لطالما رددت على مسامعنا ونحن صغار عبارة "الخبز والماء ما يخلي غمة" لم تكن مجرد جملة تقال للتخفيف من وطأة الفقر، بل كانت تختزل فلسفة كاملة في العيش، تقوم على القناعة والاكتفاء بالحد الأدنى الذي يضمن للإنسان الصمود والاستمرار.
غير أن هذه القناعة البسيطة، التي كانت تؤمن نوعا من الطمأنينة، تصطدم اليوم بواقع مقلق يكشف اختلالات عميقة في منظومة الحبوب، فالمغرب، بحسب معطيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ضمن أكبر البلدان المستوردة للقمح في العالم، فيما تشير المعطيات نفسها إلى أن إنتاج الحبوب في سنة 2025 قدر بحوالي 4.5 ملايين طن، أي أقل بنحو 13 في المائة من المعدل، مقابل توقع واردات حبوب خلال موسم 2025 /2026 في حدود 11 مليون طن، بزيادة تقارب 20 في المائة فوق المعدل، نتيجة ضعف المحصول الوطني واستمرار الحاجة إلى تأمين تموين السوق .
40 مليون قطعة خبز
في قاعة بمقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لم يكن تقديم عرض تقرير ضياع وهدر المواد الغذائية، يوم 11 مارس الماضي، مناسبة عابرة، بل لحظة كشفت عن اختلال عميق، حين قال عبد السلام زياد، مدير الاستراتيجية والإحصائيات بوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، "في الوقت الذي يتم فيه استيراد الحبوب بالعملة الصعبة، يتم في المقابل رمي الخبز"، هذه الإشارة تفاعل معها رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر اعمارة، في تعقيبه حين توقف عند رقم وصفه بـ"الصادم"، يتعلق برمي نحو 40 مليون قطعة خبز يوميا.
غير أن أهمية هذا التدخل لم تكمن في الرقم فقط، بل في القراءة التي ربطت بينه وبين العلاقة المركبة للمغاربة مع الخبز، باعتباره مادة تحظى بقيمة رمزية قوية في الوعي الجماعي، لكنها في الممارسة اليومية لم تعد تحظى بنفس القدر من الحرص.
هكذا، خرج النقاش من دائرة "كم نهدر؟" إلى سؤال أكثر إلحاحا: ماذا يعني أن نهدر ونحن ما نزال نستورد؟ وهل يمكن الحديث عن سيادة غذائية في ظل استمرار هذا التناقض بين ما نؤمنه من الخارج وما نفقده في الداخل؟
من "الراباز" إلى القمامة
خلف هذه الأرقام، تتوارى تحولات عميقة في علاقة المغاربة بالخبز تبدأ من أبسط التفاصيل داخل المنزل، تستعيد زهرة، وهي في السبعينات من عمرها، تفاصيل زمن لم يكن فيه الخبز يقاس بعدد القطع، بل بقيمته داخل المنزل، إذ تحكي لـ"تيلكيل عربي" عن عادة كانت شائعة بين الأسر، في إقليم بني ملال، تقوم على تجفيف الخبز المتبقي يوما بعد يوم، إلى أن تتجمع كمية كافية تستعمل في إعداد أكلة تقليدية تعرف بـ"الراباز"، تحتوي مكوناتها على الخبز المجفف مع مرق يحتوي على العدس والفول والبصل، هذه الأكلة هناك أيضا من يطلق عليه اسم "الرفيسة العمياء".
لم يكن هذا السلوك مجرد عادة، بل جزءا من ثقافة تعتبر الخبز "نعمة" لا يجوز التفريط فيها، يقول الحسين أزاز، رئيس الجامعة الوطنية للمخابز والحلويات بالمغرب، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" "إن المغاربة كانوا يتعاملون مع الخبز بقدر كبير من التقدير، إلى حد أن قطعة الخبز إذا سقطت تلتقط ويتم تقبيلها وتحفظ، تعبيرا عن رمزيتها داخل المجتمع.
في المقابل، تعكس فاطمة، وهي في بداية الأربعينات، صورة مختلفة لهذه العلاقة، قائلة "أشتري الخبز حسب الحاجة، لكن أحيانا يبقى جزء منه"، مشيرة، في حديثها لـ"تيلكيل عربي"، إلى أن الخبز الذي يفقد طراوته لا يجد دائما طريقه إلى الاستهلاك ويتم جمعه ورميه في القمامة.
هكذا، انتقل الخبز من "نعمة" يتم التعامل معها بعناية داخل المنزل إلى منتوج متوفر باستمرار ويكون مصيره في النهاية كيس القمامة.
يقول أزاز إن "اقتناء الخبز يتم بكميات تفوق الحاجة اليومية ليستهلك جزء منها ويرمى الباقي بشكل متكرر، في سلوك أصبح "جاري به العمل"، موضحا أن هناك تفاوتا بين المخابز العصرية التي تعتمد التخطيط وتتحكم في الكميات، ووحدات عشوائية يسجل فيها هدر أكبر.
من الضياع إلى الهدر
إن ما يظهر على المائدة ليس سوى الحلقة الأخيرة من مسلسل أطول، فالخبز في المغرب لا يضيع فقط عند الاستهلاك، بل يفقد جزء مهما منه قبل أن يصل إلى المستهلك أصلا.
ويميز العربي الزكدوني، الأستاذ الجامعي والخبير في الاقتصاد الفلاحي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، بين مستويين من الخسارة "الضياع"، الذي يحدث بشكل غير مقصود خلال مراحل الإنتاج والتخزين والنقل والتحويل، و"الهدر"، الذي يعبر عن سلوك التخلص خلال التسويق أو داخل الأسر والمطاعم .
هذا التمييز لا يحمل بعدا مفاهيميا فقط، بل يكشف أن الاستنزاف يبدأ في حلقات تقنية داخل المنظومة، قبل أن يتحول إلى ممارسة يومية عند الاستهلاك.
ويكشف محمد بنقدور، رئيس لجنة البيئة والتنمية المستدامة بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والرئيس المؤسس للجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك، أن كلفة هدر المواد الغذائية بالمغرب، من بينها الخبز، يمكن أن تمول ما لا يقل عن ستة أو سبعة مراكز استشفائية جامعية، وهو ما يعكس حجم الخسارة الاقتصادية المرتبطة بهذه الظاهرة.
ويضيف بنقدور، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن هذه الكلفة لا تقف عند هذا الحد، بل تشمل أيضا ما تتحمله الدولة في جمع النفايات ومعالجتها، إلى جانب الأضرار البيئية الناتجة عنها، فضلا عن استنزاف الموارد المائية التي تستخدم في إنتاج مواد غذائية ينتهي بها المطاف في النفايات دون أن تستهلك.
كما يشير إلى أن جزءا من هذا الضياع يرتبط بضعف شروط التخزين والنقل، وببنيات تسويق لا ترقى دائما إلى المعايير المطلوبة، ما يؤدي إلى فقدان جزء من المنتوج قبل أن يجد طريقه إلى المستهلك.
ولا يتوقف مسار الخبز المتبقي عند حدود التخلص منه داخل الأحياء، بل يمتد إلى فضاءات غير منظمة لتجميعه، حيث يشير أزاز إلى وجود سوق بقلعة السراغنة تنقل إليها كميات مهمة من الخبز الذي لم يستهلك، قبل أن يعاد توجيه جزء منه، في الغالب، كعلف للماشية والدواجن.
غير أن هذه المراحل، بحسب المتحدث ذاته، تظل محاطة بإشكالات مرتبطة بطرق التخزين والمعالجة، إذ أن غياب شروط الحفظ السليم قد يجعل هذا الخبز غير صالح، ما يطرح تساؤلات حول تأثيراته المحتملة على جودة المنتوجات الحيوانية وعلى السلامة الصحية.
ويشير إلى أن هذه الظاهرة ليست معزولة، بل إن عددا من المدن الكبرى تعرف نقاطا معروفة لتجميع هذا الخبز حيث يتم جمعه وإعادة بيعه بطرق غير مهيكلة، في مسار يفتقر إلى المراقبة.
استيراد رغم الإنتاج
تكشف المعطيات أن استيراد المغرب للحبوب لا يرتبط فقط بضعف الإنتاج، كما لا يمكن اختزاله في الهدر وحده، بل يعكس، في العمق، طابعا بنيويا للتبعية إلى الخارج، يفاقمه الضياع والهدر ويزيدان من حدته وكلفته.
وفي هذا السياق، حسم رأي مجلس المنافسة حول "السير التنافسي لسوق المطاحن بالمغرب" الصادر في شهر دجنبر الماضي، جانبا من هذا النقاش حين اعتبر أن المغرب يظل بلدا مستوردا للحبوب "بغض النظر عن تقلبات إنتاجه الوطني"، موضحا أنه حتى في السنوات التي تعرف محاصيل جيدة، كما وقع سنة 2021، تبقى الواردات في مستويات مهمة لتلبية الطلب المتزايد على الحبوب، باعتبارها عنصرا أساسيا في تحقيق الأمن الغذائي الوطني.
هذا المعطى يبدد القراءة التي تفترض أن الموسم الجيد كفيل، وحده، بإنهاء ضغط الاستيراد.
وفي هذا الإطار، كشفت معطيات رسمية لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أن الإنتاج الوطني من الحبوب ظل متذبذبا خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ نحو 32 مليون قنطار في موسم 2019 /2020، قبل أن يقفز إلى 103.2 ملايين قنطار في 2020 /2021، ثم يتراجع إلى 34 مليونا في 2021 /2022، ويرتفع إلى 55.1 مليون قنطار في 2022 /2023، قبل أن ينخفض مجددا إلى 31.2 مليون قنطار في 2023 /2024، ثم إلى 43 مليون قنطار في 2024/2025 .
ورغم الارتفاع القياسي في الإنتاج خلال موسم 2020 /2021، استورد المغرب نحو 87.1 مليون قنطار، وهي كمية تفوق ما تم استيراده خلال موسم 2019 /2020، الذي لم يتجاوز فيه الإنتاج 32 مليون قنطار، وتم خلاله استيراد 86.2 مليون قنطار، ما يطرح تساؤلا حول دقة هذه الأرقام ومدى تعبيرها الفعلي عن واقع التوازن بين الإنتاج والاستيراد.
غير أن الزكدوني ينبه إلى ضرورة قراءة هذه الأرقام بحذر، موضحا أن استيراد نحو 87.1 مليون قنطار خلال موسم 2020 /2021 لا ينبغي أن يقرأ على ضوء محصول السنة نفسها، بل على ضوء محصول الموسم السابق 2019 /2020 الذي لم يتجاوز 32.4 مليون قنطار.
إن تفسير استمرار الاستيراد لا ينفصل، في نظره، عن حقيقة أعمق تتمثل في أن المغرب يعتمد هيكليا على الخارج في الحبوب منذ ستينيات القرن الماضي، حتى إن الواردات شكلت، خلال فترات ممتدة، ما يقارب 47 في المائة من الحبوب المستعملة على الصعيد الوطني .
لكن المفارقة الأبرز أن هذا الاستيراد لا يعكس فقط ضعف الإنتاج، بل أيضا عجزا عن الحفاظ على ما يتحول إلى خبز داخل السوق، حيث يهدر جزء منه بشكل متكرر، لا يقف الضياع عند كلفته المباشرة، بل يمتد ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بكيفية تدبير الغذاء في علاقته بالسيادة.
وفي هذا الصدد، يرى الزكدوني أن معركة السيادة الغذائية لا يمكن اختزالها في رفع الإنتاج فقط، بل تفرض، بالقدر نفسه، تقليص الضياع والهدر باعتبارهما رافعتين أساسيتين للحد من التبعية.
ويعزو هذا الطرح إلى إكراهات بنيوية، في مقدمتها محدودية الموارد الطبيعية، خاصة المياه والأراضي، واشتداد الضغط المناخي، إلى جانب التقلبات الجيوسياسية التي تؤثر على تموين الأسواق، معتبرا أن التحكم في هذه العوامل يمر عبر تحسين تدبير السلسلة الغذائية، وليس فقط عبر توسيع العرض.
دعم بالمليارات… وخسارة صامتة
إذا كان الضياع والهدر يكشفان عن استنزاف الخبز والحبوب، فإن الوجه الآخر للمفارقة يظهر عند النظر إلى الكلفة المالية التي تتحملها الدولة لضمان تموين السوق بالحبوب واستقرار أسعار الخبز.
فالمعطيات الرسمية تفيد أن الدولة تواصل دعم حصة من الدقيق الوطني للقمح اللين تقدر بـ6.26 ملايين قنطار موجهة لفئات محددة، كما تعتمد، عند ارتفاع الأسعار الدولية، آليات للتدخل تشمل تعليق الرسوم الجمركية وتفعيل نظام دعم يغطي الفارق بين السعر العالمي وسعر مرجعي محدد في 270 درهما للقنطار .
وبلغة الأرقام بلغت الكلفة الإجمالية لدعم القمح المستورد والدقيق الوطني من القمح اللين حوالي 1.137 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2025، في حين تجاوزت نفقات دعم السوق الداخلية، بما يشمل المطاحن الصناعية ونقل الدقيق المدعم ومنح التخزين والتجميع، 1.291 مليار درهم سنة 2024 .
ويوضح بنقدور أن الخبز لا يمثل مجرد منتوج بسيط، بل نتيجة سلسلة كاملة من الكلف تشمل الماء، والطاقة، والنقل، والعمل، والدعم العمومي، ما يجعل من هدره هدرا لمنظومة إنتاج متكاملة، وليس فقط لمادة غذائية .
وفي الاتجاه نفسه، يؤكد أزاز أن تكلفة الخبز تتجاوز بكثير ثمن الدقيق، إذ تشمل مختلف حلقات الإنتاج، من اليد العاملة إلى الطاقة والتوزيع، لافتا إلى أن التخلص من الخبز يعني، في الواقع، إهدار قيمة مضافة راكمتها هذه المنظومة بأكملها .
نجاعة السياسات
إن هذه المبالغ المالية المرصودة من أجل تموين السوق تطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة، في ظل استمرار مظاهر الهدر، كما تثير علامات استفهام حول محدودية أثرها الفعلي على مستوى ترشيد الاستهلاك وتقليص الضياع، بما يكشف عن اختلال في توجيه الدعم وغياب آليات صارمة لربط التمويل بالنتائج.
ويبدو أن الرهان لم يعد يقتصر على ضخ مزيد من الموارد، بل على إعادة النظر في نموذج التدخل العمومي نفسه، بما يضمن الانتقال من منطق الكلفة إلى منطق النجاعة، ويفتح النقاش حول حلول عملية تعيد لهذا الدعم معناه الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يقترح بنقدور أن الحد من هذه الظاهرة يمر عبر تدخل متكامل يجمع بين تقليص الضياع في مراحل الإنتاج والتخزين والنقل من خلال تحسين الوسائل المعتمدة، وبين تغيير السلوك الاستهلاكي القائم على اقتناء كميات تفوق الحاجة.
غير أنه يؤكد أن التوعية وحدها غير كافية، بل ينبغي مواكبتها بإجراءات عملية، من بينها الزجر من خلال قانون يدرج آليات للردع، إلى جانب وضع استراتيجية وطنية واضحة وخريطة طريق تحدد الأولويات وتوجه التدخلات بشكل فعلي.
ولمواجهة هذا الوضع، يدعو أزاز إلى اعتماد مقاربة تجمع بين التحسيس والتنظيم والتثمين، من خلال إطلاق حملات وطنية لترشيد استهلاك الخبز، إلى جانب إرساء آليات لتجميع الفائض وإعادة تدويره بشكل منظم، عبر تقنيات مثل التجفيف التي تسمح بإعادة استعماله.
كما يقترح تعزيز التنسيق بين المهنيين لتجميع الخبز غير المستهلك وتوجيهه نحو مسارات تثمين واضحة، غير أن هذه المبادرات تظل رهينة بتوفير الإمكانيات اللوجستية ووضع إطار تنظيمي مؤطر.
من جانبه، يرى الزكدوني أن تقليص هذه الظاهرة يقتضي الجمع بين مقاربتين متكاملتين: تحسين تقني يحد من ضياع المنتوج خلال الإنتاج والتخزين والنقل، مقابل إحداث تحول سلوكي قائم على التربية والتحسيس من أجل الحد من الهدر، إلى جانب اعتماد مقاربة مجالية مندمجة ترتكز على تقييم إمكانات الإنتاج الوطني، وتشجيع المنتوج المحلي، وتقليص الفاقد في مختلف حلقات السلسلة الغذائية.
وتختزل الأدبيات الاستراتيجية هذا الرهان في عبارة واضحة "من لا يملك غذاءه لا يملك قراره"، غير أن امتلاك الغذاء لا يقاس فقط بحجم ما ينتج أو يستورد، بل بمدى القدرة على حفظه وتدبيره ومنع تبديده، لأن السيادة لا تبنى في الحقول وحدها، بل تتجلى في كيفية الحفاظ على ما يصل إلى المائدة.