تواصل مدينة فكيك للسنة الثانية على التوالي احتجاجاتها ضد ما تعتبره الساكنة "خوصصة " لقطاع الماء، بعد انضمام الجماعة الترابية إلى مجموعة جماعات الشرق للتوزيع، التي فوضت تدبير هذه المادة الحيوية للشركة الجهوية المتعددة الخدمات.
وخلدت التنسيقية المحلية للترافع عن قضايا فكيك الذكرى الثانية لما يعرف بـ"حراك الماء"، من خلال برنامج امتد على مدار أسبوع، يختتم غدا السبت، وشمل عددا من الأنشطة، من بينها مسيرات تصدرتها نساء بلباسهن التقليدي، رفعت خلالها شعارات عديدة منها المطالبة برحيل رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
وترفض الساكنة قرار المجلس الجماعي، والذي لم ينفذ بعد، بدعوى أنه لا ينسجم مع خصوصية الواحة ولا مع طبيعة مواردها المائية التي تشكل جزءا من هوية المنطقة ونظامها البيئي والاجتماعي.
خصوصية الواحات
وفي هذا السياق، قال مصطفى الإبراهيمي، عضو التنسيقية المحلية للترافع عن قضايا فكيك وفاعل حقوقي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، إن "ساكنة فكيك تخوض معركة الدفاع عن الماء باعتباره حقا إنسانيا وموردا جماعيا لا يمكن تحويله إلى سلعة"، مشيرا إلى أن "أعلى سلطة في البلاد، الملك محمد السادس، خصص حيزا مهما في خطابه خلال افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة للحديث عن المناطق الهشة، وعلى رأسها الواحات".
وأوضح الإبراهيمي أن الملك دعا في خطابه إلى "إعطاء عناية خاصة للمناطق الأكثر هشاشة، بما يراعي خصوصياتها وطبيعة حاجياتها، وخاصة مناطق الجبال والواحات"، معتبرا أن "ما تعرفه فكيك اليوم من محاولات لفرض نمط موحد في تدبير الماء يتناقض مع هذه التوجيهات الملكية التي تؤكد على الخصوصية".
وأضاف أن "نظام السقي في واحة فكيك يقوم على توازن دقيق بين مياه الشرب ومياه الري، وأي محاولة للفصل بينهما أو إخضاعهما لمنطق الشركات سيؤدي إلى اختلال بيئي واجتماعي كبير"، لافتا إلى أن المبرر الذي يستند إليه المجلس الجماعي هو وجود اختلالات في تدبير الماء وهي اختلالات كان ينبغي معالجتها وتصحيحها، لا عبر حلول جاهزة لا تلائم طبيعة الواحات ولا تراعي إرثها الجماعي الممتد منذ ستينيات القرن الماضي".
وأشار الإبراهيمي إلى أن "أكثر من 80 في المائة من الأسر ما زالت تقاطع أداء فواتير الماء منذ سنتين"، مبرزا أن "حوارا سابقا جرى مع السلطات الإقليمية قبل حوالي سنة، غير أنه لم يفض إلى أي نتيجة ملموسة".
ولفت المتحدث ذاته إلى أن "مدينة فكيك تعيش منذ سنتين على وقع احتجاجات متواصلة ومتنوعة الأشكال، من مسيرات صامتة واحتجاجات بالدراجات واعتصامات متنقلة ووقفات بالأواني أو ما يعرف محليا بـ"أسقرقر"، إضافة إلى ندوات علمية هدفت إلى إيصال صوت الساكنة والدفاع عن حقها في الماء والتدبير المحلي".
وتابع أن المجلس الجماعي لفكيك قد دخل بدوره مرحلة توقف عن أداء مهامه، بعد سلسلة من الاستقالات التي تقدم بها عدد من أعضائه احتجاجا على قرار تفويت مياه واحة فكيك للشركة الجهوية المتعددة الخدمات الشرق، ورفضا لما اعتبره "تجاهلا من المكتب المسير للأزمات الحقيقية التي تعيشها الواحة".
نساء في المقدمة

وبخصوص المشاركة الواسعة للنساء في المسيرات الاحتجاجية، أوضحت فتيحة قادي، عضو التنسيقية المحلية للترافع عن قضايا فكيك، أن ارتباط النساء بالماء في الواحة ارتباط وثيق ومتجذر منذ القدم، مشيرة إلى أن النساء كن من يجلبن الماء من العيون مع الفجر، قبل أن يتم ربط المنازل بشبكة الماء الصالح للشرب.
وأضافت قادي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن تاريخ فكيك يشهد على الدور المركزي للنساء في تطوير وتنظيم استغلال العيون، من خلال روح التعاون والتويزة التي اشتهرت بها الواحات، حيث كن يشرفن على تنظيم الصهاريج وتنظيم السقايات العمومية داخل الأحياء.
وأشارت إلى أنه منذ ستينيات القرن الماضي، وبالتحديد منذ سنة 1963، بدأ المجلس القروي آنذاك في تنظيم العلاقة بين ملاكي الماء والمجلس المحلي من أجل تعميم التغطية على السقايات العمومية، لتتوسع الشبكة العمومية لتشمل نسبة التزويد بالماء الصالح للشرب 100 في المائة داخل المدينة.
ولفتت المتحدثة إلى أن الفضاءات العمومية مثل المغاسل والحمامات كانت تقوم على استعمال مياه العيون، إذ كانت تعتبر ملكا جماعيا للساكنة، وكانت النساء هن المستفيدات الأساسيات منها بحكم مسؤولياتهن اليومية داخل البيت والحي.
وأكدت قادي أن الارتباط بين المرأة والماء في فكيك لم يكن اعتباطيا، بل هو علاقة وجودية متجذرة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للواحة، مضيفة أن أي مساس بالفرشة المائية الموحدة في فكيك، التي تستعمل في آن واحد للشرب والسقي، ينعكس مباشرة على حياة النساء وعلى النشاط الفلاحي الذي تعتمد عليه الأسر المحلية.
وفيما يتعلق بوضع المجلس الجماعي لفكيك، أوضحت قادي أنه كان يتكون من 18 عضوا جماعيا، من بينهم 13 مستشارا عن حزب التجمع الوطني للأحرار، و3 عن حزب الأصالة والمعاصرة، واثنان عن حزب التقدم والاشتراكية.
وبعد انطلاق "حراك الماء"، قدم تسعة مستشارين استقالاتهم، تضيف الفاعلة الجمعوية، ويتعلق الأمر بثلاثة من الأحرار ومستشاري البام والتقدم والاشتراكية، احتجاجا على القرار المتخذ بتفويت تدبير الماء للشركة الجهوية المتعددة الخدمات.
وأضافت قادي أنه بعد هذه الاستقالات تم تعيين لجنة لتصريف الأعمال، أعقبتها انتخابات جزئية أفرزت فوز تسعة مقاعد كلها تنتمي لفيدرالية اليسار الديمقراطي، التي بادرت إلى إدراج نقطة الماء ضمن جدول أعمال المجلس، لكنها لم تفلح في ذلك، مما دفع أعضاءها إلى تقديم استقالة جماعية جديدة.
وأشارت إلى أنه إثر ذلك جرى تنظيم انتخابات جزئية ثانية أفرزت نفس النتيجة تقريبا، غير أن مستشاري فيدرالية اليسار الديمقراطي عادوا لتقديم استقالاتهم قبل نحو أربعة أشهر، ليظل المجلس الجماعي في وضع شبه متوقف يضم حاليا تسعة أعضاء فقط من حزب التجمع الوطني للأحرار، من ضمنهم الرئيس، في وقت تستمر فيه حالة الاحتقان الاجتماعي بسبب ملف الماء.
يذكر أن الاحتجاجات التي شهدتها مدينة فكيك، ضمن ما يعرف بـ"حراك الماء"، قد أدت إلى اعتقال الفاعل الحقوقي محمد إبراهيمي الملقب بـ"موفو"، الذي أفرج عنه منذ أكتوبر 2024 بعد أن أنهى مدة عقوبته السجنية البالغة ثمانية أشهر.

ملاك الموارد المائية الجوفية
وكانت جماعة فكيك قد أصدرت بتاريخ 27 دجنبر 2023 بيانا أكدت فيه أنها حريصة على طمأنة الساكنة وتبديد المخاوف المرتبطة بمقرر الانضمام إلى مجموعة الجماعات الترابية "الشرق للتوزيع"، مشيرة إلى أن التلويح بتخوفات الساكنة "ما هو إلا قناع للتستر على ما يعرفه قطاع توزيع الماء الصالح للشرب، ومنذ عقود خلت، من خروقات وتبذير واستفادة فئوية غير شرعية من هذه المادة الحيوية".
كما أضاف المصدر ذاته أن المجلس الجماعي وعلى رأسه مكتبه المسير مارس حقه الدستوري في المساهمة في تنزيل مقتضى قانوني بشكل ديمقراطي سليم، إسوة بباقي جماعات المملكة، مؤكدا في الآن ذاته أنه "إذا تبين لهذا المجلس ومكتبه المسير، خلال المرحلة الثانية لتنزيل القانون المتعلق بإحداث الشركات ذات الصلة، أن الشركة المزمع توليها تدبير هذه القطاعات تتخذ إجراءات أو تطبق تسعيرات ومساطر من شأنها الإضرار بمصالح الساكنة أو إثقال كاهلها بما لا يتناسب مع أوضاعها وإمكاناتها وحقها في العيش الكريم، فإن مجلس جماعة فكيك ومكتبه المسير سيتصدر لا محالة، وبدون أدنى تردد، خط الدفاع عن مصالح الساكنة والدفاع عنها بكل ما يقتضيه الموقف من جرأة ومسؤولية".
أما بخصوص المخاوف المعبر عنها من قبل ملاكي الموارد المائية الجوفية، فقد أوضح البيان أنها "ملكيات خاصة موثقة بعقود ومحسوم في وضعها القانوني، ومحمية بقوة القانون، ولاسيما بمقتضى الظهير الشريف الصادر بتنفيذ مدونة الحقوق العينية في شقها المتعلق بحق الشرب، وكذا الظهير الشريف الصادر بتنفيذ قانون الماء، الذي يحدد القيود المطبقة على عمليات جلب المياه لأغراض فلاحية أو للشرب، بالإضافة إلى الصلاحيات المخولة لرئيس المجلس الجماعي في هذا الإطار".