إيمان الرازي تكتب: في الجدل المثار حول الرسالة الوزارية لوزير الداخلية

تيل كيل عربي

بقلم: دة إيمان الرازي أستاذة محاضرة بجامعة محمد الخامس

خلقت الرسالة الوزارية التي بعث بها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى الولاة والعمال جدلا وسعا أفرز العديد من الآراء المختلفة بخصوص إعداد برامج التنمية المندمجة الإقليمية، والتي هي بالمناسبة، والمناسبة شرط دائما، ليست مجرد مذكرة إدارية عادية روتينية أو تقنية، لكنها قد تكون بمثابة لحظة سياسية فارقة تعكس يقظة الدولة إزاء خطاب العرش الأخير. بعض المختلفين وجدوا بأن هذه المبادرة تمثل التفافا على المؤسسات المنتخبة، وعودة كذلك، لهيمنة وزارة الداخلية على حساب الأحزاب، بينما آخرون ركزوا على محدودية الأحزاب نفسها في تحويل وعودها إلى برامج واقعية، مع تخوفات واضحة من مصير الجهوية المتقدمة.

إن ما أحاول إثارته هنا ليس تبريرا للداخلية ولا تبرئة للأحزاب، بل قراءة تحليلية نقدية، تسائل الأطراف كلها، وتفكك الخلفيات العميقة لهذا الجدل. فالموضوع في جوهره أعمق من مجرد مذكرة إدارية، لأنه يمس جوهر علاقة الدولة بالمجتمع، ويكشف أزمة الثقة المتبادلة بين الإدارة، الأحزاب، والمنتخبين، بل ويمتد إلى المواطن الذي يجد نفسه عالقا بين وعود قد لا تتحقق وواقع ينتظر تدخل الدولة لإنقاذه.

أولا: الإدارة كفاعل تنموي - إقصاء أم تصحيح؟

من أبرز الآراء التي وردت في هذا السياق، القول إن الدفع بوزارة الداخلية لتتصدر مشهد التنمية يُعَدُّ رجوعاً إلى الوراء، وتبخيساً لدور المنتخبين النابعين من صناديق الاقتراع. هذه الفكرة تحمل وجهاً من الحقيقة، لكنها تتجاهل بُعدا أساسيا: محدودية الكفاءة والفعالية لدى نسبة معتبرة من المنتخبين المحليين. فالوقائع أثبتت أن الكثير من المجالس الترابية عجزت عن صياغة برامج تنموية دقيقة، أو تدبير ميزانياتها بفعالية، بل انزلقت إلى منطق التوازنات الانتخابية الضيقة والترضيات المحلية. في المقابل، يشكل تدخل وزارة الداخلية اليوم محاولة لتصحيح هذا الخلل، ليس عبر إقصاء المنتخبين، لكن عبر إدماجهم في رؤية مركزية أكثر انسجاما مع الأولويات الوطنية.

لذلك، من التعسف اعتبار الأمر "سطوا" على صلاحيات الجماعات الترابية، لأن الدولة بمؤسساتها العليا لا يمكن أن تظل مكتوفة الأيدي أمام أعطاب متكررة، بينما تتسع الفوارق المجالية ويتعمق الإحساس باللاعدالة الترابية. وعليه، فإن قراءة الرسالة الوزارية كخطوة استباقية لتأطير الفعل التنموي تبدو أكثر واقعية، لأنها محاولة لتجاوز الفراغ لا أكثر.

ثانيا: الأحزاب والبرامج الانتخابية - هل هناك أزمة وساطة؟

رأي آخر طرح سؤالا جوهريا: ما جدوى البرامج الانتخابية إذا كانت الإدارة هي التي تُعد وتنفذ البرامج التنموية؟ هذا السؤال مشروع ويعكس مخاوف حقيقية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عمق أزمة الوساطة الحزبية. بعض الأحزاب المغربية، للأسف، لم تتمكن في كثير من الأحيان من تحويل برامجها الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، وبقيت وعودها حبيسة الشعارات الانتخابية أو رهينة الخطاب الشعبوي.

وبدل أن تفرض برامجها من موقعها في المؤسسات المنتخبة، انزلقت إلى موقع التابع لا الفاعل. وهنا تبرز معضلة مركزية: الإدارة لم تملأ الفراغ عبثا أو عن نزعة "توحش"، بل وجدت نفسها أمام فراغ سياسي عميق، وأمام نخب حزبية لم تنجح في إقناع الناخبين ولا في إقناع الدولة بجدارتها التدبيرية. من هنا، بدل اتهام الداخلية بالسطو، يجب أن نعيد توجيه النقاش نحو بعض الأحزاب: لماذا لم تستطع إنتاج نخب قادرة على صياغة برامج تنموية فعلية؟ لماذا اكتفت بالشعارات بدل العمل على تفعيل مضامين الدستور الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة؟

ثالثا: الجهوية الموسعة بين الطموح والواقع

من بين المخاوف التي تكررت عبر كل الآراء المختلفة، الإشارة إلى أن الرسالة الوزارية تمثل تهديدا لمستقبل "الجهوية الموسعة". هذا التخوف له ما يبرره، لكنه يتضمن أيضا قدرا من المبالغة. ففشل التجربة الجهوية حتى الآن لم يكن سببه غياب النصوص الدستورية أو ضعف الإطار القانوني، بل بالأحرى عجز النخب الجهوية عن استثمار ما هو متاح لها، وانزلاقها نحو صراعات داخلية أو حسابات حزبية ضيقة.

صحيح أن الرسالة تُبرز عودة قوية للإدارة المركزية، لكنها يمكن أن تُقرأ أيضا كلحظة انتقالية هدفها توفير أرضية صلبة لانطلاق مشروع الجهوية في أفق أوسع وأكثر نجاعة. إن الإدارة هنا لا تنسف الجهوية، إنما تحاول حماية هذا الورش من السقوط في فراغ قاتل منذ بدايته. المطلوب إذن ليس الصراع بين الإدارة والجهات، بل بناء شراكة قائمة على تكامل الأدوار: الدولة تحدد التوجهات الكبرى وتمول، والجهات تُبدع في التنفيذ وتتحمل المسؤولية السياسية أمام الناخبين.

رابعا: فشل الشركات الجهوية للتنمية - الدرس المستفاد

أشارت بعض التعليقات إلى أن التجارب السابقة، خصوصا الشركات الجهوية للتنمية، كانت فاشلة لأنها صودرت من طرف الداخلية وفرضت من فوق. هذا الطرح يحمل جزءاً من الحقيقة، لكن تحميل الوزارة وحدها كامل المسؤولية فيه تبسيط وسطحية متجاوزة، لكن الواقع يقول بأن تلك الشركات قد فشلت لأنها افتقدت إلى حكامة جيدة، واشتغلت بمنطق المقاولات العمومية التي تُدار بعقلية الصفقات أكثر مما تُدار بمنطق التنمية الشمولية. لكن في المقابل، لم نرَ المجالس المنتخبة تمارس ضغطا جديا لتصحيح المسار أو لفرض أولوياتها المحلية.

بالعكس، في كثير من الحالات، اكتفت بالصمت أو تواطأت من خلاله أمام هذه الاختلالات. الدرس هنا واضح: لا يمكن للتنمية أن تُختزل في هياكل تقنية منعزلة، كما لا يمكن للمجالس أن تتنصل من مسؤوليتها وتترك المجال للإدارة وحدها، المطلوب هو حوار صريح يحدد الأولويات التنموية من موقع تشاركي، حتى لا تُعاد إنتاج نفس الأعطاب تحت مسميات جديدة.

خامسا: وزارة الداخلية كـ"حكومة ظل"- بين الوهم والواقع

من بين أكثر التعابير تداولا في النقاش، القول إن وزارة الداخلية صارت "حكومة ظل". هذا توصيف جذاب لسانيا، لكنه غير دقيق سياسيا. فالإدارة، في النهاية، لا ولن تتحرك خارج الإطار الدستوري ولا بمعزل عن التوجيهات الملكية، بل ضمن رؤية استراتيجية استباقية شاملة تسعى إلى تسريع وتيرة الإنجاز. فالفرق بين الإدارة والحكومة هنا هو أن الأولى تشتغل بمنطق السرعة والانضباط، بينما الثانية غارقة في حسابات الأغلبية والمعارضة والصراعات الحزبية.

وأن الخطورة الحقيقية ليست في "توحش الإدارة"، بل في ضعف الحكومة وعجزها عن لعب دورها كقائد سياسي للمسار التنموي. وحتى ولو كانت للأحزاب برامج واضحة ونخب قوية، لما تركت الفراغ الذي سمح للإدارة بملئه. إذن، الحديث عن "حكومة ظل" قد يُغري خطابيا، لكنه يغفل أن الخلل الأساسي يكمن في غياب الفعل السياسي الجاد، لا في حضور الدولة.

سادسا: بوادر أزمة الثقة المتبادلة

يُظهر النقاش أن ما نعيشه اليوم هو أزمة ثقة مركبة: المواطن فقد ثقته في الأحزاب والمنتخبين الذين لم يترجموا وعودهم إلى أفعال، الدولة فقدت ثقتها أيضا في قدرة هذه الأحزاب على قيادة التنمية، والمجتمع المدني يقف حائرا بين الدفاع عن المنتخبين أو الاصطفاف مع الإدارة. الرسالة الوزارية التي أثارت هذا النقاش ليست سوى انعكاس لهذه الأزمة البنيوية، فهي من جهة محاولة لإعادة الثقة عبر أوراش ملموسة، لكنها من جهة أخرى تُظهر حدود المؤسسات المنتخبة، وأن الاستمرار في تبادل الاتهامات بين الإدارة والأحزاب لا يحل المشكلة، بل يكرسها. المطلوب هنا هو تجديد الثقة على أسس جديدة: كفاءة حقيقية، حكامة شفافة، ومساءلة فعلية. هنا فقط يمكن أن نجد التوازن المطلوب بين شرعية الاقتراع وشرعية الدولة.

سابعا: نحو تكامل الأدوار بدل صراع الشرعيات

إن القراءة الهادئة لما جرى، تدفعنا إلى القول إننا لسنا أمام معركة صفرية بين الدولة والمنتخبين. المطلوب في هذا السياق، هو بناء مقاربة تكاملية تجعل من المنتخب فاعلا سياسيا يترجم إرادة المواطنين، ومن الإدارة ضامنا للفعالية والانضباط. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني غياب الدولة، كما أن الدولة القوية لا تعني تهميش المنتخبين. فجل التجارب الدولية المقارنة تُظهر أن التنمية الناجحة هي تلك التي تزاوج بين الكفاءة التقنية والشرعية السياسية. وبالتالي، فليس المنتظر هنا رفع يد الداخلية بشكل مطلق، ولا تبرير ضعف بعض الأحزاب إلى ما لا نهاية، بل إعادة بناء معادلة متوازنة: الدولة تحدد الخيارات الكبرى، الأحزاب تبلور كلا من دور الوساطة وتعبئة المواطنين، والمجالس المنتخبة تتحمل مسؤولية التنفيذ والمساءلة.

ختاما: الدرس السياسي المستفاد

بقدر ما نحترم التخوفات التي وردت في الآراء التي اختلفت جذريا مع مذكرة لفتيت، بقدر ما يجب أن نقر بأن بعضها يغرق في الحنين إلى خطاب تجاوزه الزمن، خطاب يرى في الإدارة خصما أزليا، وفي المنتخب ضحية أبدية. بينما الحقيقة أكثر تعقيدا: الإدارة تدخلت لأنها وجدت فراغا، والمنتخبون لم يُقصَوا بقدر ما أقصوا أنفسهم بأدائهم الضعيف. خطاب الاتحاد الاشتراكي على سبيل المثال لا الحصر، الذي ألهم هذه القراءة، لم يكن يوما ضد الدولة ولا ضد المؤسسات، بل كان دوما مدافعا شرسا عن المزاوجة بين الديمقراطية والفعالية، بين السياسة كشرعية والإنجاز كضرورة.

ومن هنا، فإن النقاش حول الرسالة الوزارية يجب أن يكون مناسبة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر أحزاب قوية، نخب مؤهلة، ومؤسسات منتخبة قادرة على تحمل المسؤولية، فالتنمية ليست ورشا إداريا فقط، وليست شعارا حزبيا حتى، لكنها ببساطة مسؤولية جسيمة و مشتركة عنوانها الكبير: لا تنمية بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون تنمية.