لم تقتصر مصادقة مجلس الحكومة، اليوم الخميس، على إعادة تنظيم المندوبية السامية للتخطيط، بل حمل مشروع القانون المتعلق بالنظام الإحصائي الوطني أحد أبرز مستجداته بإحداث "المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية"، باعتباره هيئة وطنية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ستتولى لأول مرة الإشراف على قواعد إنتاج الإحصاءات الرسمية بالمغرب، ووضع معاييرها، والسهر على احترام استقلاليتها وجودتها، فضلا عن تقييم أدائها وإبداء الرأي في مشاريع النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بالمجال الإحصائي.
ويأتي هذا الإصلاح، وفق مذكرة تقديم المشروع، تنفيذا للتوجيهات الملكية الداعية إلى إرساء إطار قانوني جديد للإحصاءات والدراسات الإحصائية، وتعويض الترسانة القانونية التي يعود جزء منها إلى سنة 1968، بما ينسجم مع الدستور والمعايير الدولية الحديثة في مجال إنتاج المعلومة الإحصائية. وتؤكد الحكومة أن المشروع يروم بناء نظام إحصائي وطني أكثر استقلالية وشفافية، يقوم على الجودة والحياد، ويضمن الثقة في الأرقام الرسمية.
ويمنح المشروع المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية صلاحيات واسعة تجعله المرجعية العليا للإحصاء الرسمي بالمغرب. فإلى جانب السهر على احترام المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية، يتولى تحديد المفاهيم والمعايير والمناهج والتصنيفات الإحصائية الوطنية، ووضع معايير الجودة التي تخضع لها جميع الهيئات المنتجة للإحصاءات الرسمية، وإعداد البرنامج الإحصائي الوطني السنوي ومتعدد السنوات، وتحديد الجدول الزمني لنشر الإحصاءات الرسمية، فضلا عن منح التأشيرة الإحصائية للبحوث والإحصاءات التي تنجزها مختلف الهيئات قبل الشروع في تنفيذها.
ولا يقف دور المجلس عند الجانب التقني، إذ يصبح مؤسسة استشارية للدولة في المجال الإحصائي، حيث يمنحه المشروع صلاحية إبداء الرأي، بمبادرة منه أو بطلب من رئيس الحكومة أو أحد رئيسي مجلسي البرلمان، في مشاريع ومقترحات القوانين والمراسيم ذات الصلة بالإحصاء، كما يمكنه اقتراح أي تدبير تشريعي أو تنظيمي يراه ضروريا لتطوير المنظومة الوطنية للإحصاء، فضلا عن إبرام شراكات مع الهيئات الوطنية والأجنبية والدولية العاملة في المجال نفسه.
ويقترح المشروع هيكلة جديدة للمجلس، يرأسها رئيس يعين بظهير، إلى جانب خمسة خبراء في مجال الإحصاء يعينون بالطريقة نفسها، وخبيرين آخرين يعينان وفق نص تنظيمي، ومدير المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، وعضو يمثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. كما يحضر رئيس قطب إنتاج ونشر المعلومة الإحصائية وإعداد الحسابات بصفة استشارية. وتحدد مدة ولاية الرئيس والأعضاء في خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مع منع الجمع بين عضوية المجلس وأي وظيفة انتخابية أو نشاط داخل الهيئات الإحصائية أو أي نشاط مهني أو تجاري، تكريسا لاستقلاليته.
ويمنح المشروع رئيس المجلس صلاحيات تنفيذية واسعة، إذ يتولى إعداد جميع الوثائق التي تعرض على المجلس، وتنفيذ مقرراته، وتمثيله أمام القضاء والإدارات والمؤسسات الوطنية والدولية، وإدارة موارده البشرية والمالية، والتوقيع على اتفاقيات الشراكة، وإعداد مشروع الميزانية، مع إمكانية تفويض جزء من اختصاصاته. كما يرفع، قبل 30 يونيو من كل سنة، تقريرا سنويا عن أنشطة المجلس إلى الملك، بعد مصادقة المجلس عليه، مع إحالة نسخة منه على رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، على أن يكون موضوع مناقشة أمام البرلمان، وينشر في الجريدة الرسمية.
ولضمان استقلاله المالي، ينص المشروع على أن يتوفر المجلس على ميزانية خاصة، تتكون من الإعانات العمومية والهبات والوصايا ومداخيل أخرى، مع إخضاع تنفيذها لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات. كما يحدث أمانة عامة يرأسها أمين عام يعين بظهير لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ويتولى تنسيق المصالح الإدارية والمالية للمجلس، وممارسة السلطات المفوضة إليه من رئيسه.
وفي مقابل هذه الصلاحيات، يفرض المشروع على جميع الهيئات الإحصائية تزويد المجلس بالمعلومات والوثائق اللازمة لأداء مهامه، ويمنحه سلطة اعتماد الهيئات الخاصة التي تنجز خدمات إحصائية لفائدة الدولة، مع فرض احترام مبادئ الاستقلالية والحياد والشفافية وسرية المعطيات، والتنصيص على عقوبات مالية في حق الممتنعين عن الإجابة على الاستبيانات الإحصائية أو الإدلاء بمعطيات غير صحيحة، فضلا عن ترتيب المسؤولية الجنائية عن خرق السر الإحصائي. وبذلك، يؤسس المشروع لمرحلة جديدة في تدبير الإحصاء الرسمي بالمغرب، قوامها هيئة مستقلة تضطلع بدور المنظم والضامن لجودة وموثوقية الأرقام الرسمية، بعد أن ظل هذا المجال لعقود يؤطر بنصوص متفرقة تعود إلى أكثر من نصف قرن.