تعود الدورة السابعة والعشرون من مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة لتؤكد، مرة أخرى، مكانة هذا الموعد الفني كأحد أبرز المختبرات الحية للموسيقى في المغرب، حيث تتقاطع "التڭناوية" مع مختلف التعبيرات الموسيقية العالمية في فضاء مفتوح على التجريب واللقاء وإعادة تشكيل الحدود بين الأنماط الفنية.
وبعد أكثر من ربع قرن من التراكم، يرسخ المهرجان صورته كمنصة لا تكتفي بعرض الموسيقى، بل تصنع لحظات فنية قائمة على التفاعل المباشر بين المعلمين الكناويين وأسماء دولية، في تجربة تجعل من الصويرة فضاء دائما لإعادة ابتكار الحوار الثقافي عبر الصوت والإيقاع.
بين كناوة وموسيقات العالم.. برمجة مكثفة وإقامات فنية تكرس روح التلاقي في الصويرة
وتشهد هذه الدورة من مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة برمجة فنية مكثفة تعكس روح الانفتاح والحوار بين الثقافات، من خلال سلسلة من اللقاءات الموسيقية الكبرى والإقامات الفنية التي تجمع بين معلمين كناويين وأسماء عالمية بارزة.
وكشف المعلم عبد السلام عليكان، المدير الفني للمهرجان، أن هذه الدورة تنطلق بعرض إقامة فنية يقوده المعلم مهدي نصولي، بمشاركة سارة مولابلاد وغانافيا وفرقة "إي بوهورو" وسيلفان بارو، في عمل جماعي يرسم منذ البداية ملامح دورة قائمة على التلاقي بين عوالم موسيقية متعددة.
وفي ما يتعلق بالبرمجة الفنية، أوضح عليكان أن "الفيوجنات" الكبرى تشكل قلب هذه الدورة، حيث يلتقي المعلم حميد القصري بالفنان البرازيلي كارلينيوس براون، فيما يقدم مهدي قموم عرضا مشتركا مع "هارلم سبيريت أوف غوسبل" بقيادة أنطوني مورغان، في مزج موسيقي يجمع بين الجذور الروحية الإفريقية وتجربة الغوسبل الأمريكية.
وفي السياق نفسه، أضاف أن إحدى الإبداعات الفنية الجديدة تجمع المعلم محمد منتاري بفرقة "بادوميز باند" الإثيوبية والمغنية سيلامنيش زيميني، في حين يحتضن المهرجان إقامة موسيقية كبرى تجمع المعلم حسن بوسو بكل من ألكسندر هيريشون، محمد الدرويش، جاك شوارتز-بارت، شيخ ندوي، كريم زياد ومريم أسيد، في تجربة فنية متعددة الطبقات تقوم على التفاعل بين مدارس موسيقية مختلفة.
وفيما يخص لحظات التكريم، أبرز عليكان أن محطات هذه الدورة تتمثل في لحظة وفاء خاصة، عبر تكريم المعلم الراحل مصطفى باقبو، بمشاركة عدد من المعلمين والفنانين من جيله ومحيطه الفني، في استحضار لمساره وإرثه داخل الذاكرة الكناوية.
مهرجان كناوة بالصويرة.. من تراث محلي إلى إشعاع عالمي يعيد تعريف التڭناوية
وفي سياق الحديث عن حصيلة هذه التجربة الفنية الممتدة، يبرز سؤال جوهري حول الأثر الذي تركه المهرجان خلال أزيد من عقدين من الزمن، ليس فقط على مستوى البرمجة، ولكن أيضا على الصورة التي بات ينظر بها إلى المعلمين الكناويين وإلى الثقافة التڭناوية عموما.
في هذا الصدد، أفاد المعلم عليكان أن تأثير المهرجان على صورة المعلمين الكناويين وعلى الثقافة التڭناوية كان عميقا ومتدرجا، حيث ساهم في إعادة تشكيل نظرة الجمهور لهذا الفن، وجعله يحظى باعتراف يتجاوز الإطار التقليدي الضيق.
وأوضح أن التڭناوية أثارت خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا لدى الفنانين والجمهور على حد سواء، إلى درجة أصبحت معها مرجعا موسيقيا قائما بذاته، يتجاوز حدود التصنيف التقليدي، بفضل ما راكمه المهرجان من تجارب لقاءات ومشاريع مزج موسيقي انطلقت من التجربة الميدانية والتفاعل الحي بين الفنانين.
وفي ما يخص موقع المعلمين الكناويين اليوم، أكد عليكان أنهم لم يعد ينظر إليهم فقط كحراس لتراث محلي، بل كفنانين يحملون تراثا حيا وقادرا على الحوار مع مدارس موسيقية عالمية مختلفة، ما منحهم حضورا أوسع على الساحة الدولية، ورسّخ مكانتهم داخل مشهد موسيقي متحول.
وأضاف أن المهرجان لعب دورا محوريا في هذا التحول، من خلال توفير فضاء للعرض والتجريب والتلاقي الفني، جعله منصة للانفتاح والتبادل الثقافي، وفي الوقت نفسه حافظ على الجذور الروحية والثقافية للتڭناوية، بما يعزز إشعاعها ويكرس مكانتها على المستوى العالمي.
روح كناوة بين الجذور والعالم.. كيف يوازن المهرجان بين الأصالة والانفتاح؟
وفي سياق هذا الانفتاح الفني المتزايد، يظل سؤال التوازن بين الحفاظ على روح كناوة الأصيلة ومواكبة مختلف التعبيرات الموسيقية العالمية مطروحا بإلحاح، باعتباره أحد الرهانات الأساسية التي يقوم عليها المشروع الفني للمهرجان.
يرتكز الحفاظ على روح كناوة الأصيلة، وفق ما يؤكد المعلم عليكان، على صميم الاختيارات الفنية التي يقوم عليها هذا الموعد الثقافي، حيث لا تبنى البرمجة على أسماء الفنانين أو شهرتهم بقدر ما تُبنى على جودة اللقاءات الفنية وقدرة الضيوف على الانسجام مع عالم التڭناوية واحترام خصوصياته.
وأوضح أن عملية انتقاء المشاركين تستند إلى تجربة ميدانية طويلة ومعرفة دقيقة بالجمهور الكناوي والمغربي، بما يسمح بخلق توازن بين الانفتاح على مدارس موسيقية مختلفة والحفاظ على جوهر هذا الفن. وفي هذا السياق، شدد على أن المزج الموسيقي ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لإبراز غنى التڭناوية وقدرتها على الحوار مع مختلف الثقافات دون التفريط في هويتها الأصلية.
وختم بالتأكيد على أن هذه المقاربة هي التي تضمن استمرار روح كناوة داخل فضاء منفتح على العالم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصيتها وامتدادها الثقافي والروحي.
مهرجان كناوة: حين يتحول "المختبر الموسيقي" إلى فضاء لإعادة ابتكار التراث
في امتداد هذا النقاش حول موقع المهرجان بين الانفتاح الفني والحفاظ على الخصوصية، يبرز بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كونه يقدم اليوم كـ"مختبر موسيقي" تتشكل داخله ملامح تطور الفن الكناوي بين التجريب والالتزام بالجذور.
أفاد المعلم عبد السلام عليكان، المدير الفني لمهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، أن وصف المهرجان بـ"المختبر الموسيقي" يعكس جوهر التجربة التي يقوم عليها، حيث لا تفهم مسارات التطور الفني باعتبارها قطيعة مع التقليد، بل كامتداد حيّ ينطلق من التفاعل المباشر، ومن التجربة الميدانية، ومن اللقاء بين الفنانين داخل فضاء مفتوح على مختلف التأثيرات الموسيقية.
وأوضح أن برمجة المهرجان تبنى على أساس الانفتاح على تجارب فنية من مختلف القارات، مع الاستفادة من خبرات الساحة الدولية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على ارتباط وثيق بفن التڭناوية، من خلال معرفة دقيقة بجمهورها وبفضاءاته التعبيرية، بما يضمن توازنا بين التجديد والهوية.
وفي ما يتعلق بالحفاظ على الأصالة، أكد عليكان أن هذا الرهان لا ينفصل عن العمل اليومي المتواصل طوال السنة، عبر تكوينات ولقاءات تجمع المعلمين، إلى جانب آليات نقل المعرفة المرتبطة بالرحبة ودور المعلم في حفظ هذا التراث الشفهي والروحي.
وأضاف أن هذا المسار تدعمه بشكل أساسي جمعية "يرما كناوة"، التي لا يقتصر دورها على التنظيم، بل تمتد مهامها إلى صون التراث الكناوي ونقله، حيث ساهمت في الاعتراف الدولي بالموسيقى الكناوية من طرف منظمة اليونسكو، كما تطور برامج للتكوين ومواكبة المعلمين، وتعمل على تثمين رواد الفن ورصد الأجيال الجديدة، بما يعزز استمرارية هذا التراث ويضمن انفتاحه على موسيقات العالم دون فقدان هويته الأصلية.
حفلات المزج في مهرجان كناوة.. عندما يتحول الاختيار الفني إلى تجربة ميدانية دقيقة
تكتسي حفلات المزج الموسيقي في المهرجان أهمية خاصة، باعتبارها من أكثر لحظاته الفنية تعقيدا، حيث تقوم على لقاءات بين مدارس موسيقية مختلفة تستدعي إعدادا دقيقا وضبطا فنيا محكما.
وفي ما يخص هذا الجانب، كشف المعلم عليكان، أن برمجة المهرجان تستند إلى تجربة ميدانية طويلة راكمها القائمون على التوجيه الفني عبر سنوات من الاحتكاك المباشر بالمشاهد الموسيقية في المغرب وإفريقيا وأوروبا والعالم العربي وعلى المستوى الدولي.
وأوضح أن هذا التراكم يسمح باعتماد مقاربة تقوم على الإحساس الفني المباشر، ومتابعة الفنانين في عروضهم الحية فوق الخشبة، إلى جانب قدرتهم على الانسجام مع روح الفن الكناوي باعتبارها شرطا أساسيا لنجاح هذه اللقاءات. مضيفا أن عملية الاختيار لا ترتبط فقط بالشهرة أو الاسم الفني، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى انسجام الفنان مع جمهور المهرجان، وإمكانية خلق حوار موسيقي حقيقي بين مدارس مختلفة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن هذه المقاربة التفاعلية والإنسانية مكنت من بناء علاقات فنية متميزة مع عدد من الأسماء العالمية، من بينها فرقة "ذا وايلرز" وكارل دينسون، الذين أبدوا إعجابا خاصا بغنى التڭناوية وبالهوية الفنية الفريدة التي يتميز بها مهرجان الصويرة.
من الصويرة إلى العالم.. كيف رسخ مهرجان كناوة مكانة التڭناوية على الخريطة الدولية؟
بعد أزيد من سبع وعشرين دورة، يطرح مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة سؤال حصيلته الفنية والثقافية، ومدى تأثيره في إعادة تشكيل موقع فن كناوة داخل المشهدين الوطني والدولي.
اعتبر المعلم عبد السلام عليكان، المدير الفني للمهرجان، أن هذه التظاهرة أسهمت بشكل بارز في تعزيز حضور فن كناوة والتڭناوية، ورفعت من مستوى إشعاعها داخل المغرب وخارجه، بعدما كانت في السابق محدودة الانتشار داخل فضاءات ضيقة.
وأوضح أن هذا الفن أصبح اليوم يحظى باهتمام واسع على الساحة الدولية، ويستقطب عددا متزايدا من كبار الموسيقيين العالميين الذين وجدوا فيه مصدر إلهام أو فضاءً للتجريب والتقاطع الفني، ما يعكس التحول الذي عرفه موقعه داخل الخريطة الموسيقية العالمية.
وأضاف أن إدراج فن كناوة سنة 2019 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو شكل محطة مفصلية في هذا المسار، إذ عزز الاعتراف الدولي به وكرس قيمته الثقافية والروحية، وفتح أمامه آفاقا أوسع للحضور والتأثير عالميا
مصطفى باقبو في ذاكرة كناوة.. تكريم جماعي يعيد الاعتبار لرموز الفن
في ما يتعلق بأحد أبرز لحظات هذه الدورة، يبرز تكريم المعلم الراحل مصطفى باقبو كموعد استثنائي يحمل بعدا رمزيا ووجدانيا داخل المشهد الكناوي.
يعد مصطفى باقبو، وفق ما يؤكد المعلم عليكان، إحدى الشخصيات الاستثنائية في تاريخ فن كناوة المعاصر، إذ كان معلما من طراز خاص، بصم مساره الفني بعمق من خلال تجربته الغنية، وإبداعه المتفرد، وتمكنه الموسيقي الذي ترك أثرا واضحا لدى أجيال متعاقبة.
ويضيف أن الراحل ينتمي إلى فئة الكبار الذين يتركون بصمتهم في الذاكرة الفنية، حيث يجمع بين الحس الإبداعي والمعرفة العميقة والقدرة على الأداء والتأثير، وهي عناصر جعلت منه مرجعا داخل هذا الفن.
وفي هذا السياق، يبرز أن أسماء من حجم مصطفى باقبو تتحول مع مرور الزمن إلى علامات فارقة في التاريخ الفني، يتجاوز تأثيرها حدود الجيل الذي عايشها، ليظل إرثها حاضرا في الذاكرة الجماعية للممارسة الكناوية.
وفي ما يتعلق بطبيعة التكريم الموجه للمعلم الراحل مصطفى باقبو، يبرز بعد جماعي واضح يعكس فلسفة الاعتراف داخل الوسط الكناوي، حيث لا ينظر إلى هذا التكريم باعتباره مبادرة فردية أو مؤسساتية محدودة، بل كفعل رمزي صادر عن كامل الجماعة الفنية.
يؤكد المعلم عبد السلام عليكان، المدير الفني للمهرجان، أن إشراك عدد من المعلمين في هذا التكريم يعكس وحدة الشعور داخل الأسرة الكناوية، ويجسد حجم التقدير الذي يحظى به الراحل لدى مختلف الأجيال، باعتبار أن إسهامه يتجاوز المسارات الفردية ليصبح جزءا من الذاكرة المشتركة للتراث الكناوي.
ويضيف أن هذا الاختيار يحمل أيضا دلالة رمزية قوية، ترتبط بضرورة إعادة الاعتبار للفنانين في حياتهم، بدل الاكتفاء بتكريمهم بعد رحيلهم، مشددا على أن عددا من الأسماء كانت تستحق هذا التقدير وهي على قيد الحياة.
وفي هذا السياق، يبرز أن هذا التكريم الجماعي يأتي كتأكيد على أهمية الاعتراف بمن أسهموا في تطوير هذا الفن وإشعاعه، وترسيخ ثقافة الوفاء داخل المنظومة الكناوية.
من باقبو إلى الجيل الجديد.. كيف يتحول التكريم إلى درس في الاستمرارية الفنية؟
في ما يتعلق بالرسالة الموجهة إلى الأجيال الشابة من خلال هذا التكريم، يبرز بعد تربوي وفني يقوم على ترسيخ قيم الاستمرارية داخل الفن الكناوي، من خلال التذكير بأهمية التلقين والاعتراف بالجهود التي أسست لهذا الإرث عبر أجيال متعاقبة.
يؤكد المعلم عبد السلام عليكان، المدير الفني للمهرجان، أن المعلم الراحل مصطفى باقبو لم يترك مجرد رصيد موسيقي، بل خلّف أسلوباً في الأداء ولغة فنية خاصة وحسا إبداعيا لا يزال حاضرا في مسارات عدد من المعلمين الشباب، الذين يستلهمون من تجربته ومن مدرسته الفنية.
ويضيف أن هذا التأثير المستمر يعكس عمق حضوره داخل الذاكرة الموسيقية الكناوية، حيث لا يزال جزء من الجيل الجديد يستند إلى إرثه في تطوير ممارساته الفنية وصقل هويته الموسيقية.
وفي هذا السياق، يشكل هذا التكريم رسالة واضحة مفادها أن التفوق الفني والاجتهاد والوفاء للتقاليد مع الانفتاح على الإبداع يمكن أن تصنع أثرا دائما يتجاوز حدود الزمن، ويكرس حضور الفنان داخل التاريخ الفني.
في ظل هذا الزخم الفني المتواصل، يبدو مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة مقبلا على ترسيخ موقعه أكثر كأحد أبرز الفضاءات التي تعيد تعريف العلاقة بين التراث والموسيقى المعاصرة، حيث تستمر التڭناوية في الانفتاح على تجارب جديدة دون أن تتخلى عن جذورها، في مسار يجعل من الصويرة نقطة التقاء دائمة بين المحلي والعالمي.