... أو حينما تترك فينا بعض الأدوية النظرية، أعراضا جانبية محفزة مشجعة.
إهداء خاص إلى معلمي...
... بعد أن وصلت إلى بيته المنعزل عن الناس ومظاهرهم، والمُطلّ مباشرة على ضفاف المحيط الأطلسي ـ على طريقة الفلاسفة قبل سقراط، ترجلت من سيارتي ـ إذا به يقف أمام الباب باسم الثغر كعادته، كان دقيقا في مواعيده كما عهدناه دوما، بدا لي شخصا غير مألوف عن العادة والتكرار. كان يرتدي جلبابا تقليديا على غير عادته،لقد بدا لي طالبا نبيها قادما من جامعة القرويين أو الأزهر، وهو الذي يضرب به المثل في الأناقة والاختيار المثالي. كان إيمانه بالفلسفة الإغريقية جمع بين الدُّربة العقلية وحسن المظهر، يحمل حقا إرثا ضاربا في القدم، دون أن يبخسه أو يعتبره أمرا كان مُنزّلا ذات يوم، ثم ما فتئ أن صار وسار بقوة الزمن والتاريخـ ربما لهذا الأمر كنت أقول دوما لطلبة الصف: كل شيء بدأ مع الإغريق وكل شيء انتهى معهم ـ وكانت أيضا نظرته للزمن نظرة انتقائية، يميز فيها بين زمن الاقتصاد والفيزياء والرياضيات والفلسفة، معتبرا أن زمن العلم الأول والثاني يتميزان بالتسارع، خاصة بعد نهاية القرن التاسع عشر وحلول القرن العشرين. أما زمن الرياضيات فإن أزماته تكاد لا تتكرر إلا بعد مرور ردح كبير من القرون.
"وماذا عن زمن الفلسفة؟ زمن بدون ارتجاج؟ بالعكس! ارتجاجه داخلي يُكمّلُ المعنى دون أن يبرح الأصل، يعيد نفس السؤال وينشغل به مرة أخرى، بلغة مختلفة وفي حقبة مختلفة أيضا، إلا أنه يحافظ على طبيعته وسحره. لهذا فإن فيلسوفا كبيرا مثل أنكسماندرس، أو فيتاغوراس أو زينون الإيلي، أو زينون الكتيوسي Zénon de citon أو القبرصي مثلما يقول البعض، أو أرسطو، أو أبولونيوس التياني Apollonios de tyane... ومثلهم على نفس المنوال، ابن سينا وابن رشد وألبرت الكبير ودان سكوت... وكبار الحقبة الحديثة من بايكون وديكارت وهيوم وكانط وهيجل... كل هؤلاء ليسوا من القدماء إلا مجازا، أو بالأحرى انتماء إلى حقبة ما. لكنهم على المستوى الواقعي، فلاسفة معاصرون لشوبنهاور ونيتشه وكيركجارد وهوسرل وفيتغنشتين وهايدغر وفوكو ودولوز... إشكالاتهم لا تختلف تماما عن إشكالاتنا مهما بدت لنا المقارنة صعبة، أو جنونية أيضا بالنسبة للبعض.
إن سؤال الحب الذي اشتغل عليه أفلاطون في المأدبة، نراه الآن حاضرا داخل ردهات محاكم الأسرة ومكاتب المحققين ورجال الشرطة لحظة ارتكاب جرائم باسم المحبة، هو موضوع كبريات الأفلام السينمائية، والروايات العالمية، بل وحتى بعض النظريات الرياضية، وموضوع نقاشات الفقراء في المقاهي والأغنياء في الصالونات الفارهة... إنهم أفلاطونيون رغما عنهم، يعيدون كتابة فلسفة المأدبة، يطرحون نفس السؤال: ما الحب؟ يجيبون أجوبة مختلفة باختلاف زوايا نظرهم، لكنهم ينشغلون بمواضيع الإغريق رغم أنهم ليسوا منهم.."
كان هذا مقتطفا متخيلا من بعض محاضراته التي كنا نجلس فيها بخشوع رهيب. يكفي أن يحضر بيننا حتى يصمت الجميع دون أن يتكلم، وجوده كاف لأن يغير ما كنا فيه وما نحن عليه الآن... كان محبا كبيرا للرياضيات ومتعمقا في أبرز نظرياته، أما الشعر فقد كان يحفظه عن ظهر قلب، كان ملمّا بشعر ما قبل الإسلام وما بعده. ولما كنت متأثرا به كثيرا، صادف أن سرنا معا غداة نهاية إحدى المحاضرات، حدثُّه مطولا عن شاعر ورياضي فرنسي اسمه jacques roubaud وكيف كان يَنظم سطور شعره بناء على بعض المتتاليات الرياضية، حقا إنه عبقري زمانه، وهو الذي أضفى على الرياضيات جانبا شاعريا، وعلى الشعر سحرا رياضيا. قلت لفيلسوفنا الأستاذ: ـ ألا ترون معي أنه نسخة مزدوجة لفيتاغوراس الذي لمّ جاموعا عاشقا، يضم بين جوانبه الرياضيات والتصوف والفلسفة والموسيقى؟ ربّت على كتفي وقال لي: كيف وجدت هذا الشاعر؟! حقا أحيي فيك فضول البحث، اطلع على أعماله لأنها مثيرة تجمع بين الحساب والمشاعر.
علقت تشجيعه كوسام على صدري، ثم تطورت علاقتنا فأصبحنا أصدقاء، كنت أزروه وأنا أحمل معي مذكرة وقلما كي أدوّن ما يجب تدوينه، إذ بالرغم من أن نقاشاتنا كانت تصب دوما فيما هو غير رسمي، إلا أني كنت أغرف منها في احترام كبير بين الأستاذ والتلميذ. كانت له نظرة مغايرة للأشياء، وقد تعلمت أن أنظر إلى العالم نظرة مغايرة بفضله طبعا. لكن سينتقل هذا الفيلسوف إلى مدينة صغيرة لأنه لم يعد قادرا على تحمل العيش داخل المدن الكبرى، وما تحمل بين طياتها وفي جوانبها من قبحوضجيج يقتل فينا زمن الفلسفة الذي يتغير ببطء، ويذكرنا بزمن الاقتصاد والفيزياء المتسارع تغيره وتغييره للأشياء والأحوال والأشخاص...
لما ضايفني في بيته بكرمه المعتاد، لم يعاملني كزائر عابر، وإنما كوجود لا يستحق المجاملة أو شيء من هذا القبيل، اعتبرني جزءا من المكان، بل إنه كان يتصرف بعفوية كبيرة زادت من إعجابي به. كان يدخن غليونه وبجانبه بعض الكتب التي لن أذكر اسمها حفاظا على ما هو شخصي.
ثم أخذنا الحديث طويلا، كان نقاشا عاديا بالنسبة إليه، لكنه كان درسا بليغا بالنسبة إلي، وبالرغم من أنه أزال جدران العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، إلا أني أحتفظ بتلك النظرة الأولى نحوه، نظرة يطبعها الاحترام والتفاؤل بفيلسوف راقص خفيف: يمنحنا العدّة، يضعنا بين نصوصه الأصيلة المختارة بعناية، ثم ينصرف تاركا أثرا وجدانيا في العقل، وإن كان العقل يرفض ذلك طبعا!
ثم سينتهي اللقاء الذي تحدثنا فيه عن مواضيع كثيرة مثيرة، وبنفس طريقة الاستقبال، سيودعني بلطف وحرارة حينما سيرافقني إلى الخارج بكل نبل معهود، رفع يده وقال لي بنبرة اسبينوزية:
ـ طريق السلامة والله معاك.شغل به مرة أخرى، بلغة مختلفة وفي حقبة مختلفة، إلا أنه يحافظ على طبيعته وسحره، لهذا فإن فيلسوفا كبيرا مثل أنكس