كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن أوضاع الحق في الصحة تستمر في التردي في ظل جملة من التحديات البنيوية التي تعيق تمتع المواطنين والمواطنات بحقهم المشروع في رعاية صحية عادلة، شاملة، وذات جودة، لكل المغاربة دون استثناء أو تمييز، كما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب.
وأشارت الجمعية خلال الندوة التي عقدتها، اليوم الجمعة 28 فبراير 2025، إلى أن أبرز هذه التحديات يتمثل في ضعف التمويل العمومي للقطاع الصحي، حيث لا تزال الميزانية المخصصة لوزارة الصحة تتراوح ما بين 5 بالمائة و6 بالمائة من الميزانية العامة، في حين توصي منظمة الصحة العالمية برفع هذه النسبة إلى 12 في المائة كحد أدنى لضمان حد أدنى من الخدمات الصحية.
ولفتت الانتباه إلى أن الإنفاق الصحي لا يتجاوز 6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي الذي يقارب 10 بالمائة، هذا القصور المالي يفرز تبعات خطيرة على مستوى توفر الخدمات، وجودتها، ومجانية الولوج إليها.
وأفادت الجمعية أن هذا الوضع يفاقم النقص الحاد في البنية التحتية الصحية، إذ لا تزال العديد من المستشفيات والمراكز الصحية تفتقر للتجهيزات الأساسية، والمعدات الطبية الضرورية، والأدوية الحيوية، وأفضى هذا إلى إغلاق أكثر من 150 مركزا صحيا في مختلف مناطق المغرب، فيما تشهد العديد من المراكز الأخرى ارتيادا ضعيفًا نتيجة هشاشة الخدمات، كما تعاني المنظومة الصحية من خصاص مهول في الموارد البشرية سواء على مستوى الأطباء، الممرضين، أو الأطر الصحية التقنية والإدارية، ما يضعف القدرة التشغيلية للمرافق الصحية ويؤثر بشكل مباشر على نوعية الخدمات المقدمة.
هاجس الفساد الصحي
في هذا الإطار، أبرزت الجمعية أن من بين مظاهر الخلل العميق غياب العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية، حيث لا يتمتع جميع المواطنين بنفس مستوى الولوج إلى الرعاية، وتسجل تفاوتات صارخة بين المناطق الحضرية والمناطق القروية، وخاصة في الجهات الهشة والمهمشة التي تعاني من تراجع الخدمات أو غيابها شبه التام.
أما في ما يخص جودة الخدمات الصحية، فأوردت الجمعية في تقريرها أن العديد من المرافق تعاني من ضعف كبير في شروط النظافة والتعقيم، وتدني ظروف الاستقبال والمعاملة، ما يقوض الحق في رعاية صحية كريمة وآمنة، مشيرة إلى أن هذا الوضع يؤدي إلى استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية، مثل داء السل والتهاب الكبد الفيروسي، إلى جانب معدلات مقلقة لوفيات الأمهات والأطفال، في ظل غياب خدمات صحية استعجالية ووقائية فعالة.
وفي السياق ذاته، كشفت الجمعية أنه لا يمكن الحديث عن الوضع الصحي دون الإشارة إلى الفساد الذي ينخر القطاع، وغياب الشفافية والمساءلة في تدبير موارده وخدماته، مما يعرقل كل جهود الإصلاح ويُضعف ثقة المواطن في المؤسسات الصحية، كما أن غياب الحكامة الجيدة ومراقبة الأداء، يُسهم في استدامة الوضع القائم بدل تجاوزه.
وسجلت في تقريرها، أن الدولة تدعي أنها حققت تقدماً ملموساً في مجالات التغطية الصحية، وارتفاع معدل العمر المتوقع، وتوسيع البنية التحتية الصحية، إضافة إلى الدفع نحو التغطية الصحية الشاملة، غير أن الواقع يكشف تناقضاً واضحاً مع هذه الادعاءات، إذ ما تزال التحديات قائمة بقوة، خاصة ما يتعلق بنقص الموارد البشرية والكوادر الصحية، واستمرار التفاوتات المجالية، وضعف تمويل القطاع، إلى جانب ضعف الأداء الفني للشبكة الصحية العمومية. أما الإصلاحات التي تصفها الحكومة بالطموحة والممهدة لمسار إيجابي، فليست على أرض الواقع إلا مجرد محاولات لحجب الأزمة الحقيقية التي يعيشها القطاع الصحي في البلاد.
واقع صادم للحماية الاجتماعية
وفيما يتعلق بالحق في الحماية الاجتماعية سجلت الجمعية، من خلال تقريرها السنوي 2024، استمرار إخفاق الدولة في الوفاء بالتزاماتها الحقوقية المتعلقة بضمان هذا الحق الأساسي، الذي تكفله المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، سواء تلك التي صادقت عليها الدولة أو التي لم تتحفظ عليها بشكل صريح.
وأشارت إلى أن المعطيات المرصودة خلال سنة 2024 كشفت عن مجموعة من الاختلالات البنيوية والهيكلية التي تطال منظومة الحماية الاجتماعية، والتي تعمق هشاشة الفئات الضعيفة، وتحد من العدالة الاجتماعية والمجالية، وتجعل من هذا الحق ممارسة جزئية وغير شاملة.
وأبرزت أن المؤشرات الدالة على الخلل تتجلى في استمرار حرمان أكثر من 60 بالمائة من الساكنة النشيطة من أي نظام للمعاشات التقاعدية، في تعارض تام مع مبدأ الإنصاف والاستدامة الاجتماعية، ووجود ما لا يقل عن 800 ألف أجير في القطاع الخاص غير مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يشكل خرقاً لحقوقهم الاجتماعية الأساسية.
وأفادت أن 50 بالمائة من اليد العاملة تشتغل في القطاع الفلاحي والأنشطة غير المهيكلة دون أي حماية قانونية أو اجتماعية فعلية. إلى جانب انعدام التغطية الصحية لفائدة ما يقارب 46 بالمائة من الساكنة النشيطة ما يكرس التمييز ويقوض مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات الصحية.
ولفتت الانتباه إلى الغياب شبه التام لأنظمة التأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية بالنسبة لغالبية العمال، وهو ما يضعهم في أوضاع هشة، دون حماية أو تعويض في حال الإصابة. بالإضافة إلى غیاب نظام شامل خاص بالحماية الاجتماعية للأطفال، والعاطلين عن العمل، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن في وضعية هشاشة، وهو ما يتنافى مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال الرعاية الاجتماعية وحماية الفئات الهشة.
وأضافت أن الأنظمة الإجبارية للضمان الاجتماعي ما تزال محدودة وغير عادلة، سواء من حيث نسب التغطية أو جودة الخدمات، ففيما لا تتجاوز تغطية أنظمة التقاعد 40 بالمائة من الساكنة النشيطة، فإن عدد المستفيدين من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لا يتعدى 5.8 ملايين شخص، وهي نسب تظهر فشلا واضحا في بلوغ هدف التغطية الشاملة.
وعبرت الجمعية عن قلقها العميق إزاء هذا الوضع، واعتبرت أن التقدم في مجال الحماية الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق من دون إرادة سياسية حقيقية لإقرار إصلاحات عميقة ترتكز على الحقوق والمساواة، وإرساء منظومة شاملة منصفة، وفعالة للحماية الاجتماعية، تستجيب لحاجيات كل المواطنات والمواطنين، وتكفل كرامتهم في مختلف مراحل حياتهم.