في سياق إفريقي خاص، انعقدت الدورة الثالثة لمنتدى AfricaMed Business Forum بالمغرب، تزامنا مع تنظيم المملكة للنسخة الـ35 من كأس أمم إفريقيا.
الدورة جاءت لتؤكد أن الرياضة لم تعد مجرد مساحة للتنافس والفرجة، بل أصبحت رافعة حقيقية للتفكير في مستقبل اقتصادي إفريقي أكثر تكاملا.
في هذا الحوار تقدم لبنى كروم، رئيسة منتدى AfricaMed Business Forum، رؤيتها لـ"TELSPORT عربي"، متحدثة عن أهمية هذا الموعد القاري، وعن الرهان على الرياضة كصناعة إفريقية واعدة، ودور المغرب كجسر بين الطموح والحلم الإفريقي المشترك.
جاءت الدورة الثالثة لمنتدى AfricaMed Business Forum في سياق قاري خاص وهو تنظيم المغرب للنسخة الـ35 لكأس أمم إفريقيا. ما الذي يميز هذه النسخة عن سابقاتها، خصوصا من حيث الرؤية والرهانات؟
تأتي الدورة الثالثة لمنتدى AfricaMed Business Forum في لحظة قارية استثنائية، يتقاطع فيها البعد الرياضي بالتحول الاقتصادي لإفريقيا.
تنظيم المغرب للنسخة الـ35 من كأس أمم إفريقيا لم يكن مجرد حدث رياضي، بل شكل محفزا استراتيجيا لإعادة التفكير في موقع الرياضة داخل المنظومات الاقتصادية الإفريقية.
وما يميز هذه النسخة هو الانتقال الواضح من مقاربة تشخيصية إلى مقاربة بنائية، تضع الرياضة كقطاع إنتاجي متكامل، وليس فقط كفضاء للمنافسة أو الفرجة.
بالنسبة إلينا، كان رهاننا الأساسي هو توحيد الرؤية بين الفاعلين العموميين والخواص، وبناء تصور إفريقي مشترك لصناعة رياضية قادرة على خلق القيمة، وفرص الشغل، وجذب الاستثمار، وتعزيز السيادة الاقتصادية للقارة.
لماذا شعار "صناعة الرياضة: إفريقيا تطلق عقد التحول الاقتصادي"؟ ولماذا الآن؟
اختيار هذا الشعار لم يكن اعتباطيا، بل نابعا من قناعة راسخة بأن إفريقيا تقف اليوم على أعتاب عقد حاسم.
فالقارة تتوفر على أكبر شريحة شبابية في العالم، وعلى شغف جماهيري استثنائي بالرياضة، خصوصا كرة القدم، لكنها لم تنجح بعد
في تحويل هذا الرأسمال اللامادي إلى ثروة اقتصادية منظمة.
اليوم، ومع تسارع الرقمنة، وتزايد الاستثمارات في الاقتصاد الإبداعي، واحتضان إفريقيا لتظاهرات رياضية كبرى، أصبح من الضروري إطلاق "عقد التحول" الذي تنتقل فيه الرياضة من الهواية إلى الصناعة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التبعية إلى خلق منظومات ذاتية الاستدامة.
حسب المعطيات التي قدمت في المنتدى، لا تتجاوز مساهمة الرياضة في الناتج الداخلي الخام الإفريقي %0,5، في نظركم، أين يكمن الخلل، في السياسات، أم في التمويل، أم في الحكامة؟
حسب تقديري، الخلل منظومي أكثر منه تقني، لأن هناك تداخلا بين ضعف السياسات العمومية الموجهة، وغياب آليات تمويل مبتكرة، ونقص في الحكامة والاحتراف.
في كثير من الدول الإفريقية، لا تزال الرياضة تدار بمنطق اجتماعي أو سياسي، وليس كقطاع اقتصادي له سلاسل قيمة واضحة.
كما أن ضعف الشفافية والحوكمة يحد من ثقة المستثمرين، والحل لا يكمن في عنصر واحد، بل في بناء إطار متكامل يربط بين التشريع، التمويل، التكوين، والحكامة، مع إشراك حقيقي للقطاع الخاص.
جمع المنتدى مسؤولين مؤسساتيين، ومستثمرين، وفاعلين رياضيين وإعلاميين، كيف يمكن تحويل هذا النقاش المتعدد الأطراف إلى قرارات عملية ومشاريع ملموسة على أرض الواقع؟
قوة هذا المنتدى تكمن في كونه منصة قرار وليس فقط منصة نقاش. حرصنا منذ البداية على أن تكون المخرجات عملية، من خلال بلورة توصيات قابلة للتنفيذ، وإطلاق دينامية شراكات بين الفاعلين.
التحول إلى مشاريع ملموسة يمر عبر ثلاث آليات: أولا، إنشاء مجموعات عمل موضوعاتية تتابع ما بعد المنتدى، ثانيا، ربط المستثمرين بحاملي المشاريع الرياضية، وثالثا، مواكبة المؤسسات العمومية لهذه المبادرات عبر التحفيز والتأطير.
المنتدى هو نقطة الانطلاق، وليس نقطة النهاية.
تحدث المنتدى عن ضرورة الانتقال من "الشغف إلى الإنتاج، ما هي، برأيكم، أولى حلقات هذه السلسلة التي يجب على إفريقيا الاستثمار فيها بشكل عاجل؟
أولى الحلقات هي التكوين والهيكلة، فلا يمكن بناء صناعة رياضية دون موارد بشرية مؤهلة، سواء تعلق الأمر في جانب التسيير، أوالتسويق، أو الإعلام، أو الرقمنة.
ثم تأتي البنية التحتية، ولا نتحدث هنا فقط عن الملاعب، بل أيضا مراكز التكوين، والأكاديميات، والمنصات الرقمية. ثم الحلقة الثالثة، وهي تنظيم السوق، عبر نماذج اقتصادية واضحة للأندية، البطولات، وحقوق الاستغلال. إذا استثمرت إفريقيا في هذه الحلقات الأولى، فإن باقي السلسلة ستتشكل بشكل طبيعي.
المغرب احتضن هذا الحدث تزامنا مع كأس أمم إفريقيا، وهو مقبل أيضا على تنظيم كأس العالم 2030. كيف تقيمين موقع المغرب اليوم كمنصة إفريقية لصناعة الرياضة؟
يشكل المغرب، اليوم، نموذجا إفريقيا رائدا في توظيف الرياضة كرافعة للتنمية، بفضل رؤية ملكية استراتيجية. حيث استثمر المغرب في البنية التحتية، وفي الحكامة الرياضية، وفي الدبلوماسية الرياضية الإفريقية. وتنظيم كأس أمم إفريقيا، والاستعداد لكأس العالم 2030، يعزز هذا الموقع كمنصة لوجستية، تنظيمية، واستثمارية للقارة.
المغرب لا يربح فقط الرهان الوطني، بل يضع خبرته في خدمة إفريقيا، وهذا ما يمنحه شرعية القيادة في هذا المجال.
من بين المحاور القوية التي نوقشت، نجد الإعلام، حقوق البث، والرقمنة، فإلى أي حد يمكن لهذه العناصر أن تحدث نقلة نوعية في تمويل واستدامة الرياضة الإفريقية؟
هذه العناصر مجتمعة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرياضي الحديث.
فحقوق البث والإعلام الرقمي هي المصدر الأول لتمويل الرياضة عالميا. في هذا الإطار، يلاحظ أن إفريقيا تعاني من ضعف تثمين محتواها الرياضي، رغم جودته وجماهيريته.
وبخصوص الرقمنة فإنها تتيح اليوم تجاوز الإكراهات التقليدية، وخلق منصات إفريقية مستقلة، تستهدف الجمهور المحلي والشتات الإفريقي.
الاستثمار في الإعلام الرياضي الرقمي هو مدخل أساسي لتحقيق الاستدامة المالية، وتقليص التبعية للخارج.
خصص المنتدى حيزا مهما لقضايا الحكامة، الاحتراف، والأندية كفاعلين اقتصاديين، هل تعتقدين أن الأندية الإفريقية مستعدة فعلا للتحول إلى مقاولات رياضية؟
الاستعداد موجود، لكن التحول لم يكتمل بعد. هناك وعي متزايد لدى عدد من الأندية بضرورة الاحتراف، لكن ما ينقص هو الإطار القانوني، والقدرات التدبيرية، والتمويل طويل الأمد.
التحول إلى مقاولة رياضية يتطلب تغيير العقليات، واعتماد الحكامة، والفصل بين التسيير الرياضي والتسيير المالي، فالمنتدى دعا إلى مواكبة هذا التحول، وليس فرضه، لأن الاستدامة تمر عبر التدرج.
تم تكريم شخصيات ومؤسسات وازنة، ما الرسالة التي أردتم إيصالها من خلال AfricaMed Awards، خاصة للشباب الإفريقي؟
AfricaMed Award ليست مجرد تكريم، بل رسالة أمل وقدوة للشباب.
أردنا أن نقول للشباب الإفريقي إن النجاح ممكن داخل القارة السمراء، وإن العمل الجاد، والرؤية، والالتزام يمكن أن تصنع الفارق.
الشخصيات التي تم تكريمها تمثل نماذج إفريقية ناجحة في مجالات مختلفة من الصناعة الرياضية، والرسالة واضحة وهي أن إفريقيا لا تفتقر إلى الكفاءات، بل تحتاج إلى الإيمان بها وتثمينها.
أخيرا، بعد إسدال الستار على هذه الدورة، ما التحدي الأكبر الذي تضعه AfricaMed Business Forum نصب أعينها خلال السنوات المقبلة؟ وما الذي تنتظرونه من الفاعلين الأفارقة لمواكبة هذه الدينامية؟
التحدي الأكبر هو الانتقال من اللحظة إلى المسار، ومن الحدث إلى الاستراتيجية طويلة المدى، و"AfricaMed Business Forum" يطمح إلى أن يصبح منصة إفريقية دائمة لبناء السياسات، إضافة إلى تحفيز الاستثمار، ومواكبة المشاريع.
ننتظر من الفاعلين الأفارقة، عموميين وخواصا، الانخراط الفعلي في هذه الدينامية، بروح الشراكة والمسؤولية المشتركة، لأن مستقبل الصناعة الرياضية الإفريقية لن يُبنى بقرارات فردية، بل برؤية جماعية وشجاعة.