أشار منير القادري، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، إلى أن "ما نشهده اليوم في القرن الـ21 من طغيان كلي للبعد المادي في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، إذ تحول فيه الإنسان إلى ما يشبه الدمية، وصار كائنا استهلاكيا على حساب بعده الروحي والأخلاقي والإحساني".
وأضاف شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، في تصريح خاص لـ"تيلكيل عربي" على هامش حفل ديني أقيم بالرباط، ليلة الأربعاء، أن "الإنسان غرق في تلبية احتياجاته الجسدية والمادية، مما أحدث خللا عميقا في توازنه الفطري ككائن يجمع بين الروح والجسد".
"وثبة روحية"
واعتبر المتحدث ذاته، أن "الإنسان بات مسخرا ومستهلكا لما يعرف بالثقافة السوقية (La culture marchande)، حيث تحولت الحياة إلى Monologue (صوت أحادي) يفتقد فيه المرء قيمته الجوهرية وحواره مع ذاته ومع الخالق".
وفي هذا السياق، أبرز شيخ الطريقة القادرية البودشيشية أن "هنا يبرز دور التصوف ومؤسساته للتنبيه إلى هذا الخطر، وهو ما سبق أن أشار إليه فلاسفة ومستشرقون غربيون، أمثال هنري برغسون (Henri Bergson) الذي أكد حاجة العالم إلى وثبة روحية وترياق تعيد للغرب توازنه وتحقق له السعادة عبر المصالحة المنشودة بين المادة والروح".
وأشار القادري إلى أنه "بدلا من بحث الغربيين عن الروحانية في الزرادشتية أو البوذية، فإن الإسلام يزخر ببعد جمالي وأخلاقي وروحي متجسد في التصوف، وهو أصل ثابت من ثوابت الدين، ويتمثل في مقام الإحسان الوارد في الحديث "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
التصوف ليس مجرد منظومة فكرية مجردة
وذكر أن "مؤسسي التصوف، وعلى رأسهم أبو طالب المكي في كتابه "قوت القلوب"، اجتهدوا في التركيز على علم النية، فكل المعاملات، سواء كانت دينية أو مادية أو تجارية، تظل مبنية على النية، ولأن القلوب تصدأ، فإن جلاءها يكمن في ذكر الله، فإذا صفا القلب استقامت النية، وركزت الصوفية على تعهد هذا الجانب الروحي عبر الذكر ومصاحبة الصادقين امتثالا للآية "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين".
وشدد شيخ الطريقة القادرية البودشيشية على أن "التصوف ليس مجرد منظومة فكرية مجردة، بل نابع من القلب، الذي هو ملك الجوارح، وإذا حلت الهداية في القلب نشطت الأعضاء للعبادة، وعلى عكس العبادات المرتبطة بوقت ومكان محددين، فإن الذكر لا يحده زمان، وهو العلاج الذي يطرد الوساوس والحسد والعجب والرياء، ليحل محله السلام الداخلي والإخلاص".
ولفت في معرض حديثه إلى أن "القاعدة في مدرسة التصوف هي أن لا ترى العيب إلا فيك، فلا تجعل قلبك مزبلة لعيوب الآخرين وأمراضهم، بل اشتغل بإصلاح باطنك عبر الصبر والمداومة والاستمرار (L'endurance et la résistance)".
وأوضح رئيس مؤسسة الملتقى، أن "التصوف يؤصل لقيم الوفاء والمواطنة عبر الإخلاص، وكما يقول ابن عطاء الله السكندري "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها"، مؤكدا أنه "يربي الشباب على حب الوطن وطاعة إمارة المؤمنين، فالسلطان "ظل الله في أرضه".
وأبرز أن "التصوف يزرع المرونة في التعامل، فالصوفي كالماء يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، ويمتلك قدرة على "الضبط" (Adaptation) خاصة في الأزمات، فيخاطب الناس على قدر عقولهم وينزلهم منازلهم".
وفيما يخص جوهر الرسالة، أورد القادري أن "الرسالة المحمدية ملخصة في "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وهذه الأخلاق تتجلى في "الرحمة للعالمين" عبر التعامل الحسن مع المسيحي واليهودي والعلماني والأجنبي، وتظهر في العلاقة الزوجية التي لا ينبغي أن تكون علاقة مادية استهلاكية، بل علاقة احترام وتكامل تبرز قيمتها الحقيقية وقت الأزمات، وإلا سقط الإنسان في البهيمية، وتتجسد في القدوة، فكما يقال: "قل لي من تصاحب أقول لك من أنت".
الزوايا منارات
وخلص منير القادري إلى أن "المغرب يشكل نموذجا راسخا بثوابته الدينية والوطنية"، مشددا على أن الزوايا والطرق الصوفية تظل منارات ممتدة في الزمان والمكان.
ولفت الانتباه إلى أن "الطريقة القادرية البودشيشية، عقدت أكثر من 60 حفلا دينيا خلال شهر رمضان، دون احتساب الأنشطة التي أقيمت في عدد من دول العالم، سواء في أوروبا وإفريقيا وأمريكا، وذلك في إطار تنفيذ توجيهات أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، في رسالته إلى المجلس العلمي الأعلى، بشأن إحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد النبي محمد (ص)".
تحول الابتلاء إلى منح
وشدد على أن "مدرسة الزاوية مبنية على المحبة، وهذه المحبة ليست "Copinage" (زمالة عابرة) بل هي محبة دائمة ومتصلة بالسند، ولقد تحولت الابتلاءات إلى منح ربانية، زادت من تمسك الفقراء والفقيرات بالثوابت الوطنية والدينية، بعيدا عن "القيل والقال"، و"من ذاق عرف، ومن عرف اغترف".
وتفاعلا مع سؤال "تيلكيل عربي"، أبرز أنه "إذا كانت باريس هي "مدينة الأنوار" المادية، فإن الرباط ومدن المغرب هي مدن "الأنوار الربانية"، إلى جانب الأنوار المادية، يتعايشان معا، وفيها أنوار الصلاح، ومحبة الوالدين، وقيم المواطنة (Civisme)".
وبين القادري أن "التربية الصوفية تهدف إلى بناء إنسان يمتلك ديناميكية تلقائية (Reflexes) في التعامل مع الآخرين، بحيث ينبع تصرفه من وازع داخلي ومحبة فطرية دون أحكام مسبقة".
وأكد على مفهوم العلاقة العمودية، مع الخالق التي يجب أن تنعكس في "علاقة أفقية" مع الخلق، انطلاقا من الحديث "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، مشيرا إلى أن صفات الله وجماله يجب أن تظهر في سلوك المؤمن تجاه كافة البشر بمختلف مشاربهم".