إلياس غاني (صحافي متدرب)
حين تلمح، من بعيد، المسرح الزجاجي العملاق عبد الرحيم بوعبيد بالمحمدية، ويدفعك الفضول للاقتراب من هذه البناية، لن يكون أول ما يلفت انتباهك الكتلة الإسمنتية الضخمة خلف الواجهة الزجاجية، وإنما ستخال نفسك أنك تقف أمام مبنى مهجور منذ سنوات.
تقرر النزول إلى ساحته فتصفعك رائحة البول الفواحة، وتتخيل أنك أمام قلعة قديمة تحيط بها خنادق، كما في كتب التاريخ، لأن أزبالا متراكمة حواليه، توهمك بذلك.
حينها سيخيفك وجود أحد المتشردين ممن اتخذوا زواياه مأوى لهم، فتقرر مغادرة المكان. لكنك، وأنت تتراجع إلى الخلف، تلتوي قدمك وتسقط أرضا، بعدما تتعثر بحفرة في بلاط الساحة.
فراغ في قلب المدينة
هكذا حال هذا الصرح من الخارج، أما من الداخل، فيكفي أنه المكان الأنسب لأي جرذ يعاني من أزمة سكن وجوع، السكن أسفل كراسي قاعة العروض، والغذاء، هو الكراسي نفسها، أما الشراب فيتأتى مياه الأمطار التي تتسرب إلى داخل القاعة.
هذا إذا انتبهت أصلا إلى كل هذه التفاصيل، ولم يشوش عليك صراخ الباعة المتجولين، الذين أسسوا سوقا عشوائيا أمام المسرح مباشرة، فصوتهم يغطي على أصوات مسرحيين مفترضين، كان أولى أن تصدح حناجرهم بروائع شكسبير ورولان بارت.
ولكي لا نجني على الباعة، فعموما، لا يمكن رفع أي صوت داخل المسرح، لغياب التجهيزات، وإن كانت تختلف الروايات، فبينما يصر المسؤولون على أن المسرح مجهز بكل ما يلزمه، يؤكد المسرحيون الذين اشتغلوا فيه افتقاره لأبسط المقومات؛ فلا قاعة كواليس، ولا إضاءة، ولا هندسة صوتية، ولا أهم عنصر بعد الخشبة، الستار.
هي ليست مجرد أزمة بناية، بل أزمة فرص ضائعة، هذا الصرح الذي ولد بملامح قطب ثقافي واعد، تحول بفعل الإهمال إلى مجرد هيكل إسمنتي معزول عن نبض الشارع وقضايا الفن. وبدلا من أن يكون المسرح خلية للإنتاج، وجد نفسه ضحية لتدبير عاجز، فشل في الحفاظ على أدنى علاقة ثقة مع جمهور المحمدية الذي بات يرى في المسرح مجرد ذكرى لمشروع لم يكتمل.
تمويل مكتمل وأشغال لم تنطلق
رصدت لإصلاح هذه المؤسسة ميزانية قدرها 12 مليون درهم، تكفلت بها وزارة الثقافة بالكامل. وبقي الإفراج عن هذه الاعتمادات حبيس التأجيل إلى غاية 2024، وهو التاريخ الذي شهد صرف الشطر الأول، على أن يكتمل التمويل، بصرف الشطر الأخير، بعد سنة كاملة. لكن الأشغال لم تنطلق بعد.
فقد استغل المسرح كفضاء بديل لتقديم الخدمات الصحية تعويضا لمستوصف للقرب أغلق أبوابه للإصلاح. وهو ما قالت مديرة المسرح إنه أعاق انطلاق الأشغال.
ظل المسرح لا يقدم أي عروض، وهو ما أثر على النشاط المسرحي بالمدينة، ولا سيما أنه تزامن مع إغلاق فضاءات ثقافية أخرى، كدار الشباب ابن خلدون، بالمقابل بقي يكتفي إلى جانب وظيفته المستحدثة، في احتضان أنشطة بعض لأحزاب، كما يحتضن تنظيم قرعة الحج.
واليوم، غادر المستوصف المؤقت المبنى منذ شهور، فيما لا تزال البناية متروكة دون إصلاح. المشروع صودق عليه، والميزانية مرصودة، فما المانع إذن؟
في انتظار قرار والي الجهة
حمل "تيلكيل عربي" هذا التساؤل إلى محمد العسولي، مدير قطاع الثقافة بمجلس المدينة، الذي وافق على محاورتنا، بعد شهر من الانتظار، في خطوة "استثنائية"، إذ أسر لنا أحد موظفي البلدية، بأن مهام التواصل "تعد من الاختصاصات الحصرية للرئيس"، هشام آيت منا.
وفي رده، أوضح العسولي أن كل شيء بات جاهزا، والدراسات اللازمة لبدء الأشغال قد أنجزت بالكامل، محملا مسؤولية التأخير للشركة المكلفة، وهي "الدار البيضاء للتهيئة" التي يرأس مجلس إدارتها والي جهة الدار البيضاء-سطات، محمد مهيدية. وعند سؤاله عن أسباب عدم بدء الشركة في الأشغال حتى الآن، كان جوابه: "لا أعلم".
وبخصوص مشروع تدبير المسرح، أفاد العسولي أن هذه المهمة ستتولاها لجنة ثلاثية مكونة من مجلس المدينة، ووزارة الثقافة، ومسرح محمد الخامس، الذي سيتولى البرمجة.
لكي لا نعيد التاريخ
في انتظار انتهاء أشغال الإصلاح بعد أن تبدأ، يطرح السؤال التالي نفسه: كيف نضمن ألا يتحول المسرح من جديد إلى "خرابة"؟ وهل ترافق هذا التأهيل للبنية التحتية خطة ثقافية جادة لمجلس المدينة، يهدف من خلالها للنهوض حقا بأبي الفنون؟
يجيب محمد العسولي: "بالتأكيد". وحين سأله "تيلكيل عربي"عن معالم هذه الخطة، خلص بعد استرسال طويل إلى أن "برمجة عرضين في الشهر كافية".
لكن، هل يكفي حقا عرضان في الشهر لإعادة بعث المسرح وتحقيق نهضة ثقافية بالمدينة؟
نقلنا السؤال لمحمد بصالح، رئيس جمعية "هوس"، الناشطة في المسرح، فأجاب بالقول: "عرضان في الشهر، أبدا، غير كافيين".
وأضاف أن "مسؤولي الجماعة غير ملمين بوضع المسرح، فالفاعل المحلي والمجلس الحالي لا يعطيان أهمية للثقافة"، مشيرا إلى أنه "لا يوجد مسيرون متخصصون، مكونون، قادرون على تسيير الفضاء".
وهنا تبرز نقطة أخرى؛ إذ إن معظم موظفي المسرح يتقنون الجوانب الإدارية، غير أن أداءهم في التدبير الثقافي ظل محل تساؤل خلال السنوات الماضية.
نحو إشعاع ثقافي للمحمدية
لتجاوز هذا القصور، وليكون المسرح الجديد بوابة لإشعاع ثقافي للمدينة، دعت أمل بنويس، أستاذة المسرح بجامعة الحسن الثاني، إلى البدء بإعادة التأهيل التقني الشامل.
على أن هذا المسار يجب أن يتوازى مع إرساء نموذج تدبيري واضح، مبني على إطار تعاقدي يجمع الهيئات المحلية بوزارة الثقافة، للاستفادة من الكفاءات المهنية في هندسة التسيير، والقطع مع التدبير الإداري المحدود نحو أفق استراتيجي، ولا يتوقف طموح الإنقاذ عند الجدران.
ونادت بنويس بضرورة بناء جمهور قار، عبر إرساء برمجة منتظمة ومتنوعة، تنفتح على أشكال فنية متعددة تشمل المسرح، والموسيقى والرقص والفنون المجاورة، وتمتد على مدار السنة، وإدماج التجارب الشابة.
إلى جانب تطوير شراكات تعليمية وتواصلية، تعيد دمج المسرح في الحياة اليومية للمدينة. مما يعيد إليه وظيفته النبيلة كفضاء لإنتاج المعنى وتداول الإبداع.
عاد محمد بصالح، الحاصل على الدكتوراه في الدراسات المسرحية، ليقترح تحويل الميزانيات المرصودة للمهرجانات الموسمية إلى برمجة ثقافية طيلة العام، مما يضمن تدفقا مستمرا للعروض، إلى جانب الانفتاح على الشراكات وبيع الإشهارات، مع احتفاظ المسرح بمداخيله وعدم تحويلها لقطاعات أخرى، مما سيخلق مداخيل مالية كبيرة جدا.
وفي انتظار أن تتحول الوعود إلى ورش مفتوح، يبقى مسرح عبد الرحيم بوعبيد بالمحمدية عالقا بين زمنين: زمن مشروع صودق عليه ولم ينجز، وزمن فضاء فقد وظيفته الأولى دون أن يكتسب بديلا واضحا. وبين اكتمال التمويل وتعثر الانطلاق، تتآكل فكرة المسرح نفسه أكثر مما تتآكل بنايته، ويغدو السؤال أقل ارتباطا بالتقنيات الإدارية وأكثر تعلقا بمصير الفعل الثقافي في المدينة.