أبرز ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، والأستاذ الزائر بكلية علوم التربية، أنه في كل مرة يطرح فيها سؤال "أزمة القيم لدى الشباب"، يبدو الأمر كما لو أن المجتمع يبحث عن تفسير سريع لتحولات عميقة يعيشها العالم اليوم، غير أن السؤال الحقيقي ربما لا يكمن في ما إذا كانت القيم قد انهارت، بل في كيفية إعادة الشباب تعريف القيم والهوية في عصر الرقمنة واللايقين.
وأشار في مداخلته خلال ندوة حوارية حول موضوع "الشباب والهوية والتحولات القيمية"، نظمها مجلس مقاطعة أكدال الرياض بتنسيق مع كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط الأربعاء المنصرم، إلى أن الشباب المغربي يعيش اليوم في سياق عالمي مختلف جذريا عن السياقات التي تشكلت فيها الأجيال السابقة، إذ أدت الثورة الرقمية إلى إعادة تشكيل أنماط التواصل وإنتاج المعرفة والاعتراف الاجتماعي، مما جعل الشباب يتحركون داخل فضاء جديد يتسم بما يمكن تسميته باللايقين الرقمي.
وشدد على أن الهوية المغربية لا تزال تستند إلى مجموعة من المرجعيات الثقافية التي تشكل إطارا عاما للانتماء، من بينها الانتماء الوطني والمرجعية الدينية المعتدلة ودور الأسرة في التنشئة الاجتماعية، إضافة إلى التنوع الثقافي الذي يميز المجتمع المغربي.
وأوضح أن هذه المرجعيات لم تعد تعمل بمعزل عن التحولات الرقمية التي يعيشها الشباب، إذ أدى انتشار المنصات الرقمية إلى ظهور فضاء اجتماعي جديد تتشكل داخله القيم وأنماط الاعتراف الاجتماعي، وفي هذا الإطار يشير عالم الاجتماع Manuel Castells إلى أننا نعيش في مجتمع الشبكات حيث أصبحت المنصات الرقمية تلعب دورا مركزيا في تشكيل الرأي العام وإنتاج المعنى الاجتماعي.
وتابع أن في ظل هذا الواقع يمكن ملاحظة مجموعة من التحولات القيمية لدى الشباب، من بينها إعادة تعريف مفهوم النجاح المهني والبحث عن الاستقلالية وتحقيق الذات وارتفاع حساسية الشباب تجاه قضايا العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص إضافة إلى تغير أنماط المشاركة والانخراط في الشأن العام، غير أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة انهيار القيم أو تفككها، بل يمكن فهمها باعتبارها استجابة طبيعية للتحولات التي يعرفها المجتمع.
وأورد أنه لفهم هذه التحولات بشكل أعمق يمكن الاستفادة من مقاربة عالم الاجتماع الفرنسي Raymond Boudon التي تؤكد أن الأفراد يتصرفون وفق عقلانية ذات معنى، ومن هذا المنظور يمكن القول إن الشباب المغربي لا يعيش قطيعة مع هويته الثقافية، بل يمر بعملية تفاوض مستمرة بين مرجعيات متعددة.
وأوضح رئيس المنتدى المتوسطي للشباب بالمغرب أن الشباب اليوم منفتحون على العالم الرقمي وفي الوقت نفسه متشبثون بجزء من مرجعياتهم الثقافية، ويسعون إلى بناء مسارات مهنية وشخصية في سياق يتسم بالتغير المستمر، ومن هنا يمكن الحديث عن ما يسمى بالهوية التفاوضية، أي هوية تتشكل عبر الموازنة بين الثابت الثقافي والتحولات الرقمية.
وأشار إلى أن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تستطيع إيقاف التحولات الكبرى، لكنها تستطيع توجيهها، ولذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في محاولة إيقاف التحولات القيمية المرتبطة بالعالم الرقمي، بل في كيفية تحويلها إلى قوة إيجابية تخدم التنمية والمواطنة والمشاركة.
ونبه إلى أن الشباب اليوم لا يرفضون القيم بل يعيدون البحث عن معناها في عالم سريع التغير، والرهان الحقيقي أمام الجميع من أكاديميين وفاعلين سياسيين ومدنيين وإعلاميين هو مواكبة هذه التحولات وتحويلها إلى فرصة لتعزيز المشاركة والثقة وبناء مجتمع أكثر تماسكا وانفتاحا.