في ظل الجدل الذي عرفه مشروع القانون رقم 70.24 المتعلق بتعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربات برية ذات محرك، أمس الثلاثاء، خلال التصويت عليه بالجلسة العامة بمجلس النواب، يكشف سعيد بعزيز، رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، وعضو الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية، عن معطيات بخصوص ما اعتبره "تشريعا على المقاس" استفادت منه شركات تأمين على حساب حقوق الضحايا.
في هذا الحوار مع "تيلكيل عربي" يشرح بعزيز خلفيات موقفه، ويكشف مؤشرات قال إنها تؤكد وجود تدخلات لفائدة مقاولات، موجها انتقادات لتعطيل مدونة الأخلاقيات واستمرار تضارب المصالح داخل اللجان النيابية.
خلال الجلسة العامة اتهمتم عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، بأنه شرع على المقاس لخدمة شركات التأمين، ما خلفية هذا الاتهام؟
نحن نخاطب الحكومة بصفتها الجهة المسؤولة عن التشريع، والنقاش الذي دار اليوم يتعلق بتغول مقاولات التأمين في مشروع القانون رقم 70.24 القاضي بتغيير وتتميم الظهير الشريف رقم 1.84.177 الصادر في 2 أكتوبر 1984، المتعلق بتعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربات برية ذات محرك. فالحكومة، خلال تقديمها لمشروع القانون، صرحت للأغلبية والمعارضة معا بأنها توصلت إلى توافق مع مقاولات التأمين، ممثلة في وزارة العدل ووزارة الاقتصاد والمالية، حول صيغة المشروع.
هذا المشروع كان يتضمن المادة 7 التي تنص على إجراء أساسي ومهم للضحايا، وهو سريان التنفيذ الفوري على الحوادث التي لم تتم تسويتها بعد، لكن في اللحظات الأخيرة، وقبل وضع التعديلات، تقدم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بطلب تأجيل بمفرده، وليس ضمن الأغلبية، وبصفتي رئيسا للجنة، لم يكن بإمكاني إلا التجاوب مع الطلب، تبعا لما ينص عليه النظام الداخلي لمجلس النواب والأعراف المعمول بها.
وبعد التمديد، ظهر تعديل يسحب المقتضى المتعلق بالتنفيذ الفوري لفائدة الضحايا، ويجعل سريان القانون مقتصرا على الحوادث اللاحقة لدخوله حيز التنفيذ، هذا الإشكال طرح بقوة داخل اللجنة، وتوقفت أشغالها يوم 3 نونبر المنصرم، وقلنا للحكومة آنذاك إن ما يحدث هو تشريع على المقاس، وإن فيه شبهة فساد، ولا يمكن أن يقبل البرلماني أن يسير بطريقة آلية وفق رغبات جهات ما.
وقلت إن الأمر يتعلق بتدخل واضح لفريق معين استجابة لضغوطات بعض أعضائه، من أجل تعديل ذلك المقتضى لفائدة مقاولات التأمين.
وطبعا يحتكم في النهاية للتصويت، وهذا ما تم، حيث صوتت الأغلبية لصالح التعديل بعد أن رفضته المعارضة.
وخلال الجلسة العامة، جددنا التأكيد على أن مقاولات التأمين مقاولات وطنية ينبغي أن تتحلى بروح المواطنة، ولا ينبغي أن تتغول على حساب حقوق المواطنات والمواطنين. وطالبنا بالإبقاء على صيغة الاتفاق التي كانت بين الحكومة وهذه المقاولات، حتى يستفيد الضحايا الذين لم تتم تسوية ملفاتهم بعد، لكن ما جرى يؤكد أنه كان بالفعل تشريع على المقاس.
هل لديكم معطيات تثبت وجود تدخلات لفائدة شركات تأمين معينة؟
نعم، هناك مؤشرات واضحة، وزير العدل نفسه قال داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، إن سريان التنفيذ الفوري لمشروع القانون سيفقد شركات التأمين حوالي 5 مليارات درهم، وإن التعديل سيسمح لها بالاحتفاظ بهذا المبلغ، هذا تصريح رسمي.
لكن الملف يعني شركات التأمين بصفة عامة، غير أنكم تطرقتم في مداخلتكم إلى شركة كان لديها تعاقد مع مجلس المستشارين؟
هذه لا تحتاج إلى إثبات، الكل يعرف أن مقاولة تأمين كانت متعاقدة مع الغرفة الثانية خلال النصف الأول من هذه الولاية، وتم فسخ العقد معها في النصف الثاني، والمعني بالأمر جاء إلى هذه الغرفة من أجل التعاقد معها وتم رفضه، وهو نفسه الذي تدخل من أجل إدخال هذا التعديل، وتم التوافق معه باعتباره ينتمي إلى حزب من الأغلبية، هذه وقائع معروفة وليست بحاجة إلى مزيد من الإثبات.
هذا غير كاف للاتهام بالتشريع على المقاس، فالكلام شيء والإثبات شيء آخر
نحن نعاين ذلك بأم أعيننا، وهل نحتاج إلى إثبات أكثر من ذلك؟ التصريحات التي صدرت عن الحكومة داخل اللجنة، وقدوم من يقف خلف التعديل للغرفة الأولى خلال مرحلة مناقشة المشروع، كلها مؤشرات كافية وواضحة.
هناك فساد، وهناك لوبي تابع هذا المشروع خطوة بخطوة، وتمكن من إدخال تعديل يضر بالضحايا ويخدم مصالح شركات التأمين، نحن نرى ذلك بشكل مباشر، وتصريحات وزير العدل داخل اللجنة تؤكد ذلك.
عندما تحرم فئات واسعة من حقها في التعويض الفوري لصالح شركة أو مجموعة شركات، فهذا يعكس اختلالا خطيرا في عملية التشريع.
هل يعني هذا أنكم تنضمون إلى موقف العدالة والتنمية بخصوص "التشريع على المقاس"؟
لابد أن أوضح أمرا أساسيا، نحن، في الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية، كنا أول من أودع لدى مكتب مجلس النواب مقترح قانون بشأن الإثراء غير المشروع، ويتكون من حوالي30 فصلا يشمل الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح واستغلال النفوذ، هذه كلها مظاهر أزمة بنيوية في الأداء التمثيلي.
وتضارب المصالح يظهر حتى في تركيبة اللجان النيابية الدائمة، فهناك نواب يرتبط اختيارهم للجان بمصالحهم الخاصة: الفلاح في لجنة الفلاحة، والصانع في لجنة الإنتاجية، ومن يشتغل في الكهرباء في لجنة البنيات الأساسية، ونفس الشيء في الصيد البحري. هذا مشكل لا يحل إلا بقانون واضح يضع قواعد صارمة تمنع تداخل المصالح الخاصة مع التشريع.
كما أن مدونة الأخلاقيات في النظام الداخلي لمجلس النواب غير مفعلة، وهذا واضح للجميع، والدليل ما وقع في ملف شركة التأمين: كيف لنائب برلماني أن يسيّر من طرف مستشار برلماني؟ وكيف يترافع رئيس فريق داخل الجلسة العامة دفاعا عن أصحابه لا دفاعا عن المواطنات والمواطنين؟
هناك من يرى أن وجود نائب متخصص داخل اللجنة المعنية أمر إيجابي وليس تضارب مصالح، ما تعليقكم؟
التخصص مهم وإيجابي للغاية، ولا أحد يعترض عليه، وجلالة الملك أكد على التخصص والكفاءة، خصوصا في الدبلوماسية، لكن التخصص يجب ألا يتحول إلى غطاء للدفاع عن مصالح شخصية.
ولا شك أنك تتابعين في لجنة العدل والتشريع مثلا، كثيرون يتدخلون بعبارة "أنا بصفتي محاميا"، أو "أنا بصفتي منخرطا في القطاع"، ثم يدافعون عن قضايا مرتبطة بأنشطتهم الخاصة، وهذا يتكرر في عدة لجان.
لذلك نقول إن تضارب المصالح أزمة بنيوية تستوجب قانونا واضحا يضع حدودا تمنع تحويل البرلمان إلى فضاء لخدمة المصالح الخاصة بدل خدمة المواطن.