أخنوش يودع رئاسة "الأحرار": "لا للزعامات الخالدة.. وأسلم المشعل وأنا مطمئن"

تيل كيل عربي

أنهى عزيز أخنوش، مساء السبت بالجديدة، آخر خطاب له كرئيس لحزب التجمع الوطني للأحرار، بإعلان قرار "نهائي ومفكر فيه بعمق" بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، مؤكدا أن التنظيم "يرفض منطق الزعامات الخالدة”، وأن القيادة "مسؤولية مؤقتة لا امتياز دائم". وفي كلمة مطولة خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب، قدم أخنوش مرافعة سياسية وتنظيمية للدفاع عن حصيلة عقد من قيادة "الأحرار"، قبل أن يزكي منطق التداول الداخلي ويعبر عن ثقته في القيادة المقبلة، متمنيا التوفيق للمرشح محمد الشوكي.

وجاء خطاب أخنوش في سياق استثنائي داخل الحزب، وبالتوازي مع ظرفية وطنية وصفها بـ"الدقيقة والحساسة"، معتبرا أن البلاد مقبلة على "استحقاقات كبرى" تتطلب أحزابا قوية ومسؤولة ونخبا واعية، وأن دور "الأحرار" هو تقديم "نموذج سياسي مختلف" يعيد الاعتبار للعمل الحزبي الجاد ويجدد الثقة بين السياسة والمجتمع.

 

قرار عدم الترشح: "قراءة واعية لمسار الحزب"

وشدد أخنوش على أن عدم سعيه لولاية ثالثة ليس خطوة ظرفية، بل خيار "مبدئي واع" منسجم مع قوانين الحزب ومبادئ الديمقراطية الحزبية، مؤكدا أنه يسلم المشعل وهو "مطمئن" إلى أن الحزب يوجد "في أيد أمينة". وأوضح أن المؤتمر الاستثنائي ينعقد أيضا لأسباب تنظيمية مرتبطة بقرب الاستحقاقات المقبلة، مبرزا أن تجديد الهياكل يحتاج زمنا أطول ومسارا تنظيميا يتطلب عقد 75 مؤتمرا إقليميا قبل الوصول إلى المؤتمر الوطني، ما دفع إلى عرض تمديد ولاية الأجهزة والهياكل للتصويت إلى ما بعد انتخابات 2026.

 

استرجاع المسار منذ 2016: "الوطن أولا… وربط القول بالفعل"

وعاد أخنوش إلى محطة 29 أكتوبر 2016 باعتبارها لحظة "وعي عميق بثقل المسؤولية"، مؤكدا أن الهدف لم يكن قيادة تنظيم فقط، بل "المساهمة في تصحيح سياق سياسي عام" عبر الوضوح وربط القول بالفعل وإعادة الثقة في السياسة كأداة للتغيير. واستحضر انطلاق "المسار" ميدانيا منذ 2017 من الجديدة، مع ما سماه بناء حزب "قوي ومتماسك" بأدوات اشتغال حديثة وديمقراطية داخلية تضمن تكافؤ الفرص وتدمج المناضلين دون إقصاء.

وفي هذا الإطار، قدم أخنوش مرجعية الحزب باعتبارها "الديمقراطية الاجتماعية" التي توازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، مع وضع "الإنسان في قلب السياسات العمومية" دون إغفال متطلبات النمو والاستدامة.

 

"مسارات" التنظيم: من المؤتمرات الجهوية إلى "100 يوم 100 مدينة"

وسلط أخنوش الضوء على ما اعتبره عماد تجربته الحزبية: العمل المنبثق من الميدان. وقال إن الحزب أطلق سنة 2018 مؤتمرات جهوية لم تكن محطات شكلية، بل فضاءات للنقاش المفتوح والحوار الصريح، أفضت إلى بلورة "مسار الثقة" كمساهمة في النقاش العمومي حول الإصلاح، انطلاقا من "أصوات المواطنات والمواطنين" وأولوياتهم.

وحدد أخنوش هذه الأولويات في ثلاثية: الولوج "السلس والكريم" للخدمات الصحية، وتعليم جيد يضمن تكافؤ الفرص، وتشغيل "مدمج وعادل". واعتبر أن هذه الأولويات ليست شعارات، بل ركائز للاستقرار المجتمعي وأرضية للنمو الاقتصادي وأساسا للعدالة الاجتماعية.

كما استحضر مبادرة "100 يوم، 100 مدينة" التي استهدفت المدن الصغرى والمتوسطة عبر مختلف جهات المملكة، باعتبارها تجربة قرب ميداني انتهت إلى إطلاق "مسار المدن"، مؤكدا أن المواطن كان "في حاجة إلى من يستمع إليه”"قبل أي شيء.

وانتقل أخنوش إلى مرحلة 2021، معتبرا أن البرنامج الانتخابي كان خلاصة مسارات الاستماع والتشخيص، وأن الفوز بالصدارة لم يُنظر إليه كـ"انتصار حزبي ضيق"، بل كمسؤولية وأمانة تفرض الوفاء بالالتزامات. وأكد أنه حرص منذ اليوم الأول على تشكيل أغلبية حكومية "قوية ومتماسكة" تعمل بمنطق الفريق بدل التنازع، وبروح المسؤولية المشتركة بدل الحسابات الضيقة.

وفي سرد أبرز ما يعتبره إنجازا سياسيا، وضع أخنوش "تعزيز أسس الدولة الاجتماعية الحقيقية" في مقدمة العناوين، متحدثاً عن تعميم التغطية الصحية و"إطلاق نظام الدعم الاجتماعي المباشر" لفائدة ملايين الأسر، إلى جانب الاستثمار في المدرسة والصحة وكرامة المواطنين، وتثبيت الحوار الاجتماعي كرافعة للاستقرار. كما أشار إلى الحرص على التوازنات الماكرو-اقتصادية باعتبارها شرطا لاستدامة السياسات الاجتماعية واحتواء موجات التضخم، مؤكدا أن تقديم الحصيلة "بكل معطياتها الدقيقة وأرقامها الواضحة" سيكون في "الوقت والسياق المناسبين".

وفي شق حزبي تنظيمي، أكد أخنوش أن الحفاظ على الثقة لا يكون بالنتائج الانتخابية وحدها، بل بالفعل اليومي والإنصات، مستحضرا إطلاق "مسار التنمية" ثم "مسار الإنجازات" كتجربتين للتواصل الميداني وربط حصيلة العمل المحلي بالإصلاحات الحكومية الكبرى، خصوصاً في التشغيل والتعليم والصحة. وخص بالذكر محطات متعددة من الأقاليم الجنوبية إلى طنجة، مقدما الشكر لمناضلي الجهات، ومعتبرا أن هذه الجولات رسخت "مسار الإنصات الحقيقي والقرب الصادق" و"ربط الوعد بالنتائج".

ودافع أخنوش عن اختيارات الحزب في تجديد النخب وإدماج الشباب والنساء عبر إحداث 19 منظمة موازية، وتقوية الحزب جهوياً وترسيخ القرار المنبثق من القواعد. واعتبر أن عدد المنخرطين والحضور البرلماني والمنتخبين والامتداد الترابي “ليست مجرد أرقام”، بل مؤشرات على "صحة تنظيمية وسياسية جيدة" وموقع الحزب كـ"قوة حزبية أولى" بما يفرض مسؤولية مضاعفة تجاه الوطن.

 

رسالة الوداع: “انتقال هادئ ومسؤول” لا انسحاب

وفي نهاية كلمته، تحدث أخنوش قائلا إن المسار كان مليئاً بالتحديات والاختيارات الصعبة، لكنه ظل مؤمناً بأن السياسة عمل نبيل متى ارتبط بالصدق وخدمة الصالح العام. وردد عبارة محورية: "لا عدو لنا سوى الفقر والهشاشة"، مؤكدا أن المعركة الحقيقية هي ضد الإقصاء والحرمان وكل ما يمس كرامة المواطن.

كما وجه شكره لوالده الراحل الذي قال إنه غرس فيه معنى الالتزام، وشكر عائلته وفريق عمله، قبل أن يؤكد أن ما يجري "ليس انسحابا من الالتزام"، بل "انتقالا هادئا ومسؤولا" يفتح الطريق أمام جيل جديد ويجدد دماء العمل السياسي، مع الدعوة إلى الالتفاف حول القيادة المقبلة والاستعداد للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.