صبري: "مجلس السلام" يراهن على استقرار المغرب ومصداقيته في عالم مضطرب (حوار)

خديجة عليموسى

أعاد توصل الملك محمد السادس بدعوة للانضمام إلى مجلس السلام كعضو مؤسس، والتوقيع على الميثاق المؤسس لهذه المبادرة الدولية الجديدة بسويسرا، النقاش حول التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، وحدود فعالية المؤسسات الأممية التقليدية في تدبير النزاعات.

في هذا الحوار مع "تيلكيل عربي"، يقدم عبد النبي صبري، أستاذ العلاقات الدولية والجيوسياسية بجامعة محمد الخامس، قراءة في الدلالات السياسية والدبلوماسية لاختيار المغرب ضمن دائرة محدودة من الدول المؤسسة، مبرزا أن هذه العضوية تعكس مكانة المملكة كبلد مستقر في محيط مضطرب، وفاعل دولي حاضر في مراكز القرار، وجسر للتواصل بين الحضارات.

توصل الملك محمد السادس بدعوة للانضمام، كعضو مؤسس، إلى مجلس السلام الذي قررت الولايات المتحدة الأمريكية إطلاقه، وتم اليوم الخميس بسويسرا التوقيع على الميثاق المؤسس لهذا المجلس. ما الدلالات السياسية والدبلوماسية لهذه الدعوة؟

لقد وجهت الدعوة للمغرب ليكون بلدا مؤسسا لهذا المجلس، وبالرجوع إلى مقدمة ميثاقه، فهو، حسب الفصل الأول، مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات.

ثم في الفصل الثالث، على مستوى الانضمام والدور والإطار المعياري الوظيفي، هناك خاصية فريدة في هذا المجلس، وهي المساواة في السيادة. واليوم، المساواة في السيادة على مستوى الأمم المتحدة موجودة فقط في الجمعية العامة، بصوت واحد لكل دولة، بينما هذا الإطار على مستوى المجالس الدولية يكاد يختفي أو يتراجع.

وفي ما يخص اتخاذ القرار داخل هذا المجلس، فهناك قرارات تتخذ بأغلبية أصوات الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة، مع مراعاة، في حال تعادل الأصوات، موافقة الرئيس.

ومن هذا المنطلق، فالمغرب اليوم بلد مؤسس لهذه المنظمة الدولية المستقبلية، التي أتت بمبادرة أمريكية، انطلاقاً من مقدمة الميثاق وصولا إلى ما ذكرناه الآن.

فالمغرب، أولا، بلد مستقر في محيط مضطرب، وبالتالي فإن الاستقرار العالمي وحل النزاعات بالطرق السلمية، خاصة في المناطق المهددة بالنزاعات التي تؤثر على السلم والأمن، يجعل مغرب اليوم حاضرا، لأنه بلد مستقر أولا، وبلد كان دائما جسرا للتواصل بين مختلف الحضارات، ولم يكن في يوم من الأيام حاجزا، بل كان أرضا للتسامح، وأرضا للعبور، وأرضا للتواصل. فالمغرب جسر لا حاجز.

ومسألة أساسية أخرى، حيثما كانت مراكز القرار في العالم، فالمغرب اليوم حاضر بقوة في فلك المنظمات الدولية وفي مراكز اتخاذ القرار.

ومسألة أساسية إضافية، أن المغرب في التعاملات الدولية يركز دائماً على الاستراتيجيات بعيدة الأمد وذات الجدوى.

اليوم، لهذه الدعوة دلالات سياسية وجيوسياسية مهمة جدا، كما تعكس مكانة المغرب، حيث إن جلالة الملك، أمير المؤمنين، يضمن دوام الدولة واستمرارها، وهو رئيس لجنة القدس، والمغرب كان من الدول المؤسسة لعدد من المنظمات الدولية، كمنظمة المؤتمر الإسلامي سابقا، ومنظمة التعاون الإسلامي حاليا، ومنظمة التجارة العالمية التي انعقد مؤتمرها المؤسس بالمغرب سنة 1994، فهو بلد مؤسس في العديد من المنظمات الدولية.

وفي هذا الإطار، عندما نتحدث عن إرساء الحكم الرشيد والقانوني وضمان السلام، فإن المغرب كان دائما يركز على ثلاثية أساسية، سواء داخل الأمم المتحدة، أو داخل الاتحاد الإفريقي، أو جامعة الدول العربية، أو المنظمات الدولية، أو في العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، وهي أن السلام والأمن والتنمية هي أساس الاستقرار.

إلى أي حد يمكن للموقع الجغرافي والجيوسياسي للمغرب، مقروناً برصيده الدبلوماسي ومبادراته الاستراتيجية، أن يجعله فاعلاً مؤثراً في قرارات مجلس السلام؟

يتميز المغرب على المستوى السياسي والاستراتيجي بموقع جغرافي وجيوسياسي مهم جدا، قريب من القارة الأوروبية التي تفصلنا عنها كيلومترات قليلة، وحدودنا معها هي البحر الأبيض المتوسط، وحدودنا مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر المحيط الأطلسي، وكذلك حدودنا مع الدول الإفريقية عبر المحيط الأطلسي، خاصة في إطار المبادرة الأطلسية التي دعا إليها جلالة الملك محمد السادس، والتي ستجمع عددا من الدول المطلة على المحيط الأطلسي.

هذا المحيط الذي يلتقي مع باقي محيطات العالم. وفي هذا الإطار، فإن مجلس السلام، هذه المنظمة التي ستتشكل، سيكون لها هذا الامتداد، وبالتالي فمن الناحية الجيوسياسية سيكون مركز القرار داخل هذه المنظمة قريبا من المغرب، فاعلا فيه، ومسهماً في توجهاته، ومؤثرا في سياساته، وهي مسألة مهمة جدا وأساسية.

كما أن العضوية ستكون مدخلا لتدعيم مجالات التعاون التجاري والاستثماري والدفاعي، وسيكون المغرب حاضرا في بلورة حلول لإدارة النزاعات في العالم، سواء في الشرق الأوسط، حيث أكد المغرب دائما على حل الدولتين، وكان هذا المطلب قائماً منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، واستمر في هذا الإطار جلالة الملك محمد السادس.

ثم هناك مسألة أخرى، من الناحية الاستراتيجية، فالمغرب دولة ذات حضارة وتاريخ ومصداقية، وقد تزامنت هذه الدعوة أيضا مع نهاية كأس إفريقيا، التي أشادت بها مختلف بقاع العالم، سواء من حيث التنظيم أو الاستقبال أو البنيات التحتية التي تستجيب لمتطلبات القرن الواحد والعشرين.

وبالتالي، ورغم الكثير من الهرطقات، فإن المغرب كان دائما يخرج منتصرا، حيثما دخل المغرب يكون منتصرا، سواء في علاقاته الثنائية أو المتعددة، ودائما ما يميل ميزان القوة لصالحه.

هناك تأويلات تشير إلى أن هذه المنظمة الجديدة قد تتحول إلى هيئة موازية للأمم المتحدة، ما رأيكم في هذا الطرح؟

من خلال متابعتي لما كتب حول الموضوع، يظهر أن التأويلات لا تخرج عن ثلاث حالات: دول قبلت، ودول تحفظت، ودول ما زالت تدرس الموضوع.

ومن بين هذه التأويلات: هل ستكون هذه المنظمة هيكلا موازيا للأمم المتحدة، أم بديلا عنها، أم هيئة متخصصة فقط لقطاع غزة؟ غير أن الميثاق التأسيسي ومشروع هذه المنظمة انتقدا في مقدمتهما بشكل صريح وواضح المقاربات والمؤسسات التي فشلت على مدى عقود.

وهنا يطرح سؤال: من هي هذه المؤسسات التي فشلت؟ وبكل تأكيد فإن الأمم المتحدة فشلت في عدد من مناطق التوتر التي استمرت لعقود، بسبب طبيعة مجلس الأمن الدولي، الذي يعتمد خاصية غريبة وهي حق النقض، حيث يمكن لدولة واحدة من الدول دائمة العضوية تعطيل القرار.

إن الإطار المعياري الحالي لمجلس الأمن، الذي يعود إلى أربعينيات القرن الماضي، لم تعد مبرراته هي نفسها اليوم، لذلك فالأمم المتحدة مدعوة إلى مراجعة ميثاقها. وهذه فرصة من أجل مراجعة آليات اتخاذ القرار، بينما المنظمة الحالية تعتمد منطق أغلبية الأصوات بدل منطق الإجماع. فلو كان مجلس الأمن الدولي فاعلا، لتم حل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي منذ سنة 1967.

هل يمكن للمجلس الجديد أن يساهم في حل النزاع في الشرق الأوسط، خاصة القضية الفلسطينية، لاسيما أن الملك محمد السادس يرأس لجنة القدس؟

أعتقد أن الحاجة إلى منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفعالية، كما ورد في هذا الميثاق، أصبحت ملحة، خاصة لمعالجة القضايا المرتبطة بآليات اتخاذ القرار.

وفي هذا الإطار، فإن المغرب، باعتباره بلدا مؤسسا وعضوا أصيلا، وصادق على مقتضيات هذا المجلس، سيساهم، كما كان دائما، في جهود السلام الدولية، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، من خلال رئاسة لجنة القدس، والدعم المالي والإنساني، وإدخال المساعدات إلى غزة في ظل ظروف الحرب، والمساهمة في ميزانية القدس، حيث إن 90 في المائة من هذه الميزانية تمويل مغربي.

فالقضية الفلسطينية ثابت من ثوابت السياسة الخارجية المغربية، والفلسطينيون يعرفون هذا التوجه، ويعلمون أن المغرب يتعامل مع هذه القضية بالقيم المتعارف عليها، وليس بالمصالح الضيقة.