في خطوة تحمل دلالات رمزية في المشهد الحقوقي الدولي، تبدأ اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لمنع التعذيب (SPT) زيارة عمل رسمية إلى فرنسا خلال الفترة من 17 إلى 23 ماي لتفتيش وتقييم السجون ومراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء البلاد، في ما يكسر صورة نمطية كلاسيكية سادت في أدبيات العلاقات الدولية، لطالما قدمت عواصم الغرب والشمال العالمي في موقع "الموجه والمراقب" لملفات حقوق الإنسان.
يقود الوفد الخبيرة اللبنانية سوزان جبور، المتخصصة في إعادة تأهيل ضحايا التعذيب وإدارة آليات الوقاية وضمانات الحماية.
ويبرز ضمن أعضائه الطبيب النفسي والخبير الحقوقي المغربي البروفيسور عمر بطاس، بما يعزز قدرة اللجنة على تفقد المصحات العقلية والمؤسسات النفسية في فرنسا، ورصد أوضاعها الداخلية وما قد يعتريها من ممارسات العزل أو تقييد الحرية، وهي أوضاع يصعب تقييمها دون خبرة طبية متخصصة.
ويساهم كل من الخبير السنغالي حاميت سالوم دياخاتي والموريشيوسي بول لام شانغ لين في إضفاء بعد قانوني على عمل الوفد، من خلال خبرتهما الواسعة في الرقابة القضائية وتدقيق الإجراءات الإدارية داخل مراكز احتجاز المهاجرين.
ويرافق الوفد مسؤولان عن حقوق الإنسان من مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة.
وتأتي هذه الزيارة، التي تأجلت في وقت سابق بسبب القيود المالية للأمم المتحدة، في أعقاب مصادقة فرنسا على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب (OPCAT) عام 2008.
وسيقوم الوفد بالفحص المباشر لمعاملة وظروف الأشخاص المحرومين من حريتهم في مجموعة متنوعة من مراكز الاحتجاز، فضلا عن تقييم التدابير الوقائية القائمة لمنع التعذيب وسوء المعاملة، حيث تشمل صلاحياته زيارة السجون ومراكز احتجاز الشرطة والدرك والمؤسسات النفسية ومراكز احتجاز المهاجرين، وأي مكان آخر قد يحرم فيه الأفراد من حريتهم.
وفي هذا السياق، صرحت رئيسة الوفد سوزان جبور أنه "نتطلع إلى التواصل البناء مع السلطات الفرنسية ومع جميع الأطراف المعنية، لدعم جهود فرنسا في تعزيز الضمانات الممنوحة للأشخاص المحتجزين"، مؤكدة أن "هذه الزيارة تمثل فرصة لتقييم الوضع على أرض الواقع وإعادة تأكيد التزامنا المشترك بمنع التعذيب وسوء المعاملة في جميع أماكن الحرمان من الحرية".
وخلال فترة الزيارة، سيلتقي الوفد بممثلي الوزارات المعنية والسلطات القضائية وأعضاء الهيئة التشريعية والمدعين العامين والقضاة.
وستتواصل اللجنة مع الآلية الوطنية للوقاية (NPM) في فرنسا، المتمثلة في "المراقب العام لأماكن الحرمان من الحرية" (CGLPL)، لإجراء زيارات مشتركة لمرافق الاحتجاز، تماشيا مع النهج التعاوني الذي يمثل ركيزة أساسية في إطار البروتوكول الاختياري (OPCAT).
وفي ختام المهمة، ستقدم اللجنة الفرعية ملاحظاتها الأولية السرية إلى السلطات الفرنسية، على أن يشارك لاحقا تقرير مفصل يتضمن نتائجها وتوصياتها مع باريس، في حين تشجع اللجنة الفرعية السلطات الفرنسية على نشر هذا التقرير علنا تحقيقا لمبادئ الشفافية والمساءلة.
وتعد اللجنة الفرعية لمنع التعذيب (SPT) آلية دولية رفيعة تابعة للأمم المتحدة، وتملك صلاحيات واسعة بموجب القانون الدولي، حيث يمنح خبراؤها حق الوصول المباشر والمفاجئ وغير المشروط إلى أي موقع يحرم فيه الإنسان من حريته، دون حاجة إلى إذن مسبق تفصيلي، وذلك للتحقق من ظروف الاحتجاز ومنع أي ممارسات غير إنسانية.
ويذكر في هذا السياق أن المغرب أعيد انتخابه، في شخص البروفيسور عمر بطاس، ضمن هذه اللجنة لولاية تمتد من 2025 إلى 2028، خلال الانتخابات التي جرت بمناسبة الاجتماع العاشر للدول الأطراف في جنيف.