في تحليل سوسيولوجي، قدم المفكر التونسي الطاهر لبيب مداخلة خلال الندوة الافتتاحية للدورة العشرين لمهرجان "ثويزا" بطنجة، فكك فيها ثنائية "الحب والكراهية" من زاوية اجتماعية وسياسية، محذرا من أن الأزمة الحقيقية التي تواجه المجتمعات المعاصرة لا تكمن في المشاعر المتناقضة، بل في سيادة "اللامبالاة" و"التفاهة".
وجاء ذلك خلال مشاركته، عشية أمس الخميس، في الندوة الافتتاحية للدورة العشرين للمهرجان، المنظمة تحت عنوان "دفاعا عن الحب في مواجهة الكراهية"، حيث قدم قراءة سوسيولوجية للعلاقة بين الحب والكراهية، وربطها بالتحولات السياسية والثقافية التي يشهدها العالم.
اللامبالاة.. العدو الخفي للحب
استهل لبيب مداخلته بالتأكيد على أن الحب والكره معطيان فطريان، بينما اللامبالاة هي "اكتساب اجتماعي".
وأوضح مؤلف كتاب سوسيولوجيا الثقافة أن المجتمع هو من يدرب الفرد على عدم الاهتمام، محذرا من أن اللامبالاة الجماعية هي التي تملك القدرة التاريخية على الإطاحة بالدول والأنظمة، لأنها تنهي الرابط الاجتماعي من أساسه.
جلد الذات والمسافة "المستحيلة" مع الغرب
تطرق صاحب كتاب صورة الآخر إلى مفهوم "كره الذات"، أو ما سماه "جلد الذات" العربي، معتبرا إياه عائقا أمام إقامة علاقات سلمية مع الآخر، فالذات المكروهة لا يمكنها أن تحب.
وحلل العلاقة المعقدة بين العرب والغرب، واصفا إياها بأنها "مزيج بين الإعجاب والعداء"، لافتا إلى أن المشكلة تكمن في فشل العرب في إيجاد "المسافة المناسبة" مع الثقافة الغربية، فهم الأقرب إليها جغرافيا، والأبعد عنها ثقافيا، مما يخلق توازنا مفقودا بين الانصهار الكلي والصراع الكلي.
جيوسياسة الكراهية واقتصاد التفاهة
اعتبر السوسيولوجي التونسي أن الكراهية اليوم ليست مجرد مشاعر عشوائية، بل هي أداة لرسم خرائط العالم الجديدة، واصفا "الشرق الأوسط الجديد" بأنه "شرق أوسط الكراهية".
وربط لبيب بين تفشي الكراهية والنظام "النيوليبرالي" القائم على التسويق، مؤكدا أن الكراهية أسهل تسويقا من الحب، واستشهد بمفهوم "سيطرة التفاهة" (Mediocracy)، موضحا أن غياب المعنى والانسياق وراء التفاهة يساعدان على نشر الغل والانفلات في المشاعر.
ولم يكتف لبيب بتحليل الكراهية تجاه الآخر البعيد، بل رصد تفشي ما أسماه "الكراهية الجوانية" بين الشعوب العربية، معتبرا أنها كراهية تصنعها الأنظمة السياسية وتنتقل بالعدوى إلى الجماهير.
وضرب مثالا بظاهرة "التشفي" التي تبرز في المنافسات الرياضية، مثل كأس العالم، حيث تجند منصات التواصل الاجتماعي للاحتفاء بخسارة بلد عربي أمام آخر، نتيجة شحن سياسي مسبق، وهو ما يحول الرياضة من فضاء للتقارب إلى ساحة لتصريف الأحقاد السياسية عبر بدائل رياضية.
لماذا تخشى السياسة والدين "الحب"؟
أوضح لبيب أن "السياسة ضد الحب"، لأن السياسة سلطة، والسلطة لا يمكنها التحكم في المحبين أو تدبير مشاعرهم، بينما يمكنها تسويغ أو تدبير "الجنس" إداريا وقانونيا.
وانتقد الخطاب الديني المعاصر الذي يروجه بعض "الدعاة"، مشيرا إلى تحول الحب إلى "تابو"، حتى إن بعضهم يرفض نطق الكلمة ويكتفي بقول "الحاء والباء"، أو يصدر فتاوى غريبة تمنع المرأة من البحر لأنه "مذكر"، معتبرا أن هذا النوع من التدين يساهم في تغذية الكراهية المقدسة وتوظيف الدين سياسيا.
العدالة الاجتماعية كشرط للحب
وشدد على أنه لا يمكن الحديث عن تقليص الكراهية في مجتمعات تعاني من غياب العدالة الاجتماعية، مؤكدا أنه لا يرى أي إمكانية للحد من الكراهية دون تحقيق العدالة الاجتماعية باعتبارها المدخل الأساس لبناء علاقات إنسانية سليمة.
وتساءل مستنكرا: "كيف تطلب من مضطهدين، أو مئات الآلاف من العاطلين عن العمل، أو من سكان جهات محرومة، أن يحبوا الجانب الآخر؟"، معتبرا أن الدعوة إلى الحب في ظل الإقصاء والتهميش تفتقد إلى الواقعية.
وأكد لبيب أن الحب في ظل غياب العدالة الاجتماعية يتحول إلى "حب مصطنع"، مشيرا إلى أن التمايز الاجتماعي الفج هو الوقود الحقيقي للعداء والإقصاء، وأن ما يوصف عادة بـ"الكراهية" ليس سوى عنوان لمجموعة من السلوكيات الاجتماعية السلبية، من قبيل العداء، والتشفي، والتباعد، والإقصاء.
وأضاف أن هذا العداء لا يمكن أن يتراجع أو يتقلص في مجتمع يعاني من غياب الإنصاف وتكافؤ الفرص، مبرزا أن تحقيق العدالة الاجتماعية يظل شرطا أساسيا للحد من مظاهر الكراهية وبناء مجتمع أكثر تماسكا.
وانتقد لبيب الخطابات التي تدعو إلى الحب والوئام دون الالتفات إلى الواقع المادي للمهمشين، واصفا الحب في ظل غياب العدالة بأنه "حب مصطنع"، لأن المشاعر الإيجابية، بحسب تعبيره، لا يمكن أن تنمو في بيئة يشعر فيها الأفراد بالظلم والتهميش والإقصاء.
الحب كفعل مقاومة لا استسلام
وفي ثنايا مداخلته، طرح لبيب سؤالا حول كيفية مواجهة "عدو يعيش على الكراهية"، في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي، بالحب دون أن يكون ذلك استسلاما.
وأبرز أن الحب يجب أن يكون "وسيلة احتجاج" و"مقاومة" لبشاعة العالم، وليس وسيلة للخنوع، مستحضرا صرخة الشاعر أمل دنقل "لا تصالح"، ليؤكد أن الحب الحقيقي يمتلك وجهين، وجه العاطفة ووجه الرفض للظلم.
لاحظ صاحب كتاب سوسيولوجيا الغزل العربي تراجع التعبير عن الحب في الثقافة العربية المعاصرة، فبعد أن كان الحب "نسب" القصيدة وروح الشعر في العصور الزاهية، انتقل، مع تراجع القوة الحضارية، إلى "النثر" وتصنيف الكتب، ثم تضاءل حضوره في الشعر الحديث ليتسرب إلى "الرواية"، حيث تحول الحب اليوم إلى "سرد" أكثر منه "شعورا" شعريا خالصا.