أكد مجلس المنافسة أن دينامية الإصلاحات في قطاع الكهرباء تباطأت بسبب المعيقات البنيوية للنموذج الحالي القائم على هيمنة الإنتاج الأحفوري، وعقود تموين طويلة الأمد تفتقر إلى المرونة، مشيرا، في تقريره السنوي برسم سنة 2024، إلى أن ذلك يؤثر سلبا على الوضع المالي للسوق وللفاعل التاريخي المتمثل في المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وأوصى المجلس بمراجعة جذرية للنموذج الحالي، مبنية على رؤية طويلة الأمد تمتد من 20 إلى 40 سنة، بهدف جعل السوق أكثر فاعلية وانفتاحا على المنافسة.
وشدد التقرير على أن هذا التحول المقترح يقتضي "مراجعة البنية التنظيمية للقطاع التي يهيمن عليها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب"، لافتا إلى أن وجود المكتب على طول سلسلة القيمة لا يضمن الشفافية بشأن التكاليف.
واقترح المجلس إعادة توجيه المكتب نحو مهامه الاستراتيجية في التخطيط والنقل، والتخفيف التدريجي لأنشطة الإنتاج والتوزيع المسندة إليه.
وأشار التقرير إلى أن إنجاح هذا التحول يعد ضروريا لإعادة هيكلة الدين الكبير للمكتب، والذي ينقسم إلى ثلاث فئات رئيسية، تشمل دينا يتعلق بالاستثمارات المكلفة في مجال الإنتاج لتعميم الخدمة العمومية، والمتفاقم بالتعريفة غير الكافية المطبقة وبالدعم المشترك الموجه لنشاط الماء الصالح للشرب، ودينا ناتجا عن استثمارات استراتيجية في نقل الكهرباء، وكذا دينا مرتبطا بالتوزيع، لاسيما في المناطق القروية، تفاقم بسبب خسائر تقنية ومالية كبيرة.
ودعا التقرير إلى خلق بنية لهيكلة الديون، يناط بها تدبير الديون المتصلة بالإنتاج، وبالعجز التعريفي، وبالالتزامات الاجتماعية، مع نقل ديون التوزيع إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات، أما ديون النقل فتبقى على عاتق المكتب بصفته المكلف بتدبير الشبكة الوطنية للنقل"، بحسب تعبير المجلس.
وسجل المجلس أنه، بحسب النموذج الجديد، سيعهد التوزيع إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات، التي ستضطلع بدور محوري في تجميع وحقن وتوزيع الكهرباء المنتجة محليا، لاسيما من قبل منتجي الطاقات المتجددة والمنتجين الذاتيين"، بينما سيهتم المكتب، المعاد تركيز نشاطه على النقل، بالتخطيط على المدى الطويل، وضمان توازن العرض والطلب، وتدبير الشبكات الكهربائية للربط.
وبخصوص الإنتاج، أوصى مجلس المنافسة بأن يعهد به إلى القطاع الخاص، سواء من خلال عقود شراء الكهرباء من منتجين مستقلين، أو عبر القانون رقم 40.19 بالنسبة للمنتجين الذاتيين.
وفي ما يتعلق بعقود شراء الكهرباء من مصادر الطاقة الأحفورية والتي لا تتسم بالتنافسية وغير المستهلكة أصولها، فاقترح المجلس وقفها فورا مقابل تعويضات مالية تؤدى دفعة واحدة، وتحول لبنية هيكلة الديون.
واقترح المجلس الإبقاء على العقود المبرمة مع المنتجين المستقلين التي لا تزال مربحة لضمان تأمين الإمدادات، وتمديد آجال العقود المبرمة مع الوكالة المغربية للطاقة المستدامة بغية خفض التكاليف بسرعة أكبر، إلى جانب تطوير الإنتاج من مصادر الطاقات المتجددة من أجل تأمين الإمدادات الوطنية والاستجابة للاحتياجات المتزايدة، لاسيما في مجال تحلية مياه البحر.
ووفق توقعات المجلس، يمكن خفض تكلفة إنتاج الكهرباء من حوالي 0.9 درهم للكيلواط ساعة حاليا إلى 0.6 درهم للكيلواط ساعة خلال العشرين سنة المقبلة، بفضل الإمكانيات الهائلة التي يتوفر عليها المغرب في الطاقات المتجددة.
وتحقيقا لهذه الغاية، يوضح التقرير، "يجب توسيع العرض في فئتي الجهد المتوسط والجهد المنخفض، من خلال جعل الإطار التنظيمي أكثر جاذبية"، مشيرا إلى أن التطوير الواسع للإنتاج الذاتي، خاصة في فئة الجهد المنخفض، من شأنه أن يمثل رافعة قوية يصبح من خلالها المستهلكون منتجين أيضا.
وكشف المجلس عن أن أكثر من 50.000 منشأة للطاقة الشمسية في القطاع الفلاحي لديها إمكانات كبيرة لا تزال غير مستغلة في الوقت الراهن.
وسجل المجلس أن اعتماد هذا النموذج الجديد سيمكن المغرب من تثمين موارده المتجددة، وتعزيز سيادته الطاقية، وتقليص تبعيته، وجعل الكهرباء محركا حقيقيا للتنافسية الاقتصادية المستدامة.