السلوك المجتمعي يعكس ديناميات سوسيولوجية حركية، حيث يمر المجتمع بمرحلة انتقالية يعاد فيها تفاوض الفرد مع "المقدس" و"الاجتماعي".
وتتجلى هذه الدينامية في إعادة تشكل منظومة القيم وأنماط الاستهلاك، حيث يتقاطع ثقل "الضمير الجمعي" التقليدي المحافظ على الطقس، مع عقلانية "الفردانية الناشئة" وبراغماتيتها التي تفرضها الرأسمالية الحديثة وضغوطات التضخم.
وبذلك، يتحول العيد إلى مختبر سوسيولوجي مفتوح لرصد كيفية تدبير الفرد للموازنة الصعبة بين الحفاظ على الرأسمال الرمزي ومواجهة الإكراهات المادية اليومية.