لا يقتصر دور المحكمة الدستورية على مراقبة مدى مطابقة القوانين للدستور، بل يمتد إلى الإسهام في ترسيخ الثقافة الدستورية وتعزيز احترام أحكام الوثيقة الدستورية داخل المجتمع ومؤسسات الدولة. فمن خلال اجتهاداتها وقراراتها، تسعى المحكمة إلى توجيه المشرع وترسيخ مبادئ دستورية تشكل مرجعا للمواطنين والبرلمان والحكومة على حد سواء، بما يعزز دولة القانون والمؤسسات.
المحكمة الدستورية وصناعة التشريع
وفي هذا السياق، أكد رئيس المحكمة الدستورية، محمد أمين بنعبد الله، أن من بين الغايات التي تتوخاها المحكمة الدستورية، شأنها شأن أي محكمة دستورية في العالم، أن تكون قراراتها مصدر إلهام لاحترام الدستور وضمان مطابقة القوانين لأحكامه بالنسبة لجميع المواطنين.
وأبرز رئيس المحكمة، في معرض حديثه خلال لقاء نظم في إطار زيارة قام بها طلبة ماجستير الدراسات السياسية والدولية، وماجستير الدراسات السياسية والمؤسساتية المعمقة، رفقة منسق الماسترين كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال، إلى المحكمة الدستورية، أن الغاية التي تتوخاها المحكمة الدستورية، شأنها شأن أي محكمة دستورية في العالم، هي أن تكون قراراتها مصدر إلهام لاحترام الدستور وضمان مطابقة القوانين لأحكامه بالنسبة لجميع المواطنين.

وأضاف أنه عندما تنكب المحكمة على معالجة قانون ما وتثير الجوانب غير الدستورية فيه، فإن ذلك لا يشكل مجرد درس، بل يمثل عبرة للبرلمان ولواضعي النصوص القانونية، مستشهدا في هذا السياق بالقرار الأخير المتعلق بالعدول، الذي قال إن المحكمة أثارت فيه من تلقاء نفسها نقطتين، اعتبرهما عبرة للأمانة العامة للحكومة والحكومة.
وتوقف عند أولى النقاط التي أثارتها المحكمة في قرارها المتعلق بالعدول، مبرزا أن مشروع القانون لم ينص على أي آلية تتيح للحكومة الحلول محل الهيئة في حال إخفاقها في أداء مهامها، موضحا أن المشرع لم يستحضر احتمال تعثر الهيئة أو تعذر قيامها بوظائفها، سواء بسبب خلاف بين أعضائها، أو رفضهم الاجتماع، أو توقفهم عن الاشتغال.
وأضاف أنه في مثل هذه الحالات ينبغي أن تتدخل الإدارة، بعد مراسلة الهيئة ومنحها أجلا لمعالجة الوضع، فإذا استمر التعثر تحل محلها وتتخذ ما يلزم من إجراءات، بما في ذلك تنظيم انتخابات جديدة عند الاقتضاء، معتبرا أن غياب هذا المقتضى يجعل النص غير مكتمل من زاوية مبدأ استمرارية المرفق العام المنصوص عليه في الدستور. وأعرب، في هذا السياق، عن يقينه بأن الأمانة العامة للحكومة ستستحضر هذه الملاحظة عند إعداد النصوص القانونية مستقبلا.
وتطرق إلى النقطة الثانية، والمتعلقة بمسطرة تنفيذ قرارات اللجنة التأديبية، مبرزا أن مشروع القانون ينص على أن الوزير يتخذ الإجراءات اللازمة لتطبيق القرار الصادر عنها، دون أن يمنحه صلاحية تشديد العقوبة أو تخفيفها.
وأشار إلى أن الأمر يختلف عن النظام المعمول به في قانون الوظيفة العمومية، حيث يعد قرار المجلس التأديبي بمثابة رأي يرفع إلى الوزير، الذي يمكنه، وفق الشروط القانونية، تشديد العقوبة أو تخفيفها. وأضاف أن المحكمة الدستورية استخلصت من عدم التنصيص على هذه الإمكانية في مشروع القانون أن دور الوزير يقتصر على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ قرار اللجنة التأديبية، وليس تعديله بالتشديد أو التخفيف، ما دام المشرع لم ينص على ذلك صراحة.
المحكمة الدستورية... مسار واختصاصات
وعلى صعيد آخر، استعرض رئيس المحكمة الدستورية تطور منظومة الرقابة الدستورية بالمغرب، مستحضرا أبرز المراحل التي مرت بها منذ أول دستور للمملكة، قبل أن يتوقف عند تركيبة المحكمة الدستورية الحالية واختصاصاتها.
وكشف رئيس المحكمة الدستورية، أن الرقابة الدستورية بالمغرب مرت بعدة مراحل، مبرزا أن الغرفة الدستورية التي أحدثت بعد دستور 1962 كانت اختصاصاتها محدودة، بالنظر إلى طبيعة المرحلة، كما أن فكرة الرقابة الدستورية نفسها لم تكن آنذاك منتشرة على نطاق واسع، باستثناء عدد من الدول التي تبنتها بعد الحرب العالمية الثانية.

وأشار إلى أن المحكمة الدستورية تتكون من 12 عضوا، يعين الملك ستة منهم، بينما ينتخب الستة الآخرون من طرف مجلسي البرلمان، وهما مجلس النواب ومجلس المستشارين.
وأضاف أن دستور 2011 أكد على ضرورة توفر أعضاء المحكمة الدستورية على تكوين قانوني، موضحا أن هذا الشرط لم يكن منصوصا عليه بشكل إلزامي في السابق، رغم وجود أعضاء ذوي تكوين قانوني، ومبررا ذلك بأن القضايا الدستورية هي قضايا قانونية معقدة تستوجب خبرة قانونية، تماما كما لا يمكن إسناد عمل طبي إلى شخص ليست له دراية بالطب.
وفيما يتعلق بواجبات قضاة المحكمة الدستورية، قال إن من أبرزها واجب التحفظ، موضحا أن القاضي الدستوري لا يحق له إبداء رأيه أو التعليق على أي قضية سبق أن عرضت على المحكمة أو يمكن أن تعرض عليها مستقبلا، حفاظا على حياده واستقلاله، وحتى لا يكون قد كوّن موقفا مسبقا من القضايا التي قد ينظر فيها.
ويعكس العرض الذي قدمه رئيس المحكمة الدستورية أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسة في حماية سمو الدستور وضمان جودة التشريع، من خلال رقابة دستورية لا تقتصر على البت في مطابقة القوانين لأحكام الدستور، بل تمتد إلى توجيه المشرع نحو تدارك أوجه القصور التشريعي، بما يعزز الأمن القانوني ويكرس احترام المبادئ الدستورية.
وفيما يتعلق باختصاصات المحكمة الدستورية، أوضح أن من أبرز اختصاصاتها البت في دستورية القوانين، مؤكدا أنه لا يؤيد منح المحكمة صلاحية إثارة الرقابة الدستورية تلقائيا، معتبرا أن هذا التوجه، رغم اعتماده في دساتير بعض الدول، ليس الخيار الأنسب من الناحية الفقهية.
وأضاف أن المحكمة ينبغي أن تمارس رقابتها عندما تحال إليها القوانين، لا أن تبادر من تلقاء نفسها إلى فحص دستوريتها، مشيرا إلى أن غالبية الدول لا تعتمد الرقابة التلقائية، وأن دور المحكمة يظل مرتبطا بالقوانين التي تعرض عليها وفق المساطر القانونية.