نظمت النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص بالمغرب لقاء صحفيا خصص لتسليط الضوء على واقع طب العيون بالمغرب، وما يواجهه من تحديات متصاعدة تمس جودة الخدمات الصحية وسلامة الممارسة الطبية. وخلال هذا اللقاء، نبهت النقابة إلى خطورة استمرار بعض الممارسات غير القانونية المرتبطة بحملات جراحة المياه البيضاء (الجلالة)، معتبرة أنها لا تهدد فقط صحة المرضى، بل تمس أيضا جوهر أخلاقيات المهنة، وتفرض تدخلا عاجلا وحازما لوضع حد لها.
وفي سياق هذا الطرح الإصلاحي، شددت النقابة على ضرورة إعادة ترتيب أولويات القطاع بما ينسجم مع متطلبات العدالة الصحية وجودة العلاج، داعية إلى تعميم الولوج إلى زراعة القرنية، وتسهيل الاستفادة من العلاجات المبتكرة، وإقرار فحص بصري إلزامي قبل الولوج إلى التعليم الابتدائي. كما أكدت على أهمية مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية (TNR)، وتقنين الإشهار الطبي، وترسيخ قواعد المنافسة الشريفة داخل القطاع الصحي، بما يضمن نموذجا علاجيا أكثر أمانا ونجاعة وثقة لدى المواطنين.
التعريفة الوطنية المرجعية.. جدل "الكلفة على المواطن" أم تصحيح اختلالات التعويض؟
فيما يتعلق بانعكاس مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية على تكلفة العلاج بالنسبة للمواطن، قال محمود البشيري، طبيب اختصاصي في أمراض وجراحة العيون ورئيس النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، إن هذا الطرح لا يعكس حقيقة الإشكال القائم، مؤكدا أن جوهر النقاش لا يرتبط برفع العبء عن المواطن بقدر ما يتعلق بتصحيح اختلال بنيوي في نظام التعويضات، يقوم على تعريفة مرجعية قديمة تعود إلى سنة 2006، لا تتجاوز في بعض الحالات 150 درهما، في حين أن الأتعاب الطبية الفعلية تقارب 300 درهم.
وأضاف البشيري أن التعويضات تحتسب بنسب قد تصل إلى 60 أو 70 أو حتى 80 في المائة، لكنها تظل مرتبطة بذلك السقف المرجعي المنخفض، ما ينتج فجوة واضحة بين الكلفة الحقيقية للخدمات الصحية والتعويضات المؤداة، وهو ما يجعل النقابة تؤكد أن الهدف ليس المساس بالقدرة الشرائية للمواطن، بل إرساء نظام تعويض أكثر عدلا وإنصافا يضمن التوازن بين حق المريض في العلاج وحق المنظومة الصحية في الاستدامة والجودة.
طب العيون بالمغرب.. بين وعود "المجانية" ومخاطر الممارسات غير القانونية
وبالنسبة إلى هذا اللقاء، أفاد البشيري، أن الهدف الأساسي منه هو تنوير المواطن المغربي والمسؤولين على حد سواء، حول الإشكالات الحقيقية التي يعيشها المرضى في مجال طب العيون، وكشف مكامن الخلل التي تؤثر على جودة وسلامة التكفل الطبي.
وأوضح المتحدث نفسه أنه منذ دخول التغطية الصحية الإجبارية حيز التنفيذ قبل سنتين، برزت بعض الحملات المجانية المرتبطة بجراحة المياه البيضاء (الجلالة)، حيث يتم الترويج لها على مواقع التواصل الاجتماعي على أساس أنها عمليات مجانية بشرط التوفر على التغطية الصحية، خاصة "الـAMO". غير أن هذا الوضع، يضيف البشيري، أدى إلى إقدام بعض المرضى، خصوصا ممن لا يتوفرون على وعي كاف، على الخضوع لهذه التدخلات في ظروف لا تحترم معايير السلامة الطبية، إذ تنجز في بعض المناطق بشكل غير قانوني وغير أخلاقي، ودون احترام الشروط الدولية المعمول بها في جراحة دقيقة ومعقدة كجراحة العيون..
أولويات مستعجلة لإصلاح طب العيون بالمغرب.. سلامة المريض في صلب الرهان
وفيما يتعلق بالأولويات، أوضح المكتب الوطني للنقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص بالمغرب أن النقابة تتحدث باسم مهنة كاملة عبّرت عن موقف موحد بمختلف مكوناتها، مؤكداً أن هذه الأولويات مستمدة من المذكرة الوطنية وتشكل إطاراً مرجعياً لإصلاح قطاع طب العيون بما يضمن حماية المريض وجودة التكفل الطبي.
وتتمثل هذه الأولويات في وضع حد للحملات الجراحية غير القانونية التي تهدد سلامة المرضى، وإعادة إرساء منافسة نزيهة وعادلة بين جميع الفاعلين في القطاع، وتعميم الاستفادة من زراعة القرنية وجعلها في متناول المرضى، إلى جانب تسهيل الولوج إلى الحقن داخل العين المضادة لعامل النمو الوعائي (Anti-VEGF)، وإقرار فحص بصري إلزامي عند ولوج الطفل إلى التعليم الابتدائي، فضلا عن المراجعة المستعجلة للتسعيرة الوطنية المرجعية المجمدة منذ سنة 2006.
هذه الأولويات الست، وفق المكتب الوطني، تمثل حالات استعجالية مترابطة يجمعها هدف واحد يتمثل في حماية الصحة البصرية للمواطن المغربي، ولا سيما الطفل، مع اعتبار أن التصدي للحملات الجراحية غير القانونية يظل التحدي الأكثر إلحاحاً بالنظر إلى ما يطرحه من مخاطر مباشرة على سلامة المرضى وجودة التكفل الطبي.
حملات جراحة العيون خارج القانون.. مخاطر تهدد سلامة المرضى
أفاد المكتب الوطني بأنه بات يسجل انتشار حملات جراحية في طب العيون تنظم خارج أي إطار قانوني أو تنظيمي، من طرف بعض الجمعيات والمصحات تحت غطاء إنساني غير ربحي، وبالاستفادة من نظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO)، دون احترام بروتوكولات السلامة أو مسارات المتابعة قبل وبعد الجراحة. وأوضح أن هذه الحملات تشمل عمليات جراحية كبرى، من قبيل جراحة الساد (المياه البيضاء أو الجلالة)، في ظروف لا تحترم الشروط الطبية والمعايير المعتمدة دوليا، بما يطرح إشكالات جدية مرتبطة بسلامة المرضى.
وأضاف المكتب الوطني أن المخاطر في هذا السياق معروفة وموثقة، وتتراوح بين التهابات خطيرة ومضاعفات قد تكون غير قابلة للعلاج، وصولا إلى فقدان البصر في بعض الحالات، وهو ما يثير قلقا متزايدا بشأن تداعيات هذه الممارسات على صحة المواطنين وجودة التكفل الطبي في مجال حساس ودقيق كطب العيون.
التسعيرة الوطنية المرجعية (TNR) تعد، وفق ما يعتبره المكتب، أكبر ظلم هيكلي يعاني منه طب العيون الحر بالمغرب، وذلك نتيجة تجميدها منذ سنة 2006، في وقت لا يقتصر فيه الإشكال على الجانب المالي فقط، بل يتجاوزه إلى خلل بنيوي يمس منطق التحيين والمواكبة، حيث مرت عشرون سنة كاملة دون أي مراجعة، رغم أن الاتفاق الأصلي كان ينص على مراجعتها كل ثلاث سنوات، وهو ما يجعل هذا الجمود غير متناسب مع التحولات العميقة التي عرفها القطاع، خاصة أن سنة 2006 لم تكن فيها تكنولوجيا التشخيص والجراحة على ما هي عليه اليوم.
طب العيون بالمغرب.. اختلالات بنيوية بين جمود التعريفة وتحديات التطور الطبي
وانطلاقا من هذا الوضع، أكد المكتب الوطني أن استمرار العمل بالتسعيرة الوطنية المرجعية بصيغتها الحالية لم يعد ينسجم مع واقع الممارسة الطبية المعاصرة، ولا مع التحولات العميقة التي عرفها قطاع طب العيون من حيث التطور التكنولوجي وارتفاع كلفة الخدمات الصحية.
ووفقا للمصدر ذاته، فقد تغيرت الممارسة الطبية جذريا بفضل التطور التكنولوجي، لكن العديد من الخدمات الطبية ما تزال مصنفة وفق التعريفات نفسها المعتمدة قبل عشرين عاما، وبعضها لم يدرج أصلاً ضمن التعريفة الوطنية المرجعية، ما يجعلها غير قابلة للتعويض لفائدة المرضى رغم ضرورتها للتشخيص الدقيق. بل إن هناك فحوصات وتشخيصات أساسية لم تكن موجودة سنة 2006، ولا تتوفر على أي تسعيرة مرجعية.
وأشار إلى أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على كلفة الممارسة الطبية، في ظل ارتفاع ملحوظ في جميع التكاليف المرتبطة بالتسيير، من الإيجارات والحد الأدنى للأجور إلى المستلزمات الطبية والأجهزة وصيانة المعدات. ومن هنا، فإن مطلب النقابة واضح في الدعوة إلى مراجعة فورية ومستعجلة للتسعيرة الوطنية المرجعية بما ينسجم مع الواقع الاقتصادي لسنة 2026، ومع التكاليف الحقيقية للعيادات والمصحات المختصة، ومع المستوى التكنولوجي الذي بلغه طب العيون الحديث.
في الختام، أكد المكتب الوطني أن مختلف الإشكالات المطروحة في قطاع طب العيون، سواء تعلق الأمر بالحملات الجراحية غير القانونية أو بجمود التسعيرة الوطنية المرجعية أو بصعوبات الولوج إلى بعض العلاجات المتقدمة، تلتقي عند نقطة واحدة أساسية هي ضرورة إعادة الاعتبار لجودة العلاج وسلامة المريض. كما شدد على أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مقاربة شمولية تشاركية، توازن بين حق المواطن في الولوج إلى العلاج، وحق المنظومة الصحية في شروط عمل عادلة ومستدامة، بما يضمن تطوير طب عيون حديث وآمن وفعال في خدمة الصحة العمومية.