"حاجز إداري" أمام المبادرة البرلمانية.. "سن الرشد الرقمي" نموذج لاختلال التوازن

محمد فرنان

أفاد مصدر لـ"تيلكيل عربي" بأن "اللجنة التقنية لدراسة مقترحات القوانين" رفضت مقترح قانون بتحديد سن الرشد الرقمي، الذي تقدم به المستشار البرلماني عبد الكريم الهمس، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين في ماي المنصرم.

وكان المقترح المرفوض يهدف بشكل أساسي إلى تحديد سن الرشد الرقمي في ست عشرة سنة، وبموجبه يمنع كليا القاصرون الأقل من هذا السن من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تيكتوك".

إن هذا الرفض يضع عمل اللجنة الحكومية في صلب جدل دستوري وسياسي حول مدى سلطة الحكومة في تقييد المبادرات التشريعية للبرلمان.

وتبرز أهمية هذه اللجنة تحديدا بعد تفعيل أحكام المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 065.13، وهو القانون المعني بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، مما يمنح اللجنة سندا قانونيا لتكون بمثابة "مرشح" للمقترحات قبل عرضها على مجلس الحكومة.

السلطة على مقترحات القوانين

جاء إحداث اللجنة التقنية لدراسة مقترحات القوانين بموجب مرسوم رقم 2.23.965 الصادر في 17 ربيع الآخر 1445 (2 نوفمبر 2023).

وتناط بهذه اللجنة مهام مركزية لا تقف عند حدود الدراسة الشكلية، بل تتجاوزها إلى تنسيق مواقف القطاعات الحكومية من مقترحات القوانين، تمهيدا لتحديد الموقف النهائي للحكومة منها.

ويمتد دورها ليشمل إبداء رأيها وملاحظاتها واقتراحاتها بشأن هذه المقترحات، مع العمل على اقتراح التدابير لتعزيز تفاعل الحكومة مع المبادرات التشريعية البرلمانية.

هذا التفويض الواسع يجعل اللجنة، التي يترأسها ممثل عن رئيس الحكومة، بوابة عبور أو رفض للمشاريع التشريعية الصادرة عن أعضاء البرلمان من الأغلبية والمعارضة على حد سواء.

وتتألف هذه اللجنة من ممثلين عن سلطات حكومية رئيسية، حيث تضم ممثلا عن رئيس الحكومة بصفته منسقا لها، وممثلين عن كل من الأمانة العامة للحكومة، والسلطات الحكومية المكلفة بالداخلية، والمالية، والعلاقات مع البرلمان. ويشترط في هؤلاء الممثلين أن يكونوا من درجة مدير مركزي على الأقل.

الطابع الإداري

إن تركيبة اللجنة التي يغلب عليها الطابع الإداري والتنفيذي، مع اشتراط درجة المدير المركزي، تشير إلى أن القرار الفعلي بشأن المبادرات التشريعية البرلمانية يحسم في مستوى إداري عال داخل الجهاز التنفيذي، مما يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ الفصل المرن للسلطات.

فالأمين العام للحكومة يتولى توزيع مقترحات القوانين على أعضاء الحكومة لإبداء الرأي بشأنها، ويطلب من الأعضاء موافاة الأمين العام بـ "ملاحظاتهم... مدعمة بمبررات قبولها أو رفضها كليا أو جزئيا".

هذا المسار يعلي من كفة الرأي الحكومي الإداري والفني على حساب الإرادة التشريعية المنتخبة، ويجعل اللجنة تمس بشكل مباشر سلطة البرلمان في التشريع.

يظهر تأثير اللجنة جليا في حالة رفض مقترح تحديد سن الرشد الرقمي في ست عشرة سنة لمنع القاصرين الأقل من ذلك من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كـ "فيسبوك" و"تيكتوك".

توصية مؤسسة رسمية

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أصدر رأيا معنونا بـ "من أجل بيئة رقمية دامجة توفر الحماية للأطفال"، الذي تمت المصادقة عليه بالإجماع بتاريخ 28 مارس 2024.

وارتكز هذا الرأي على ضرورة ملاءمة الإطار القانوني الوطني مع المعايير الدولية لضمان حماية ناجعة ومستدامة للأطفال في البيئة الرقمية، لا سيما في ظل الغياب المؤثر لآليات قانونية مؤطرة لاستعمال القاصرين لشبكات التواصل الاجتماعي.

وبناء على ذلك، شدد المجلس في توصياته على ضرورة "تحديد سن الرشد الرقمي"، والمقصود به السن الذي يمكن للطفل فيه الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي دون الحاجة لموافقة الوالدين.

ولم يكتف المجلس بالتوصية بتحديد السن، بل أوصى كذلك بوضع آليات قانونية ملزمة لمقدمي خدمات شبكات التواصل الاجتماعي، تتمثل في الالتزام برفض تسجيل القاصرين الذين لم يبلغوا سن الرشد الرقمي المحدد، ما لم يتم الحصول على موافقة صريحة من ولي الأمر.

وأوصى المجلس بمنح الوالدين أو أولياء الأمور إمكانية المطالبة بتعليق حسابات الأطفال في حال وجود مخاطر أو انتهاكات، ووضع آليات فعالة لمراقبة الأوقات التي يقضيها الأطفال في استخدام الشبكات، مع إرسال إشعارات منتظمة إليهم لتعزيز الاستعمال الواعي.

القانون الفرنسي

ولدعم توصياته، استعرض المجلس التجارب التشريعية الدولية ذات الصلة، مشيرا إلى أن القانون الفرنسي رقم 2023-566، الصادر في 7 يوليوز 2023، حدد سن الرشد الرقمي بخمسة عشر عاما.

ووفقا لهذا النموذج، يلزم مقدمو خدمات مواقع التواصل الاجتماعي برفض تسجيل القاصرين الذين تقل أعمارهم عن خمسة عشر عاما، إلا إذا تم الحصول على ترخيص صريح ومسبق من ولي أمر الطفل.