كانت مدينة قرية بامحمد، بإقليم تاونات، تعيش على إيقاعها الهادئ إلى حدود مطلع شهر ماي الماضي، حين بدأت تتسرب أخبار عن قضية أخلاقية ستهز الرأي العام المحلي، بعدما راجت روايات تتحدث عن استغلال جنسي لتلميذات قاصرات من طرف شبكة منظمة يشتبه في تورط عدد من الأشخاص فيها.
ومع غياب توضيحات رسمية تقدم تفاصيل أدق حول القضية، تحولت المدينة الصغيرة إلى فضاء خصب للشائعات والتأويلات، واختلطت الوقائع المؤكدة بالروايات الشائعة على مواقع التواصل الاجتماعي، في ملف تعددت حوله الروايات وتضاربت بشأنه المعطيات.
بداية القصة
بحسب مصادر تحدثت لـ "تيلكيل عربي"، بدأ تداول القضية خلال الأسبوع الأول من شهر ماي، بعدما انتشرت أخبار في مقاهي المدينة ووسط شبابها عن تفكيك شبكة للاتجار في البشر والقوادة، يُشتبه في استغلالها لتلميذات يتابعن دراستهن بالثانوية التأهيلية ابن خلدون.
ولم يخرج الملف إلى العلن بشكل رسمي إلا يوم 16 ماي، عندما أعلن رئيس مفوضية الشرطة بقرية با محمد، خلال تقديم حصيلة عمل مصالح الأمن بمناسبة تخليد ذكرى تأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، عن تفكيك شبكة للاتجار في البشر، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
ملف للقضاء وملف لمواقع التواصل
ساهم شح المعطيات الرسمية في انتشار وتناسل روايات متباينة بشأن عدد المتورطين وصفاتهم، وكذلك بشأن عدد الضحايا وطبيعة الأفعال المنسوبة إلى المشتبه فيهم، وهو وضع شائك علّق عليه أحد المصادر المقربة من الملف لـ"تيل كيل عربي" بالقول: "هناك ملفان مختلفان؛ الأول يوجد بين يدي القضاء، والثاني على مواقع التواصل الاجتماعي".
هذا المعطى دفعنا إلى تتبع خيوط القضية، من خلال الاستماع إلى شهادات من أفواه أشخاص لهم علاقة مباشرة بالملف، وتتبع مسار الملف داخل ردهات محكمة الاستئناف بفاس، في محاولة للتمييز بين الوقائع الثابتة والروايات المتداولة.
وعلى عكس ما يروج، تتمحور القضية، وفق المعطيات المتوفرة، حول تلميذتين قاصرتين ورد اسماهما في محاضر البحث، لا علاقة لهما بدار الطالبة بقرية با محمد. الأولى تقطن بحي الحرارشة بالقرية، والثانية تنحدر من جماعة بني سنوس وكانت تقيم لدى أحد أقاربها بحي أولاد الطيب بقرية با محمد.
"عاديون" يتحولون إلى "نافذين"
وعكس ما جرى تداوله، تفيد المعطيات التي حصل عليها "تيلكيل عربي" بأن لائحة الأشخاص المتابعين في الملف لا تضم مسؤولين كبارًا أو منتخبين بارزين.
وتتكون الشبكة، بحسب الوثائق والمعطيات المتوفرة، من سيدة في الثلاثينيات من عمرها تدعى (سعيدة.ا)، لها سوابق قضائية في مجال الدعارة، إلى جانب عدد من الأشخاص ينتمون إلى مهن مختلفة، من بينهم تاجران، هما (عبد الكبير.ا.ا) و(فؤاد.ا)، وصاحب شركة لكراء السيارات (عدنان.ف)، وأستاذ للتعليم الأولي (يحيى.ف)، وصيدلي (أمين.ا)، وشاب عاطل عن العمل (مهدي.ا).
كما يُتابع سائق سيارة أجرة في حالة سراح، كان يؤمن رحلات الضحيتين وزعيمة الشبكة إلى مدينة فاس، فيما لا تزال الأبحاث متواصلة لتوقيف شخصين آخرين يُشتبه في ارتباطهما بالقضية.
ووفق المصادر نفسها، يخضع المتهمون حاليًا للتحقيق أمام قاضي التحقيق بالغرفة الثالثة بمحكمة الاستئناف بفاس، للاشتباه في تورطهم في جرائم تتعلق بالاتجار في البشر والمشاركة فيه، والتغرير بقاصر وهتك عرضها دون عنف، كل بحسب الأفعال المنسوبة إليه.
أصل رواية "النافذين"
خلال البحث في خلفيات القضية، تبين لـ"تيلكيل عربي" أن جزءًا من الروايات المتداولة حاليًا يستند إلى خلط بين الملف الجاري وملف آخر يعود إلى سنة 2023.
وتشير مصادر متطابقة إلى أن قرية با محمد شهدت آنذاك قضية أثارت جدلًا واسعًا، بعد اتهام أستاذ يشغل، في الوقت نفسه، مهمة تمثيلية داخل المجلس الجماعي باستغلال تلميذة، وهي القضية التي رافقها تداول تسجيلات صوتية نُسبت إلى المعني بالأمر.
وتؤكد المصادر أن ذلك الملف انتهى بعد تنازل أسرة الفتاة عن المتابعة، رغم حديث مقربين من القضية عن ضغوط مورست على العائلة من أجل سحب الشكاية.
كما ساهمت معطيات أخرى في تغذية فرضية تورط شخصيات نافذة، من بينها استماع الشرطة القضائية خلال أبحاثها الأخيرة إلى أحد مسؤولي حزب التجمع الوطني للأحرار في إطار مسطرة عادية، غير أن الأبحاث لم تُسفر، إلى حدود الساعة، عن أي متابعة قضائية في حقه.
معطى آخر غذّى "شائعة" النافذين، وهي رواية سمعها الموقع من أكثر من مصدر، تفيد بأن المتهمة الرئيسية في الملف (سعيدة.ا) كانت تنظم ليالي ماجنة بأحد الفيلات بمدينة فاس، يحضرها شخصيات بارزة من مختلف المجالات، وهي رواية لم يتسنَّ لموقع "تيل كيل عربي" التأكد من مصداقيتها.
لنقحم دار الطالبة!
ومن بين المعطيات التي أثارت جدلا واسعا على الصعيد المحلي، ورود اسم دار الطالبة في عدد من التدوينات والمنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن المعطيات التي جمعها "تيل كيل عربي" تفيد بأن إقحام المؤسسة في القضية يعود أساسا إلى وجود علاقة قرابة بين أحد المتهمين المتابعين في حالة سراح وسيدة تشغل مهمة داخل المجلس الإداري للجمعية المسيرة لدار الطالبة.
وإلى حدود المرحلة الحالية من التحقيق، لا تتوفر أي معطيات رسمية تشير إلى وجود علاقة مباشرة بين المؤسسة والوقائع موضوع البحث القضائي.
وسبب ثان جعل عددا من المدونين يتحدثون عن دار الطالبة، هو العلاقات التي تربط الضحيتين في الملف بعدد من قاطنات الدار بحكم زمالة الدراسة.