اختتمت، في شهر يناير الماضي، منافسات الدورة الـ35 من كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب للمرة الثانية في تاريخه، ونجح من خلالها في تنظيم هو الأكبر على صعيد القارة، حيث امتدت المنافسات من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026، وشهدت مشاركة 24 منتخبا في 52 مباراة أقيمت على تسعة ملاعب موزعة على ست مدن مغربية، أبرزها الرباط والدار البيضاء وأكادير وفاس ومراكش، في أجواء احتفالية وتنافسية كبيرة.
وتميزت هذه النسخة من البطولة بتغييرات تنظيمية مهمة مقارنة بالنسخ السابقة، إذ أن موعدها جرى تأخيره بعض الشيء عن الترتيب التقليدي، حيث سبق أن أعلنت الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم تأجيلها لتبدأ في نهاية دجنبر وتنتهي في منتصف يناير، لتجنب التقاطع مع البطولات العالمية الكبرى وضمان مشاركة أفضل اللاعبين سعيا لرفع مستوى التنافس الرياضي.
ومنذ انطلاقتها في العاصمة الرباط، رسمت البطولة لوحة رياضية مليئة بالإثارة والمنافسة، حيث افتتح المنتخب المغربي مبارياته بفوز مهم على جزر القمر 2–0 في مباراة حضرها الجمهور بحماس كبير، وأظهر من خلالها أسود الأطلس تنافسا كبيرا.
ولم تخل المنافسة من لحظات درامية ونتائج مفاجئة، ففي المباراة النهائية التي جرت يوم 18 يناير 2026 على ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، استطاع منتخب السنغال أن يحرز اللقب بعد فوزه على المنتخب المغربي بهدف دون رد.
في الجانب التنظيمي، شكلت النسخة الـ35 محطة مهمة للمغرب كدولة مضيفة، إذ تم الاعتراف دوليا بجودة التجهيزات والبنية التحتية للملاعب والمرافق الرياضية، وهو ما أثبت قدرة المملكة على استضافة بطولات قارية كبرى وفق معايير احترافية عالية. ولم تقتصر الفائدة على الجانب الرياضي فقط، بل امتدت إلى النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فقد أظهرت عدة تقارير أن تنظيم البطولة كان فرصة لتعزيز الاستثمارات المحلية في عدة قطاعات، كالسياحة والضيافة والنقل والخدمات، إلى جانب رفع مستوى الوعي الرياضي لدى الشباب المغربي، وتأكيد قدرة البلاد على احتضان أحداث كبرى دون مشاكل تنظيمية تذكر.
وفي ما يخص الجماهير، كان الدعم المغربي للمنتخب الوطني ولاعبي المنتخبات المشاركة واضحًا داخل الملاعب وخارجها، حيث تجمعت الأسر والعائلات لمتابعة المباريات، وشكّلت أجواء البطولة فرصة للتواصل الاجتماعي والفرحة المشتركة، مما عزز مكانة كرة القدم كظاهرة ثقافية واجتماعية لها حضور قوي في الحياة اليومية للمغاربة.
مجلة "TELSPORT عربي"، وفي إطار مواكبتها لقضايا الرياضة، تسلط الضوء، في هذا العدد، على العائد من منافسات الدورة الـ35 من كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، وقدرة المغرب على جمع أطياف القارة في احتفالية تظهر روح التنافس الشريف، وتجعل من الرياضة وسيلة لمد الجسور بين الشعوب والمجتمعات.
ربح عشر سنوات
في هذا الصدد، قال عزيز بوعبيد، الإطار الوطني واللاعب الدولي السابق، في تصريح لمجلة "TELSPORT عربي"، إن فوز المغرب بتنظيم واستضافة كأس إفريقيا للأمم لم يكن مجرد حدث رياضي عابر، بل شكل محطة تاريخية فارقة توجت مسارا طويلا من العمل الجاد، والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الذكي في البنية التحتية والتنمية الشاملة، فقد ربح المغرب من خلال كأس إفريقيا ما يعادل عشر سنوات من التقدم والازدهار في زمن قياسي، سواء على مستوى التجهيزات الرياضية أو فيما يخص البنيات التحتية المرافقة، من طرق، ومطارات، وقطارات، وفنادق، ومنشآت حضرية حديثة.
وأضاف بوعبيد أن المشاريع التي أنجزها المغرب في إطار التحضير لكأس إفريقيا تمثل أكثر من 80 بالمائة من التجهيزات الكبرى التي سيتم الاعتماد عليها لاحقا في تنظيم كأس العالم 2030، وهو ما يعكس، حسبه، وضوح الرؤية المغربية وربط الأحداث الرياضية الكبرى باستراتيجية تنموية طويلة المدى، فالملاعب التي تم تشييدها أو أعيد تأهيلها وفق أعلى المعايير الدولية، لم تصمم فقط لتستجيب لمتطلبات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بل روعي فيها أيضا دفتر تحملات الاتحاد الدولي، بما يجعلها صالحة لاستضافة كبريات التظاهرات العالمية.
وأوضح الإطار الوطني ذاته أن المغرب أظهر، من خلال هذه الدينامية، للعالم أن سنة 2030 لن تكون مجرد موعد رياضي، بل محطة تاريخية لإبهار العالم وتقديم نموذج ناجح في تنظيم التظاهرات الكبرى، فقد برهنت كأس إفريقيا على قدرة المغرب التنظيمية العالية، وعلى كفاءة موارده البشرية، سواء من حيث الأمن، أو اللوجستيك، أو التطوع، أو التدبير الإعلامي، وهو ما نال إشادة واسعة من المتابعين والوفود الرياضية والجماهير القادمة من مختلف أنحاء القارة.
الأثر الإيجابي لـ"الكان"
اعتبر الدولي السابق عزيز بوعبيد أن "الكان" خلف أثرا إيجابيا لم يقتصر على الجانب الرياضي فقط، بل امتد إلى الاقتصاد الوطني والسياحة والتشغيل، فقد ساهمت الاستثمارات المرتبطة بالبطولة في خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط الدورة الاقتصادية في عدة مدن مغربية، وتعزيز جاذبية المملكة كوجهة سياحية ورياضية عالمية، وأتاح هذا الحدث الفرصة للتعريف بالمؤهلات الثقافية والحضارية للمغرب، وبصورته كبلد منفتح، آمن، ومستقر.
وأضاف أن منافسات كأس أمم إفريقيا شكلت، أيضا، فرصة حقيقية لاختبار الجاهزية الشاملة للمغرب قبل كأس العالم 2030، سواء على مستوى البنيات التحتية أو فيما يخص التنسيق بين مختلف المتدخلين والمؤسسات، وقد أبانت هذه التجربة عن نضج كبير في الحكامة والتدبير، وعن قدرة المملكة على احترام الآجال وضمان الجودة، وهو عنصر حاسم في كسب ثقة الهيئات الدولية.
وختم بوعبيد حديثه لـ"TELSPORT عربي" بقوله: إن ما حققه المغرب من خلال كأس إفريقيا للأمم يؤكد أن الاستثمار في الرياضة ليس ترفا، بل رافعة حقيقية للتنمية الشاملة، فالمنشآت التي أنجزت ستظل تخدم الأجيال القادمة، وستستثمر في تطوير الرياضة الوطنية، وتشجيع الشباب، وتعزيز مكانة المغرب قاريا ودوليا، وهكذا، يمكن القول إن كأس إفريقيا لم تكن نهاية المطاف، بل خطوة واثقة على طريق 2030، ورسالة واضحة للعالم مفادها أن المغرب مستعد، وقادر، وطموح، ويملك رؤية تجعل منه شريكا موثوقا في تنظيم أكبر الأحداث الكونية.
مكاسب اقتصادية
قال رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، إن المغرب حقق مكاسب اقتصادية كبيرة من تنظيم كأس أمم إفريقيا، إذ تجاوزت العوائد حاجز المليار دولار، بما يغطي حجم التكاليف التي تحملتها الدولة من أجل إنجاح الحدث القاري.
وأضاف مزور، في تصريحات صحفية، إن المؤشرات الأولية للمنافسة كانت إيجابية على مختلف المستويات، مشيرا إلى أن المغرب ضخ استثمارات تجاوزت مليار يورو في البنية التحتية والتجهيزات الخاصة بتنظيم البطولة، فيمافاقت العائدات هذا الرقم سواء من المداخيل المباشرة أو غير المباشرة.
وأوضح مزور أن عائدات كأس إفريقيا شملت قطاعات متعددة، أبرزها السياحة وحركة الزوار، إلى جانب الانتعاش الكبير في معدلات الاستهلاك خلال فترة المنافسات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني، مضيفا أن مرحلة الإعداد والتنظيم لكأس الأمم الإفريقية ساهمت في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، ما منح دفعة قوية لسوق الشغل، ومؤكدا أن التأثير الإيجابي لم يقتصر على فترة إقامة المباريات فقط.
وأشار المسؤول الحكومي ذاته إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في حجم الاستهلاك، حيث ارتفعت مبيعات السيارات بأكثر من 35%، بينما ارتفع معدل الاستهلاك العام بنسبة تجاوزت 25% خلال فترة تنظيم الحدث القاري، مؤكدا أن الاستثمارات المخصصة لتنظيم كأس إفريقيا تمثل نحو 80% من الاستثمارات المطلوبة لاستضافة كأس العالم مستقبلًا، وأن البطولة القارية شكلت نجاحا اقتصاديا كبيرا واستثمارا استراتيجيا يعود بالنفع على جميع المغاربة.
ترويج سياحي استثنائي
أبرز نورالدين البركاني، المتخصص فيتحليل البيانات السياحية والاقتصادية، في تصريح لـ"TELSPORT عربي"، أن تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب شكل لحظة مفصلية تجاوزت الإطار الرياضي، لتتحول إلى رافعة حقيقية للترويج السياحي وتحريك عجلة الاقتصاد، فالرهان لم يكن على النتائج داخل الملاعب فقط، بل على استثمار الزخم الإعلامي والجماهيري في بناء صورة دولية إيجابية، وتسريع مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وخلال أسابيع المنافسة، انتقلت صور المدن المغربية إلى ملايين الشاشات حول العالم: ساحات تاريخية، شواطئ ممتدة، مطبخ متنوع، ودفء استقبال أصبح علامة مميزة،وهذا الانكشاف العالمي أعاد تقديم المغرب كوجهة متعددة التجارب، تجمع بين الثقافة والترفيه والرياضة، وظهر الأثر سريعا في اهتمام الزوار بمدن مثل الدار البيضاء، مراكش، طنجة، الرباط، فاس وأكادير، حيث ارتفعت نسب الإشغال الفندقي وتنوعت أنماط السياحة بين حضرية وثقافية وشاطئية ورياضية.
وأضاف البركاني أن المنافسة رافقتها موجة حجوزات قوية في الفنادق ودور الضيافة، وارتفاع في الطلب على النقل الجوي والسككي والخدمات السياحية، هذا الحراك انعكس على مداخيل العملة الصعبة، وعلى آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة المرتبطة بالسلسلة السياحية، من مطاعم، مقاهي، مرشدين، نقل محلي، وحرفيين، والأهم أن هذه الدينامية لم تتوقف بانتهاء المباريات، بل فتحت أسواقا جديدة في إفريقيا وأوروبا، وعززت عودة الجالية المغربية لقضاء العطل داخل الوطن.
وأوضح المتحدث ذاته أن التحضير للبطولة سرع وتيرة تحديث الملاعب والطرق والمطارات وشبكات النقل الحضري، واعتبر أن هذه الاستثمارات ليستتكلفة مناسبة ظرفية، بل هي رأسمال طويل الأمد يرفع إنتاجية المدن وقدرتها على جذب المؤتمرات والمعارض والفعاليات الدولية. ومن الناحية الاقتصادية، يعني ذلك تقليص زمن التنقل، وتحسين الربط الجوي، وتهيئة فضاءات حضرية أكثر جاذبية للاستثمار والسكن، ويظهر واقع كأس إفريقيا أن كل درهم يصرفه الزائر يولّد حركة داخل الاقتصاد المحلي، حيث استفادت الأحياء المحيطة بالملاعب والأسواق التقليدية من التدفقات الجماهيرية، ما خلق فرص شغل مؤقتة ودائمة، وأعاد توزيع الدخل على فئات واسعة، كما شهد قطاع الصناعات التقليدية انتعاشا ملحوظا بفضل الطلب على المنتوجات المحلية (زرابي، فخار، جلود، تذكارات)، وهو ما يعزز الحفاظ على التراث ويمنح الحرفيين نافذة على الأسواق الدولية.
عائدات اقتصادية مهمة
اعتبر البركاني أن الزخم الإعلامي والطلب المتزايد شجعا مستثمرين محليين وأجانب على إطلاق مشاريع فندقية وشقق مفروشة ومطاعم، خصوصا قرب محاور النقل والمناطق ذات الجاذبية السياحية، هذه الحركية انعكست بدورها على قطاع البناء والخدمات المرافقة (الهندسة، التمويل، التجهيزات)، محدثة دورة نشاط واسعة، ويبقى التحدي الأساسي هو توجيه هذه الاستثمارات نحو مشاريع مستدامة بيئيا ومندمجة اجتماعيا، حتى لا تتحول الطفرة إلى ضغط على السكن أو الخدمات العمومية.
وأضاف أن كأس إفريقيا أعادت الاعتبار للملاعب باعتبارها معالم قابلة للزيارة، وفتحت الباب أمام تطوير باقات للسياحة الرياضية: جولات داخل المنشآت، معسكرات تدريب شتوية للفرق الأجنبية، وفعاليات سنوية لعشاق كرة القدم،مبرزا أن هذا التنويع يطيل الموسم السياحي، ويخفف من التذبذب المرتبط بالصيف، ويخلق فرصاجديدة للشباب في مجالات التدريب والتنشيط الرياضي.وعلى مستوى أوسع، عزز نجاح التنظيم صورة المغرب كشريك موثوق في استضافة الأحداث الكبرى، ما يسهل استقطاب قمم اقتصادية وثقافية لاحقة، هذه القوة الناعمة تترجم عملياً إلى فرص شراكات، واتفاقيات استثمار، وفتح قنوات تعاون مع بلدان إفريقية وأوروبية، مستفيدة من شبكة العلاقات التي نسجها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم خلال البطولة
وأكمل البركاني أنه من الموسيقى إلى الطبخ، مرورا بالأزياء والفنون البصرية، تحولت أيام المباريات إلى منصات عرض للثقافة المغربية، مبرزا أن هذا الحضور حفز الطلب على المهرجانات والأنشطة الموازية، ورسخ فكرة التجربة المغربية المتكاملة، التي تجمع بين الرياضة والتراث والعيش المشترك، وسجل أنه رغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى الاستدامة رهينة بخيارات واضحة: استمرار الحملات الترويجية في الأسواق التي أبدت اهتماما، الارتقاء بجودة الخدمات (تكوين الموارد البشرية، رقمنة المساطر)، حماية القدرة الشرائية للسكان في المدن السياحية، وإدماج البعد البيئي في المشاريع الجديدة من حيث تدبير الماء، النفايات، النقل النظيف، مؤكدا أنه من دون هذه المقومات، قد تتحول المكاسب إلى موجة عابرة.
وأوصى البركاني، في حديثه، بضرورة تسويق ذكي للوجهة عبر قصص المدن وتجارب الزوار، وتحفيز الربط الجوي مع إفريقيا وأمريكا الشمالية وأوروبا الشرقية لتوسيع قاعدة الطلب، ودعم المقاولات الصغرى بقروض ميسّرة وبرامج تكوين مهني، وإنشاء رزنامة سنوية لفعاليات رياضية وثقافية تبقي الاهتمام قائما، وقياس الأثر الاقتصادي بانتظام لضبط السياسات العمومية على معطيات دقيقة.
واعتبر البركاني أن كأس إفريقيا 2025 لم تكن مجرد مباريات، بقدر ما كانت مختبرا حقيقيا لقدرة المغرب على توظيف الرياضة في خدمة التنمية، فقد استفاد البلد سياحيا، عبر تعزيز صورته وزيادة التدفقات، واقتصادياعبر تحريك الاستثمار وخلق فرص الشغل، ومؤسساتيا عبر اختبار جاهزية البنيات التحتية، ويبقى التحدي اليوم هو البناء على هذا الإرث لتحويل الزخم إلى نمو مستدام يشعر به المواطن في جودة العيش والخدمات.
ما الذي ربحه المغرب اقتصاديا
الصحفي المتخصص في الاقتصاد حسن أنفلوس، قال في تصريح لمجلة "TEL SPORT"، لم يكن تنظيم المغرب لكأس أمم أفريقيا 2025 مجرد حدث رياضي عابر، بل إنه حدث اقتصادي بامتياز حقق أرقاما ومكاسب جعلت من هذه النسخة الأنجح ماليا في تاريخ البطولة الأفريقية، ولعل ما جعل هذه الدورة حدثا اقتصاديا بارزا، بالإضافة إلى كونها حدثا رياضيا، هو ارتباط البلد المنظم بالتحضير لكأس العالم 2030، حيث إن جملة من الاستثمارات التي ينفذها تنصب في اتجاه الاستعدادات الجارية لاحتضان التنظيم المشترك مع اسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030.
واضاف، ذلك أنه ومنذ الإعلان عن اعتماد ملف الترشيح المشترك بالإجماع – المغرب، إسبانيا، البرتغال- شرعت المملكة المغربية في العمل على تنفيذ استثمارات ضخمة تفوق قيمتها 150 مليار درهم، وجاء تنظيم فعاليات كأس افريقيا للأمم 2025 ليكون أيضا مسرعا لتنفيذ هذه البنيات وتسريع جزء كبير من الأوراش الاستراتيجية والمهيكلة المتعلقة بتنظيم مثل هذه التظاهرات الدولية، لاسيما منها تأهيل الملاعب، وتوسعة وتجديد المطارات بالمدن الستة المستضيفة، وتقوية البنيات التحتية الطرقية وتكثيف شبكاتها داخل المدن، وإطلاق برنامج مندمج للتأهيل الترابي يمتد خارج المدن المستضيفة لمباريات كأس العالم، وتطوير البنية التحتية الفندقية والتجارية، ثم تقوية وتحديث العرض الصحي، وتطوير وتحديث شبكات الاتصال، بالإضافة إطلاق برنامج موسع للتكوين من أجل تقوية كفاءات الشباب.
وتابع أنفلوس، ساهمت تظاهرة كرة القدم، كأس إفريقيا للأمم 2025 تحديدا، في تسريع تطوير قطاع الاتصالات بإطلاق تقنية الاتصالات من الجيل الخامس، نونبر 2025 قبيل الحدث الكروي القاري، وتعزيز التغطية بشبكة الانترنت، وارتباطا بالحدث ذاته، وبحسب تصريحات مسؤولين حكوميين مغاربة، فإن المداخيل المسجلة بتنظيم كأس أفريقيا للأمم بلغت نحو 1.5 مليار أورو.
واستقبل المغرب أكثر من 500 ألف سائح إضافي بهذه المناسبة وهو ما انعكس على القطاع السياحي إنفاقه بشكل إيجابي، كما سجلت حركة الطيران زيادة مهمة وحقق قطاع السياحة أرقاما قياسية في تاريخه.وأكمل أنفلوس، تصريحات المسؤولين الحكوميين المغاربة، تفيد أن ما تم إنجازه من بنيات تحتية وتجهيزات كانت كافية لتبرز أهمية تنظيم من هذه التظاهرات بحيث تم إنجاز نحو 80 في المائة من البنيات التحتية التي يتطلبها تنظيم كأس العالم، وقد ساهم تنظيم كأس أفريقيا 2025 في تحقيق هذا المعدل من الإنجاز بشكل كبير على مستوى الطرقات والمستشفيات والمطارات وبنيات الاستقبال الفندقي، وفضلا عن توسيع البنيات المطارية، ساهم الحدث القاري وكذا الاستعداد لكأس العالم 2030، في تسريع وتيرة العديد من الأوراش في النقل الحضري حيث تم تحديث الأسطول واقتناء مئات الحافلات العصرية، كما تم الشروع في أشغال ربط القنيطرة بمراكش عبر الرباط والدار البيضاء بالخط السككي فائق السرعة.وأوضح المتحدث أن التقديرات تشير أيضا إلى تنظيم كأس أفريقيا للأمم 2025 ، ساهم في تنشيط سوق الشغل حيث تم خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة في قطاعات متعددة كالأشغال والبناء والسياحة والفندقة.
وسجل الرواج التجاري في المدن المستضيفة للكأس افريقيا والحواضر القريبة منها ارتفاعا في المعاملات بما يعادل 30 في المائة خلال فعاليات الدورة، فضلا عن كل ذلك، عزز المغرب من صورته وسمعته الدولية الرياضية بفضل التنظيم المحكم وحسن الاستقبال والبنيات التحتية المتطورة، وهو الأمر الذي ينعكس بشكل مباشرة على الرغبة في استكشاف المغرب والسفر إليه من قبل السياح الأجانب الأمر الذي يعزز الجاذبية السياحية والاستثمارية بشكل عام. وختم أنفلوس بقوله، بشكل عام، فإن تنظيم كأس افريقيا 2025 كان له أثر إيجابي على الاقتصاد الوطني من حيث البنيات والتجهيزات والرواج الاقتصادي وخلق فرص الشغل، ذلك أن تنظيم التظاهرات الرياضية لم يعد أمرا يهدف إلى خلق الفرجة فقط، بل أصبح عنصر من عناصر البناء والتنمية الاقتصادية وبوابة للانفتاح على العالم والتعريف بمؤهلات البلد المستضيف على جميع الأصعدة
رؤية الملك للحدث القاري
عبر الملك محمد السادس عن "عميق شكره" لكافة مكونات الأمة التي ساهمت في إنجاح الدورة الـ35 لكأس إفريقيا للأمم، التي احتضنتها المملكة المغربية في أجواء وصفها البلاغ بـ"الحماسية"، خلال الفترة الممتدة من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026.
وأوضح البلاغ الصادر عن الديوان الملكي أن الملك حرص على تهنئة المواطنين عبر مختلف مدن المملكة على الجهود المبذولة، موجها الشكر لكل فرد على مساهمته في "هذا النجاح التاريخي" الذي حظي باعتراف وإشادة على نطاق واسع.
تنويه بالجماهير وبالمنتخب الوطني
وخص البلاغ بالتنويه "ملايين المغاربة، نساء ورجالا وأطفالا"، الذين دعموا المنتخب الوطني بشكل "نموذجي"، مشيرا إلى أن المنتخب المغربي بات يحتل المرتبة الثامنة عالميا، وهي نتيجة اعتبرها البلاغ ثمرة سياسة رياضية "إرادية وعالية الطموح"، سواء على مستوى تطوير الرياضة أو تعزيز البنيات التحتية.
كما أبرز البلاغ أن هذا المسار تعزز أيضا باختيار "أبناء موهوبين من مغاربة العالم" لحمل قميص المنتخب الوطني والدفاع عن ألوانه "بكل فخر واعتزاز"، في إشارة إلى دور الجالية المغربية في دعم كرة القدم الوطنية.
محطة بارزة وقياس لوتيرة التقدم
وأكد البلاغ أن هذه الدورة ستظل محطة بارزة في تاريخ المنافسة القارية، ليس فقط من زاوية النتائج الرياضية، بل لأنها مكنت أيضا من قياس "الطفرة النوعية" التي حققتها المملكة على طريق التنمية والتقدم، بفضل "رؤية بعيدة المدى ونموذج مغربي متفرد وفعال" يضع المواطن في صلب الطموحات.
وفي ما يتعلق بالمباراة النهائية التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره السنغالي، أشار البلاغ إلى أن هذا "الحفل الكروي القاري الكبير" شابته "أحداث مؤسفة" خلال الدقائق الأخيرة، تم خلالها تسجيل "وقائع وتصرفات مشينة"، مؤكدا أنه بعد تراجع حدة الانفعال، "ستنتصر روابط الأخوة الإفريقية بشكل طبيعي"، لأن النجاح المغربي هو أيضا "نجاح لإفريقيا كلها.
وشدد البلاغ على أن المغرب يظل فخورا بكونه قدم "شهرا من الفرح الشعبي والحماس الرياضي"، وساهم في إشعاع كرة القدم الإفريقية على مستوى القارة.
رد على التشهير ومحاولات التشكيك
وتطرق البلاغ إلى ما وصفه بـ"التشهير وبعض محاولات النيل من المصداقية"، مؤكدا أن الملك محمد السادس مقتنع بأن "المخططات المعادية لن تبلغ مرادها"، وأن الشعب المغربي "يدرك كيف يميز بين الأمور" ولن ينساق وراء "الضغينة والتفرقة".
كما شدد البلاغ على أن "لا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب" الذي نسجته شعوب إفريقيا عبر قرون، ولا بالتعاون القائم بين بلدان القارة، والذي يواصل التعزز عبر شراكات أكثر طموحا.
وأكد البلاغ ذاته على أن المملكة المغربية "كانت وستظل بلدا إفريقيا كبيرا"، وفيا لروح الأخوة والتضامن والاحترام تجاه القارة، مضيفا أن المغرب سيواصل، وفق الرؤية المتبصرة للملك، التزامه الراسخ لفائدة إفريقيا "موحدة ومزدهرة"، خصوصا عبر تقاسم تجاربه وخبرته ومهاراته.
انتشار رقمي غير مسبوق
أفادت الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم أن كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب حطمت أرقاما قياسية جديدة، إذ بلغت 6 مليارات مشاهدة رقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، خلال المنافسة، وأنها أصبحت حاليا أكثر المنافسات القارية لكرة القدم مشاهدة، بعدما حققت رقما استثنائيا بلغ 5.2 مليارات مشاهدة فيديو.
وأضافت أن هذه الأرقام تبرز التأثير العالمي المتنامي للمنافسة، والشغف الذي لا يضاهى لجماهير كرة القدم الإفريقية، ولفتت إلى أن الجاليات الإفريقية في الخارج شكلت واحدة من أكبر مجالات النمو بالنسبة لـ"الكاف"، وكأس أمم إفريقيا بالمغرب، حيث استقطبت "الكاف" ملايين الجماهير والمستخدمين الجدد، كما أن هذا الإنجاز يضع الحدث الكروي الأبرز في إفريقيا في صدارة التفاعل الرقمي العالمي، متجاوزا جميع المنافسات القارية المماثلة في التاريخ، مبرزة أن محتوى كأس أمم إفريقيا، من الأهداف الرائعة واللحظات الدرامية في المباريات، إلى الكواليس وردود فعل الجماهير، انتشر بسرعة لافتة عبر الحدود واللغات والثقافات، معززا مكانة المنافسة كحدث عالمي حقيقي.
وبحسب المصدر ذاته، كانت الجماهير المحرك الرئيسي للمنافسة، إذ تم تسجيل ما مجموعه 285 مليون تفاعل، ما يعكس مستوى غير مسبوق من التفاعل والانخراط العاطفي، كما برزت منصة "تيك توك" كقلب نابض للنظام الرقمي للمنافسة، إذ تم إنشاء أكثر من مليون فيديو من إنتاج الجماهير تحت وسم" #TotalEnergiesAFCON2025 "، محولة المنافسة إلى حركة ثقافية تجاوزت حدود المستطيل الأخضر.
ولفت المصدر ذاته إلى أن المشجعين استخدموا المنصة لسرد قصصهم الخاصة عن المنافسة في الوقت الحقيقي،لنقل احتفالات الأهداف الإبداعية والتحليلات التكتيكية، والفكاهة والموسيقى والموضة المستوحاة من كأس أمم إفريقيا، مضيفا أنهذا التوهج ساعد في محتوى "تيك توك"، على تعريف المنافسة بجماهير جديدة وأصغر سنا، مضخما ثقافة كرة القدم الإفريقية على نطاق لم يُشهد له مثيل من قبل، حيث أصبحت المنصة مسرحا عالميا تواصل فيه اللاعبون والمنتخبات والمشجعون بشكل مباشر، من دون حواجز تقليدية بين اللعبة وجماهيرها.
وخلص "الكاف" إلى أن النجاح الرقمي لكأس أمم إفريقيا خلال الدورة الـ35، يعكس التزام الاتحاد الإفريقي لكرة القدم المتواصل بالابتكار، وإشراك الجماهير والنمو العالمي، فمع أرقام قياسية ومجتمع رقمي نابض بالحياة، أرست المنافسة معيارا جديدا لكيفية عيش كرة القدم في إفريقيا ومشاركتها، والاحتفاء بها حول العالم.
ضمان الأمن القانوني
قال المحامي بهيئة الدار البيضاء، زكرياء كحيلي، في تصريح لمجلة "TELSPORT عربي"، إن تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى لم يعد مجرد حدث رياضي عابر، بل أصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الدول على ضمان الأمن القانوني ونجاعة مؤسساتها، وعلى رأسها السلطة القضائية باعتبارها مرفقا عموميا أساسيا، وفي هذا السياق، شكل تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025 محطة بارزة أبرزت مكاسب مهمة في مجال العدالة، حيث تم توظيف الإصلاحات القانونية والمؤسساتية لتعزيز سرعة التدخل القضائي، وتقريب العدالة من المواطنين، وترسيخ حضور قانوني فعال داخل الفضاءات الرياضية.
وأضاف كحيلي، أن التنظيم المحكم للتظاهرة ساهم في توفير أرضية عملية لتفعيل المقتضيات القانونية والإجراءات المسطرية بشكل سلس وفعال، وهو ما يعد سابقة نوعية ليس فقط على المستوى الوطني، بل أيضا على الصعيد الإفريقي، فنجاح أي منظومة قانونية لا يرتبط بالنصوص التشريعية وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تنزيلها ميدانياً ضمن سياق تنظيمي مضبوط يسمح بسرعة اتخاذ القرار وتنسيق تدخل مختلف الفاعلين.
وتابع أن من بين أبرز المكتسبات، كذلك، توسيع نطاق عمل المرفق العام القضائي خلال فترة التنظيم، بما يضمن استمرارية الخدمة القضائية واحترام مبدأ استمرارية المرافق العمومية، الذي يشكل أحد المبادئ الأساسية المؤطرة للعمل الإداري والقضائي. فقد تم تعزيز الجاهزية المؤسساتية لضمان معالجة القضايا بشكل مستمر وفعال، رغم الضغط الذي تفرضه التظاهرات الكبرى، وهو ما يعكس تحولاً نحو عدالة قادرة على التكيف مع الظروف الاستثنائية دون الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
وأكمل المحامي بهيئة الدار البيضاء أن تطوير الإطار القانوني والتنظيمي المرتبط بتدبير الأحداث الرياضية الكبرى، برز خاصة في ما يتعلق بمحاربة الشغب الرياضي وتنظيم الولوج إلى الملاعب وتعزيز آليات الردع القانوني تجاه السلوكيات التي قد تمس بالأمن أو بصورة التنظيم. وقد ساهمت هذه المقتضيات في ترسيخ مقاربة وقائية تجعل من القانون أداة استباقية لضمان حسن سير المنافسات وحماية سلامة الجمهور، وفي هذا السياق تم اعتماد إجراءات قانونية وأمنية متقدمة داخل الملاعب، حيث تم تعزيز آليات رصد الجرائم والتعامل الفوري معها عبر تنسيق محكم بين السلطات الأمنية والنيابة العامة، مع الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة تسمح بتوثيق الوقائع وجمع الأدلة وتفعيل المساطر القضائية بسرعة وفعالية. ويشكل قانون المسطرة الجنائية المرجع العام المنظم لإجراءات البحث والمتابعة، بما يضمن التدخل السريع في إطار احترام الضمانات القانونية.
واعتبر كحيلي أن رقمنة العدالة وتحديث طرق تدبير الملفات القضائية ساهما في تقليص آجال معالجة القضايا وتعزيز النجاعة القضائية، وهو ما مكن المنظومة القضائية من مواكبة الدينامية التي تفرضها التظاهرات الرياضية الدولية دون المساس بحقوق المتقاضين، كما أن نجاح التنظيم الرياضي بالمغرب لم يكن مجرد نجاح لوجستي أو تقني، بل شكل رسالة قوية إلى العالم مفادها أن المملكة أصبحت قادرة على مواجهة التحديات الكبرى عبر مؤسسات حديثة ومنظومة قانونية متطورة.
وأوضح كحيلي أن هذا الحدث أبرز أن التنظيم المحكم يشكل رافعة حقيقية لتفعيل القانون على أرض الواقع، وأن العدالة السريعة والفعالة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من معايير نجاح التظاهرات الكبرى، وفي المحصلة، يظهر أن من أهم ما اكتسبه المغرب من تنظيم كأس إفريقيا 2025 هو ترسيخ نموذج جديد للعدالة يقوم على السرعة والنجاعة والحضور الميداني، مع ضمان استمرارية المرفق العام القضائي وقدرته على التكيف مع السياقات الاستثنائية، في تجربة يمكن اعتبارها سابقة مميزة على المستوى الإفريقي.
كرة القدم كأفق للتعايش
أفاد الباحث في قضايا الرياضة، جعفر لعزيز، في تصريح لمجلة "TELSPORT عربي" أن تجربة كأس إفريقيا بالمغرب أظهرت أن الشعب المغربي شعب وديع ومتسامح ومضياف، فقد تعايش مع مختلف أجناس القارة السمراء دون إثارة عنصرية أو تعال، ومنذ اليوم الأول والمغاربة يقدمون الترحيب للوافدين والزوار القادمين من إفريقيا والبلدان المجاورة والدول الشقيقة، غير مكترث للعداوات والحسد والبغضاء.
وتابع أن المغاربة أظهروا، رغم مشاهد الحقد والسعي إلى خلق الصراعات، أن نفوسهم نقية تسعى دائما إلى الصلح والتعايش بعيدا عن التنابز والتباغض والتباعد، مبرزا أننا رأينا الحب والترحيب في المقاهي والشوارع وعلى اللافتات والشاشات، حيث بدت الابتسامات في وجوه المغاربة وهم في الملاعب يمازحون الأفارقة والعرب، صور كثيرة ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تعبر عن كرم المغاربة وحسن ضيافتهم وتعاملهم.
وأضاف لعزيز أن من الأمثلة والمشاهد الدالة على كون كرة القدم أفقا للتعايش ونشر القيم الإنسانية، هو تعامل المغاربة مع الأشقاء الجزائريين معاملة سادها الحب والاحترام والتقدير، ومن أمثلة ذلك أيضا مساندة المغاربة للفرق العربية، وسعيهم إلى إنجاح كأس إفريقيا بالحضور إلى الملاعب، وهذه كلها أخلاق الشرفاء والكرماء والنبلاء، كأس كانت فرصة ليعيد المغرب تقوية روابط الأخوة والمحبة وتجديدها، وكانت فرصة ليعرف العالم معنى كلمة المغرب، مغرب كريم عزيز، مغرب عتيق، لا يجد نفسه غريبا بين الناس، بل يخلق لنفسه فسحة المرح والضحك مع مختلف الناس، وبهذا يمكن أن تكون كرة القدم وسيلة لكشف علات الناس وزلاتهم وأحقادهم،وتظهر النفوس الخبيثة والنوايا الخسيسة، وتبدي أن المغرب وجد في هذه البقعة المباركة الشريفة ليسعد الناس ويبهجهم ولا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق والحب والكرم.
وأكد لعزيز أن من المشاهد، أيضا، أن المغرب يرحب بكل التظاهرات القارية ويسعى إلى إنقاذ أشقائه الأفارقة من الوحل والمستنقع، ويبتغي تحسين صورتهم وإرسال رسالة مفادها أن إفريقيا بخير ما دام المغرب في هذه البقعة المباركة، وهذه الخصال الكريمة السمحة ليست غريبة عن المغاربة، فقد كانت المملكة الشريفة مركز إشعاع فياض لمختلف بلدان المشرق والمغرب والأندلس وإفريقيا، حيث توافد عليها أناس كثيرون لغايات شتى لا تعد ولا تحصى، منها لغاية علمية، وتظهر في كون فاس ومراكش حاضرتين علميتين وقبلتين لطلبة العلم من مختلف بلدان العالم، ففي فاس يوجد جامع القرويين الذي توافد عليه الناس من المشرق ومن أوروبا ومن الأندلس بغية اكتساب العلم والتبحر في العلوم، ومعرفة درره وجواهره، ومنهم من يأتي للسياحة واكتشاف المعالم الأثرية في المدينة، وفي مراكش وسوس توجد المدارس العتيقة في القرى والبوادي والمداشر التي يجتمع فيها أخلاط من الناس.